في المعاطاة بعد رجوع أحد المتعاقدين و يصرح بأن الشك فيه شكا في الرافع و ينكر الاستصحاب في بقاء الخيار في خيار الغبن لكون الشك في المقتضي و من أين علم بوجود الملاك في الاول و عدمه في الثاني.
و الظاهر ان القوم تصوروا ان مراد الشيخ من المقتضي المقتضي لمتعلق اليقين فحملوا كلامه تارة على السبب و اخرى على الموضوع و ثالثة على الملاك و مراد الشيخ ظاهرا من المقتضي نفس متعلق اليقين من حيث الجري العملي فحق التعبير أن يقال: اذا كان الشك من جهة المقتضي لا يجري الاستصحاب و اذا كان الشك في البقاء من جهة الشك في الرافع يجري.
و ببيان أوضح: ان الاشياء التي توجد في الخارج على نحوين:
أحدهما: انه اذا وجد يكون موجودا في مقدار من الزمان و بانتهاء زمانه ينعدم بنفسه و ثانيهما انه بعد ما وجد في الخارج يبقى في عمود الزمان الى أن يرفعه رافع، و لو لا الرافع يبقى.
مثلا خيار الغبن اذا شك في بقائه بعد الزمان الاول لا يجري استصحاب بقائه لأنه يحتمل أن يكون باقيا في الزمان الثاني، و يمكن فيه اقتضاء البقاء.
و أما في مورد بقاء الملكية في المعاطاة بعد رجوع أحد المتعاملين فيجري الاستصحاب لان الشك في وجود الرافع و لو لا الرافع تكون الملكية باقية في عمود الزمان.
و لتوضيح المقام نذكر الاقسام في ضمن امثلة فنقول: الاحكام المجعولة على ثلاثة أقسام: القسم الاول: أن يكون باقيا في حد نفسه و لا يرتفع إلّا برافع كالملكية الحاصلة بالبيع فانها باقية الى أن يحصل ناقل و إلّا فهي باقية في عمود الزمان.
القسم الثاني: أن يكون الحكم مغيا بغاية كالزوجية الانقطاعية فانها تزول بنفسها بحصول غايتها و لا يحتاج ارتفاعها الى رافع.
القسم الثالث: أن يشك في ان ما تحقق في الخارج من أي القسمين كما لو شك في زوجية امرأة بأنها دائمية أو انقطاعية.
أما القسم الاول فلا اشكال في جريان الاستصحاب فيه.
و أما القسم الثاني فتارة يشك في البقاء من جهة وجود الرافع و اخرى من جهة الشك في تحقق الغاية فان كان الشك في الرافع يجري الاستصحاب.
و أما ان كان الشك في تحقق الغاية فتارة يكون من جهة الشبهة الحكمية و اخرى من جهة الشبهة المفهومية و ثالثة من جهة الشبهة الموضوعية فان كان من جهة الشبهة الحكمية فكما لو شك في أن الغاية لصلاة المغرب و العشاء للغافل نصف الليل أو الفجر فلا يجري الاستصحاب، للشك في المقتضي.
و أما اذا كانت الشبهة مفهومية فكما لو شك في أن المغرب بماله من المفهوم عبارة عن غروب الشمس أو عبارة عن ذهاب الحمرة فأيضا لا يجري الاستصحاب.
و أما اذا كانت الشبهة موضوعية فكما لو شك في أن الشمس غابت أو بعد لم تغب فان الاستصحاب يجري في بقاء اليوم فانه في نظر العرف من الشك في الرافع و ان كان في الحقيقة الشك فى المقتضي فان الرافع لا يكون نفس الزمان بل الرافع أمر زماني.
و أما القسم الثالث فلا يجري فيه الاستصحاب لان الشك فيه شكا من جهة المقتضي فانقدح ان المراد من الشك في المقتضي ان ما تعلق به اليقين لا يكون فيه استعداد البقاء و لا يبقى في عمود
الزمان الا في مقدار معين و المراد من الشك في الرافع ان متعلق اليقين يبقى في نفسه و يرتفع برافع يرفعه. هذا تمام الكلام في المقام الاول.
و أما المقام الثاني فنقول: المستفاد من كلام الشيخ(قدس سره)انه اريد من قوله لا ينقض اليقين بالشك عدم نقض المتيقن.
و بعبارة اخرى: اريد من اليقين متعلقه و عليه لا بد من التفصيل لان النقض يرد على الامر المستحكم فان كان متعلق اليقين أمرا قابلا للبقاء لو لا وجود الرافع يصدق عنوان النقض لانه مستحكم و أما لو لم يكن كذلك فلا يصح اسناد النقض اليه لانه لا يكون مستحكما.
و أورد عليه في الكفاية بأنه لا دليل على أن المراد من اليقين متعلقه كي يتم البيان المذكور و مع عدم الدليل يبقى لفظ اليقين بحاله و يراد من اللفظ نفس اليقين و يصح اسناد النقض اليه فانه أمر مستحكم.
و يمكن أن يجاب عن الاشكال المذكور بأنه نفرض ان النقض متعلق بنفس اليقين و لم يرد من لفظ اليقين متعلقه إلّا ان اسناد النقض اليه ليس تماما و لا يسند اليه باعتبار نفسه اي لا يسند اليه باعتبار كونه صفة قائمة بالنفس و لا باعتبار الآثار المترتبة على نفس اليقين.
أما الاول فلأن اليقين باعتبار نفسه و باعتبار كونه صفة قائمة بالنفس ينتقض بالشك ان اخذ متعلقه مطلقا، و لا ينقض ان اخذ متعلقه مقيدا و على كلا التقديرين لا مجال لأن ينهى الشارع عن نقضه.
بيان ذلك: انه لو تيقن زيد بعدالة احد يوم الجمعة ثم شك في عدالته و بقائها الى يوم السبت فان اخذ متعلقه مطلقا يكون يقينه
بالعدالة منتقضا كما هو المفروض فان يقينه تبدل بالشك و ان قيد متعلقه بخصوص العدالة في يوم الجمعة فلم ينتقض فما معنى النهي عن نقضه.
و أما الثاني فلعدم ترتب حكم شرعي على نفس اليقين و على فرض ترتبه يكون يقينا موضوعيا خارجا عن اطار البحث فان الكلام في اليقين الطريقي فلا بد من أن يكون المراد من عدم نقض اليقين عدم نقض آثار المتيقن و ترتيب آثاره.
و عليه نقول: اذا كان ما تعلق به اليقين له الدوام في عمود الزمان و لا يرتفع الّا برافع يجري الاستصحاب و إلّا فلا يجري.
و ربما يقال في الرد على الشيخ: بأن دليل الاستصحاب غير منحصر في حديث زرارة كي يتم هذا التقريب بل هناك حديثان آخران و لا يشتملان على لفظ النقض و يكفي وجودهما للاطلاق و عدم التفصيل.
الحديث الاول ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد اللّه(عليه السلام)و انا حاضر: اني اعير الذمي ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده عليّ فأغسله قبل ان اصلّي فيه؟
فقال ابو عبد اللّه(عليه السلام): صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فانك أعرته اياه و هو طاهر و لم تستيقن انه نجسه فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن انه نجسه[1].
الحديث الثاني: ما روي عن علي(عليه السلام)في حديث الأربعمائة قال: من كان على يقين ثم شك فليمض على يقينه فانّ الشك لا ينقض اليقين الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا و اياكم و الكسل فان من كسل لم يؤدّ حق اللّه عزّ و جل تنظفوا بالماء من نتن
[1]الوسائل الباب 74 من أبواب النجاسات الحديث 1.
الريح الذي يتأذى به تعهّدوا انفسكم فان اللّه يبغض من عباده القاذورة الذي يتأنّف به من جلس اليه اذا خالط النوم القلب وجب الوضوء اذا غلبتك عينك و انت في الصلاة فاقطع الصلاة و نم فانك لا تدري لعلّك أن تدعو على نفسك[1].
و يجاب عن الحديث الاول بأن مورده الشك في الرافع اذ مورد جريان الاستصحاب الطهارة و من الظاهر ان الطهارة تبقى الى أن ترفع برافع و أما الحديث الثاني فعبر فيه بالامضاء و امر به و الامضاء مساوق للنهي عن النقض.
اقول:- مضافا الى كون الحديث ضعيفا سندا على ما يظهر من الشيخ الحر في الوسائل «فان اسناد الصدوق الى حديث الاربعمائة ضعيف بالعبيدي و قاسم بن يحيى»-: انه قد علل الحكم في الذيل بقوله(عليه السلام)«فان الشك لا ينقض اليقين» فمفاد هذه الرواية عين مفاد رواية زرارة هذا تمام الكلام في بيان كلام الشيخ.
و يرد عليه نقضا و حلا أما الاول فبموارد: منها: استصحاب عدم النسخ فانه لا اشكال في جريانه بل المحدث الاسترآبادي ادعى انه من ضروريات الدين و الحال ان استصحابه من الشك في المقتضي اذ الشك في النسخ و عدمه الشك في مقدار الجعل و إلّا يلزم البداء في حق تعالى.
و بعبارة اخرى: الشك في النسخ عبارة عن الشك في أن الجعل الشرعي مستمر أو محدود فيكون شكا في المقتضي.
و منها: الاستصحاب في الموضوعات الخارجية كاستصحاب وجود زيد و عمرو فانّه لا شك في جريان الاستصحاب في الموضوعات مع
[1]الوسائل الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 6.
ان الشك في بقاء زيد مثلا شك في المقتضي اذ لا يعلم ان زيدا بأي مقدار يكون مستعدا للبقاء و لا يكون له مقدار منضبط فانه اذا جعل الميزان بالجنس فانواعه مختلفة و ان جعل النوع فاصنافه مختلفة و ان جعل الصنف فأفراده مختلفة لاختلاف الأمزجة.
و منها: استصحاب عدم تحقق الغاية من جهة الشبهة الموضوعية كالشك في تحقق الغروب مثلا أو الشك في دخول هلال الشهر الفلاني فان الاستصحاب جار في هذه الموارد. بل قوله(عليه السلام):
«افطر للرؤية و صم للرؤية» صريح في استصحاب عدم تحقق الغاية فان الشك في تحقق الغاية من أقسام الشك في المقتضي اذ الشك في تحققها ناش عن الشك في مقدار استعداد البقاء في الزمان. مثلا ان الشك في الظهر يكون مرجعه الى الشك في أن ما قبل الظهر أي مقدار مستعد للبقاء، و الحال ان جريان الاستصحاب في عدم تحقق الغاية ظاهر واضح، و الشيخ قائل بجريانه فيه.
و أما الحل فنقول مقتضى الدقة عدم تحقق عنوان نقض اليقين بالشك لأن متعلق اليقين غير متعلق الشك فان عدالة زيد متعلق اليقين لكن عدالته في يوم الجمعة مورد اليقين و عدالته في يوم السبت مورد الشك و متعلقه فلا يصدق نقض اليقين بل اليقين بنفسه انتقض و ارتفع.
و أما بالنظر العرفي المسامحي فكأن متعلق اليقين بعينه متعلق الشك و لا يجوز رفع اليد عن الأمر المستحكم بغيره فلا يجوز نقضه و رفع اليد عنه.
و ان ابيت عن ذلك نقول: الشارع يعبدنا ببقاء اليقين و عليه لا فرق بين كون الشك من ناحية الاستعداد و بين كون الشك من ناحية احتمال الرافع، فالاستصحاب حجة على الاطلاق».
هذا ملخص ما أفاده و يضاف الى ما ذكره ان قوله(عليه السلام)في ذيل الحديث «و لكنه ينقضه بيقين آخر» يستفاد منه بالفهم العرفي انه يجب على المكلف أن يرتب آثار متعلق اليقين الى زمان تبدل شكه بيقين بخلاف اليقين الاول.
و صفوة القول: انا نسأل بأن زرارة ما ذا فهم من كلام الامام و جوابه(عليه السلام)؟ و نقول هل فهم من الجواب انه يجب عليه ترتيب الآثار على اليقين السابق و عدم رفع اليد عنه و كأنه في حال الشك ايضا يقينه باق على حاله ام لم يفهم؟
أما على الاول فيتم المدعى و يثبت المطلوب. و أما على الثاني فهل فهم شيئا و قنع بالجواب ام لم يفهم شيئا.
أما على الاول فما ذا هو و أما على الثاني فكيف سكت مع عدم قناعته بجواب الامام و كيف نقل و روى كلام المعصوم و لم يذكر عدم قناعته بالجواب و كون الجواب مجملا و هل يمكن احتمال هذا الأمر بالنسبة الى مثل زرارة مع جلالته.
ان قلت: ان النقض عبارة عن رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل و الأقرب الى المعنى الحقيقي رفع اليد عن أمر فيه اقتضاء البقاء و ان كان يستعمل ايضا في مطلق رفع اليد عن أمر، و ان لم يكن فيه اقتضاء البقاء فيدور الأمر بين أن يراد من المتعلق خصوص ما فيه الاقتضاء و بين مطلق الأمر و لو لم يكن فيه اقتضاء للبقاء.
و حيث ان الاول أقرب الى المعنى الحقيقي يحمل اللفظ عليه فيختص الاستصحاب بما يكون الشك في البقاء ناشيا عن ناحية احتمال الرافع فيتم مدعى الشيخ(قدس سره).
و بعبارة واضحة يكون المقام، أي قوله «لا ينقض اليقين» كقول القائل «لا تضرب احدا» فان لفظ احد اعم من الميت و الحي و لكن
الضرب ظاهر في الضرب المولم فيكون قرينة لكون المراد من لفظ احد خصوص الحي.
قلت: اسناد النقض الى اليقين لا يكون باعتبار متعلقه كي يتم البيان المذكور بل صحة الاستعمال باعتبار نفس اليقين فكأن اليقين أمر مستحكم بلا فرق بين كون متعلقه فيه الاستعداد للبقاء و كون متعلقه غير مستعد له.
و بعبارة واضحة: حسن الاسناد باعتبار اليقين. ان قلت اذا لم يكن الاستعمال باعتبار المتعلق فلا انتقاض لليقين. نعم في قاعدة اليقين ينقض اليقين و لكن الكلام ليس في تلك القاعدة بل الكلام في الاستصحاب.
قلت مع الغاء الخصوصية عن المتعلق يصح الاسناد. و بعبارة واضحة: مع الغاء الخصوصية ينتقض اليقين بلا فرق بين كون المتعلق من هذا القسم أو من ذلك القسم، و أما مع عدم الغاء الخصوصية فاليقين باق بلا فرق بين أقسام المتعلق.
و صفوة القول: ان اسناد النقض الى اليقين مع الدقة العقلية غير حسن و أما مع التسامح العرفي يكون حسنا، نعم اذا كان المتعلق فيه استعداد البقاء يكون الاستعمال اقرب الى المعنى الحقيقي اعتبارا و ذوقا، و لكن الظواهر لا تكون تابعة للاعتبارات و الأذواق، فالنتيجة انه لا فرق فيما هو المهم بين كون الشك من جهة المقتضى و كونه من جهة الرافع فلاحظ.
التنبيه الثانى: [في كلام النراقي]
التفصيل الذي اختاره النراقي و هو جريان الاستصحاب في الأحكام الجزئية و الموضوعات الخارجية و عدم جريانه في الأحكام