و لا اخبار باللازم من ناحية اخرى فلا مقتضى للالتزام بتحقق اللازم.
فالنتيجة ان المتعارضين لا يترتب عليهما اثر لا بالنسبة الى الدلالة المطابقية و لا بالنسبة الى الدلالة الالتزامية.
و بعبارة اخرى: ان الدلالة المطابقية مفروضة العدم بالمعارضة و وجودها كعدمها و المفروض انه لا دليل على اللازم غير هذه الدلالة الساقطة عن الاعتبار بالمعارضة فالنتيجة سقوط المتعارضين عن الاعتبار بالنسبة الى كلتا الدلالتين.
فتحصل انه لو لم يكن دليل من الخارج على ترجيح احد المتعارضين على الآخر أو على التخيير كان مقتضى التعارض التساقط الا فيما يكون احد الدليلين قابلا لان يتصرف به في الآخر بالورود أو الحكومة.
و بعبارة واضحة: التعارض يتوقف على عدم كون احدهما قرينة على الآخر و أما لو كان احدهما قابلا للقرينة في نظر العرف لا يتحقق التعارض و لذا نرى انه لو قال احد رأيت اسدا يرمي يحمل لفظ الاسد في كلامه على الرجل الشجاع لاجل ان قوله يرمي قابلا للقرينية مع ان ظهور لفظ الاسد بالوضع و ظهور لفظا يرمي في الرمي بالنبال بالاطلاق.
و من هنا يظهر المناط في التقديم الظهور العرفي و كون أحدهما قرينة عرفا فلا أثر لأقوائية الظهور بل المناط بكون أحدهما قرينة على الآخر.
[الكلام في عدة موارد]
[المورد الأول: تعارض الظهور الوضعى مع الظهور الاطلاقى]
اذا عرفت ما تقدم وقع الكلام بينهم في عدة موارد الاول: انه لو كان ظهور احد الدليلين في العموم بالوضع و ظهور الدليل الآخر في العموم بالاطلاق فهل يقع التعارض بين الدليلين أو يقدم
ما بالوضع على ما بالاطلاق؟
مثلا لو قال المولى في دليل اكرم العلماء يكون كلامه ظاهرا بالظهور الوضعي في وجوب جميع أفراد العلماء فلو قال في دليل آخر لا تكرم الفاسق يكون كلامه ظاهرا بالظهور الاطلاقي في حرمة اكرام الفاسق و لو كان عالما فيقع التعارض بين الدليلين في العالم الفاسق فهل يتقدم العموم الوضعي على العموم الاطلاقي أو يسقط كلا الظهورين بالتعارض؟
ذهب الشيخ(قدس سره)الى الاول و اختار تقدم العموم الوضعي على الاطلاقي بدعوى ان المطلق معلق على عدم البيان و حيث ان العام الوضعي قابل لان يكون بيانا للعام الاطلاقي يؤخذ بالعموم الوضعي و ترفع اليد عن الاطلاقي و يقيد حرمة اكرام الفاسق بالفاسق غير العالم.
و أورد عليه صاحب الكفاية بأن الاطلاق بعد تحققه لا ينقلب عما هو عليه و لا يزول اطلاقه فلا وجه لترجيح ما بالوضع على ما بالاطلاق.
و الذي يختلج بالبال أن يقال: تارة نقول: اذا قارن كلا الدليلين في الكلام و اتصلا كما لو قال المولى العلماء، و أوفوا بالعقود و لا تكرموا الفاسق يكون كلا الدليلين مجملا لمقارنة كل منهما الآخر و قابلية كل منهما قرينة للمراد من الآخر.
و اخرى نقول: في صورة التقارن يتقدم العام الوضعي على العام الاطلاقي و يكون العموم الوضعي قرينة للآخر.
و ثالثة لا نجزم بأحد الطرفين و نقول: لا يمكننا الجزم باحد الطرفين أما على الاول فالحق ما أفاده صاحب الكفاية اذ لا وجه لترجيح احد الطرفين على الآخر بل لا بد من معاملة المجمل مع
كلا الدليلين بلا فرق بين كون الدليلين متصلين أو منفصلين.
كما ان الامر كذلك على التقدير الثالث اذ مع الشك و عدم الجزم لا يمكن الحكم باحد الطرفين فالنتيجة هي الاجمال كالصورة الاولى.
و أما على التقدير الثاني فالحق ما أفاده الشيخ(قدس سره)اذ لو قلنا بأن التقارن يقتضي سقوط الاطلاق و عدم تحققه يكون معناه ان العام الوضعي قابل للتصرف في الاطلاق و منعه عن انعقاده فاذا كان كذلك يكون مقدما عليه و لو في صورة الانفصال لا من باب الكشف عن عدم الاطلاق و لا من باب انقلاب المطلق عما هو عليه فان هذا التوهم بكلا وجهيه باطل فان المقدمات لو تمت ينعقد الاطلاق و الشيء لا ينقلب عما هو عليه بل لان ما يصلح للقرينة اذا كان متصلا بذي القرينة يكون مانعا عن انعقاد الظهور و اذا كان منفصلا يكون رافعا لحجية ذلك الظهور فما أفاده الشيخ في الفرض المذكور تام لا غبار عليه.
و لا يبعد أن يكون العموم الوضعي مقدما على العموم الاطلاقي و يكون قرينة لما اريد من الاطلاق فيكون في صورة الاتصال مانعا عن انعقاد الاطلاق و مع الانفصال يكون موجبا لسقوط الاطلاق عن الاعتبار.
فلو قال المولى لعبده أو وكيله بع الكتب كلها و قال أيضا في جملة من كلامه ما وهب لي لا يباع لا يشك العبد أو الوكيل ان الكتب كلها تباع و لو كان بعضها موهوبا فلاحظ.
المورد الثاني: [تعارض الاطلاق الاستغراقى مع الاطلاق البدلى]
ما لو وقع التعارض بين العموم الاستغراقي الاطلاقي و العموم الاطلاقي البدلي كما لو ورد في دليل اكرم العالم و ورد في دليل آخر لا تكرم الفاسق فانه يقع التعارض بينهما بالتعارض بالعموم
من وجه و يتعاندان في العالم الفاسق فبمقتضى حرمة اكرام الفاسق يحرم اكرامه و بمقتضى وجوب اكرام العالم يجوز اكرامه فهل يتقدم العموم الاستغراقي على العموم البدلي و يلتزم بعدم جواز اكرام العالم الفاسق أم لا؟
ذهب الميرزا النائيني الى الترجيح و بين المدعى بوجوه:
الوجه الاول: ان الاطلاق الاستغراقي يقتضى شمول الحكم لجميع الافراد فكل فرد من أفراد الطبيعة محكوم بذلك الحكم مثلا كل فاسق محكوم بحرمة الاكرام في المثال الذي ذكرنا.
و أما الاطلاق البدلي فلا عموم في مقتضاه اذ الحكم متعلق بالطبيعة و غايته تضييق دائرة الطبيعة فرفع اليد عن الاطلاق الاستغراقي رفع اليد عن جملة من أفراد الطبيعة و أما رفع اليد عن الاطلاق البدلي فليس كذلك فيكون الاطلاق الاستغراقي مقدما و حاكما على الاطلاق البدلي.
و أورد عليه سيدنا الاستاد(قدس سره)بايرادين الايراد الاول: ان الوجه المذكور مجرد استحسان و لا يقتضي التقديم.
الايراد الثاني: ان المدعى باطل من أصله و ذلك لان الاطلاق البدلي أيضا يستلزم الاستغراق كالاطلاق الشمولي.
بيان ذلك: ان الوجوب اذا تعلق بطبيعة كما لو قال المولى اكرم العالم ينحل حكمه الى حكمين احدهما: وجوب اكرام طبيعة العالم، ثانيهما: ترخيص تطبيق تلك الطبيعة على كل فرد من الافراد فالحكم الايجابي و ان لم يكن استغراقيا لكن الحكم الترخيصي استغراقي و يشمل كل فرد من الافراد فلا فرق بين الاطلاقين من هذه الجهة غاية الامر ان الاستغراق في احد الدليلين بالنسبة الى الحكم الالزامي و في الآخر بالنسبة الى الحكم الترخيصي
فلا فارق بين المقامين.
أقول: نتعرض اولا لما أفاده سيدنا الاستاد و ثانيا لما أفاده الميرزا فنقول: الظاهر ان ما أفاده سيدنا الاستاد ليس تاما اذ نسأل ان تطبيق الطبيعة عين وجود الطبيعة أو غيره.
و بعبارة اخرى: وجود الطبيعة في الخارج متحد مع الوجود المرخص فيه أو ليس متحدا و ببيان واضح: ان التركيب بين الطبيعة و الفرد اتحادي أو انضمامي أما على الاول فلا يعقل اذ يلزم اجتماع الضدين فان الاحكام باسرها متضادة من حيث المبدا و لا يمكن اجتماع المحبوبية و عدمها.
توضيح المدعى: ان الطبيعة الواجبة اذا تحققت في الخارج تكون محبوبة للمولى فكيف يمكن أن لا تكون محبوبة و لا مبغوضة.
و ان شئت قلت: ان الحلال بالمعنى الاخص لا يمكن و لا يعقل أن يكون مصداقا للواجب.
و أما على الثاني فيلزم جواز اجتماع الامر و النهي فيجوز ايجاد الطبيعة الواجبة في ضمن الفرد المحرم اذ قد فرض ان وجود الفرد غير وجود الطبيعة أي فرض كون التركيب انضماميا و مع كون التركيب انضماميا لا مانع عن الامتثال و يجوز اجتماع الامر و النهي و هل يلتزم سيدنا الاستاد بهذا اللازم الباطل.
فالحق أن يقال: كما حقق في محله- ان وجود الفرد عين وجود الكلي أي وجود واحد مصداق للشخص و الصنف و النوع و الجنس القريب و المتوسط و جنس الاجناس فلا مجال للقول بالترخيص في الطبائع الواجبة فما أفاده غير تام.
و لذا قلنا ان الكراهة في العبادة معناها قلة الثواب لا الكراهة بمعناها الاصطلاحي فاذا أوجب المولى طبيعة كالصلاة مثلا يكون
الواجب ايجاد الطبيعة فقط.
ان قلت: اذا لم يكن ترخيص من قبل المولى بالنسبة الى تطبيق الطبيعة على أفرادها فما الوجه في كون المكلف مطلق العنان بالنسبة الى التطبيق.
قلت: الوجه فيه ان المولى رفض القيود و مرجع رفض القيود عدم ترجيحه احد الاطراف على الافراد الأخر.
و ببيان أوضح: ان المولى لا مجال له أن يرخص اذ كل فعل له حكم واحد و لا يعقل أن يجتمع فيه حكمان.
و ببيان آخر: انه لا اشكال في كون مصداق الواجب محبوبا للمولى و مع كونه محبوبا له هل يمكن أن لا يكون محبوبا و لا مبغوضا كلا.
و أما الترخيص فبحكم العقل بعد عدم ترجيح المولى بعض الافراد على الافراد الأخر هذا ما يرجع الى كلام سيدنا الاستاد.
و أما ما افاده الميرزا فغير تام أيضا اذ هو(قدس سره)قد اعترف بأن الاخذ بالاطلاق الشمولي يوجب تضييق دائرة الاطلاق البدلي فنسأل أي وجه في ترجيح أحد الطرفين على الآخر مع ان الاخذ بكل من الطرفين يوجب رفع اليد عن ظاهر الآخر.
و الفارق الذي ذكره غير قابل للفارقية فالحق انه لا ترجيح فيوجب اقترانهما اجمال كلا الدليلين و افتراقهما يوجب سقوط ظهور كليهما عن الاعتبار و الحجية فلاحظ.
الوجه الثاني: ان انعقاد الاطلاق في الاطلاق البدلي يتوقف على مقدمة زائدة على مقدمات الاطلاق و هي تساوي الافراد في الوفاء بالغرض اذ مع عدم احراز التساوي لا يتحقق الاطلاق.
و أما في الاطلاق الشمولي فلا يتوقف الاطلاق على المقدمة
المذكورة فان الافراد في العام الشمولي لا تكون متساوية في الغرض مثلا اذا قال المولى لا تزن أو لا تقتل أحدا أو لا تهن المؤمن و هكذا يكون الحكم شاملا لجميع الافراد و لا تكون الافراد متساوية في الملاك فان حرمة الزنا لها مراتب و كذا القتل و كذا الاهانة و هكذا.
مثلا حرمة الزنا بذات البعل لا تساوي حرمة الزنا بالخلية و قس عليها بقية الموارد و مع وجود الاطلاق الشمولي لا يحرز تساوي الافراد في الاطلاق البدلي فيكون الاطلاق الشمولي قابلا لبيان المراد من الاطلاق البدلي و أما في عكسه فلا و هذا وجه الترجيح.
و يرد عليه أولا النقض و ثانيا الحل أما النقض: فان الاطلاق الشمولي أيضا يحتاج الى مقدمة و هي احراز أن لا يكون بعض أفراد العام مزاحما بجهة مانعة عن شمول الحكم.
مثلا ربما يكون العلم مانعا عن حرمة اكرام الفاسق و الاطلاق البدلي قابل لان يكون مانعا عن تحقق المقدمة المذكورة.
و بعبارة اخرى: يكون قابلا للمنع عن انعقاد الاطلاق في الاطلاق الشمولي فلا ترجيح في البين.
و أما الحل: فنفس الاطلاق و مقدماته كافية لتحقق المقدمة المذكورة فان المولى لو كان في مقام البيان و رتب الحكم على الطبيعة و قال اكرم العالم و لم يقيده بالعادل يكشف عن تسوية الحكم و تسوية الافراد في الوفاء بالغرض كما ان المولى لو كان في مقام البيان و نهى عن طبيعة و لم يخرج فردا أو نوعا خاصا يكشف عن الحكم شامل لجميع افراد الموضوع فلا ترجيح لاحدهما على الآخر من هذه الجهة.
الوجه الثالث: ان الاطلاق البدلي يتوقف على عدم الاطلاق الشمولي فاذا توقف عدم الاطلاق الشمولي على عدم الاطلاق البدلي يلزم الدور و الدور محال.
و يرد عليه اولا: بالنقض و ثانيا بالحل أما النقض فنقول:
انعقاد الاطلاق في الشمولي يتوقف على عدم الاطلاق البدلي فاذا توقف عدم الاطلاق البدلي على الاطلاق الشمولي يلزم الدور و الدور محال.
و أما الحل: فهو عدم توقف الاطلاق في كل من الموردين على عدم الاطلاق في الآخر بل الاطلاق في كلا الموردين متوقف على مقدماته غاية الامر كل من الاطلاقين مانع عن العمل بالآخر للمعارضة و هذا عبارة عن التعارض.
و بعبارة واضحة: التعارض بين الدليلين عبارة عن تمامية المقتضي في كل من الدليلين و انما المانع عن العمل بالمقتضى وجود المانع أي المعارض فانقدح عدم تمامية ما أفاده الميرزا فلاحظ.
المورد الثالث: [دوران الامر بين التخصيص و النسخ]
ما لو دار الامر بين التخصيص و النسخ و المشهور بينهم تقديم التخصيص ثم ان الدوران المذكور تارة يكون بالنسبة الى شيء واحد أي دليل واحد و اخرى يكون بالنسبة الى دليلين.
فلمورد الكلام صورتان الصورة الاولى: ما لو تردد الامر بالنسبة الى دليل واحد كما لو ورد عام سابقا كقوله اكرم العلماء ثم ورد بعده خاص كقوله لا تكرم الفساق من العلماء و دار أمر الخاص بين كونه ناسخا لحكم العام بالنسبة الى مورد التخصيص و كونه مخصصا له من اول الامر.
و بعبارة اخرى: يدور أمره بين كونه مخصصا زمانيا و كونه مخصصا افراديا.