و يرد عليه ان الوجه المذكور غير صالح للترجيح و غايته أن يحصل منه الظن بالتخصيص و الظن لا يغني من الحق شيئا.
الوجه الثاني: ما أفاده صاحب الكفاية و هو ان كثرة التخصيص توجب كون الخاص أقوى في استمرار الحكم.
و بعبارة اخرى: دلالة الخاص في استمرار حكمه أقوى من دلالة العام في أفراده فيقدم على العام و يخصصه.
و اورد عليه الميرزا النائيني بأن الحكم لا يمكن أن يكون متعرضا لاستمرار و عدمه بل الاستمرار يتحقق بدليل خارجي و الدليل الخارجي عبارة عن استصحاب عدم النسخ فالامر دائر بين الاخذ بالاستصحاب و بعموم العام و لا ريب ان الاستصحاب الذي يكون اصلا عمليا لا يعارض عموم العام الذي يكون دليلا اجتهاديا.
و هذا الايراد غير وارد على صاحب الكفاية اذ تارة يقع الكلام في أن الحكم الفلاني مستمر أم لا و اخرى في أن الحكم الفلانى نسخ أم لا اما استمرار الحكم فهو مستفاد من نفس الاطلاق.
و بعبارة اخرى: لو كان المولى في مقام البيان و تمت مقدمات الحكمة ينعقد لدليل الحكم اطلاق بالنسبة الى الازمنة المتأخرة و هذا الاستمرار يفهم من الاطلاق و لا يرتبط بعدم النسخ فان النسخ رفع الحكم بعد ثبوته و الكلام في أصل الثبوت فلا مجال لما اورده الميرزا على صاحب الكفاية.
لكن يرد على صاحب الكفاية ان مجرد الاقوائية لا يوجب التقديم بل لا بد في تقديم احد الدليلين على الآخر من كونه قرينة في نظر العرف بأن يكون واردا أو حاكما على الآخر مضافا الى أنه لا وجه للاقوائية فان غاية ما يترتب على كثرة التخصيص حصول الظن به
و اقوائية احتماله من احتمال النسخ و قد تقدم ان الظن لا يغني من الحق شيئا.
الوجه الثالث: ما أفاده الميرزا النائيني و هو ان تحقق العموم يتوقف على جريان مقدمات الحكمة في مدخول أداة العموم و حيث ان الخاص يصلح لأن يكون بيانا يمنع عن انعقاد الاطلاق في مدخول أداة العام.
و يرد عليه ان افادة الفاظ العموم كلفظ كل لا تتوقف على جريان مقدمات الحكمة في المدخول بل الفاظ العموم كلفظ كل مثلا بنفسها متكفلة لافادة العموم مثلا اذا قال المولى اكرم كل عالم لا يتوقف العموم على جريان مقدمات الحكمة في لفظ عالم.
و ببيان واضح: لفظ كل لم يوضع بازاء افادة عموم ما يراد من المدخول بل لفظ كل و أمثاله بنفسها تفيد السعة و العموم فعموم المدخول تابع للفظ كل لا ان لفظ كل تابع لما اريد من المدخول فلاحظ.
الوجه الرابع: ما أفاده سيدنا الاستاد(قدس سره)و هو ان الخاص المتقدم على العام كما في المثال المذكور مانع عن انعقاد الظهور في العموم المتأخر مثلا لو قال المولى لا تكرم زيدا العالم ثم قال اكرم العلماء يكون قوله السابق قرينة على أنه لا يكون العموم مرادا له بل العموم مخصص بزيد فان تقديم البيان عن وقت الحاجة لا يكون قبيحا بل القبيح تأخير البيان عن وقت الحاجة و عليه يكون الخاص المتقدم مخصصا و مانعا عن انعقاد الظهور في العموم.
و لذا اختلفوا في الخاص الوارد بعد العام بين كونه مخصصا للعام أو ناسخا فذهب بعضهم الى كونه مخصصا على الاطلاق و قال
آخرون بالتفصيل بأنه ان كان وروده قبل وقت العمل بالعام يكون مخصصا و ان كان بعده يكون ناسخا.
و يرد عليه ان الخاص اذا قارن العموم يكون مانعا عن انعقاد الظهور فيه و أما لو لم يقارنه كما هو المفروض ينعقد الظهور للعام غاية الامر يكون ظهوره حاكما عليه.
و ببيان واضح: تارة لا يكون مجال لتحقق النسخ كما لو ورد كل من العام و الخاص قبل وقت العمل و اخرى يرد العام بعد وقت العمل بالخاص فانه يتردد الامر بين الامرين أي يتردد بين كون الخاص مخصصا و بين كون العام ناسخا فما افاده ايضا غير تام.
الوجه الخامس: ما أفاده سيدنا الاستاد ايضا و حاصل ما أفاده بتوضيح منا ان كل امام من المعصومين(عليهم السلام)اذا بين حكما بعد النبي(صلى اللّه عليه و آله)يكون الظاهر منه ان الحكم المذكور حكم من أحكام اصل الشريعة و حكم لزمان النبي و ما بعده لا انه حكم من ذلك الزمان الذي بين فلا يكون الحكم المبين من الباقر أو الصادق(عليهما السلام)حكما من زمان صدوره كي يكون ناسخا لما قبله.
و بعبارة واضحة: يتوقف النسخ على كون الناسخ متأخرا عن المنسوخ و أما مع التقارن فلا مجال لتحقق النسخ.
ان قلت: اذا كان كذلك فما الوجه في تأخير بيانه و لما ذا لم يبيّنه النبي(صلى اللّه عليه و آله)في زمانه.
قلت: يمكن أن تكون مصلحة في التأخير و ببيان واضح: كان الحكم المذكور متأخرا مجعولا من قبل اللّه من أول الامر و في الواقع كان محفوظا غاية الامر بيانه متأخر و اظهاره تأخر لنكتة.
نعم اذا بيّن خاصا شخص النبي(صلى اللّه عليه و آله)ثم بعد زمان بيّن عاما و دار الامر بين كونه ناسخا للخاص المتقدم و مخصصا به
لا يمكن ترجيح احد الطرفين لا مكان النسخ.
و أما الحكم الذى بيّن من قبل خلفائه(عليهم السلام)فلا يحتمل فيه النسخ فيكون التخصيص متعينا فكأن الاحكام المذكورة كلها كانت صادرة عن النبي(صلى اللّه عليه و آله)و من الظاهر ان العام و الخاص الصادرين عن المولى اذا كانا متقارنين يكون الخاص مانعا عن انعقاد ظهور العام في العموم و ان كانا منفصلين يكون الخاص مخصصا للعام فلاحظ و الظاهر ان ما افاده لا بأس به.
المورد الرابع: [التعارض بين الدليلين المثبت كل منهما تكليفا ..]
ما لو وقع التعارض بين الدليلين المثبت كل منهما تكليفا و لكن نعلم بكذب احدهما كما لو دل دليل على وجوب صلاة الجمعة و الدليل الآخر دل على وجوب صلاة الظهر و حيث انا نعلم من الخارج انه لا يجب في اليوم الواحد الا صلاة واحدة يقع التعارض بين الدليلين المذكورين.
و قالوا يمكن الجمع بين الدليلين المذكورين بأن نقول كل منهما صريح في كون مدلوله مجزيا و ظاهر في تعينه فبصراحة كل منهما ترفع اليد عن ظهور الآخر و نلتزم بالتخيير.
و الظاهر ان ما افيد مردود نقضا وحلا أما النقض فبما وقع التعارض بين الدليلين على نحو التباين كما لو قال المولى في دليل اكرم العلماء و قال في دليل آخر لا تكرم العلماء فانه يمكن الجمع بين الدليلين المذكورين بحمل العلماء في الدليل الاول على العدول و الثاني على الفساق و هل يمكن الالتزام به؟
و أما الحل فلأن مجرد الصراحة في مورد لا يوجب و لا يقتضي التقديم بل التقدم يتوقف على كون المقدم قرينة عرفية على الآخر.
و الظاهر ان ما فرضناه في المقام يعد من التعارض في العرف و مقتضاه التساقط و مما ذكرنا ظهر فساد ما جمع به بين قوله «لا
بأس ببيع العذرة» و قوله «ثمن العذرة سحت» بأن تحمل العذرة في الجملة الاولى على عذرة غير الانسان و في الجملة الثانية على عذرة الانسان.
بتقريب: ان العذرة في الجملة الاولى صريحة في عذرة غير الانسان و ظاهرة في غيرها و في الجملة الثانية صريحة في عذرة الانسان و ظاهرة في غيرها فبصراحة كل من الدليلين ترفع اليد عن ظاهر الآخر و يجمع بين الدليلين، فانه جمع تبرعي لا جمع عرفي و لا اعتبار بالجمع التبرعي و إلّا فأين يوجد التعارض.
و يمكن ان توجد موارد أخر لتردد الامر و لا بد للخبير العارف بالصناعة أن يشخص صورة التعارض عن غيرها.
[في انقلاب النسبة]
هذا تمام الكلام في التعارض الواقع بين الدليلين، و أما لو كان التعارض بين أزيد من الدليلين فهل القاعدة تقتضي ان تلاحظ الادلة و انها اي شيء تقتضي أو يلزم ملاحظة نسبة بعضها مع بعض ثم ملاحظة النسبة مع البعض الآخر مثلا اذا ورد قول المولى اكرم العلماء و ورد قوله لا تكرم الفساق و ورد قوله لا تكرم الفساق من العلماء فهل تلاحظ نسبة الدليلين الاولين في حد نفسهما و تكون النتيجة التساقط لاجل كون النسبة التباين الجزئي.
أو القاعدة تقتضي تخصيص قوله اكرم العلماء بقوله لا تكرم الفساق من العلماء و بعد تخصيص العام الاول بهذا النحو تكون النسبة الى العام الثاني نسبة الخاص الى العام و لذا يخصص العام الثاني بالعام الاول بعد انقلاب النسبة من التباين الى العموم و الخصوص المطلقين؟
ذهب جملة من الاساطين الى عدم الانقلاب و ذهب سيدنا الاستاد الى الانقلاب و ابتنى ما ذهب اليه على مقدمتين:
المقدمة الاولى:ان لكل لفظ ثلاث دلالات الدلالة الاولى: الدلالة الانسية التي تتحقق من كثرة استعمال اللفظ الفلاني في المعنى الكذائي و المراد من هذه الدلالة انتقال الذهن من سماع اللفظ الى معناه كانتقال الذهن من سماع لفظ الماء الى الجسم السيال و هذه الدلالة ناشية من كثرة استعمال اللفظ في معناه.
الدلالة الثانية: دلالة اللفظ على كون المتكلم مريدا للمعنى الفلاني و تسمى هذه الدلالة بالدلالة الوضعية و تحقق هذه الدلالة يتوقف على عدم قيام قرينة على أن المتكلم لم يرد المعنى الفلاني كما ان الامر كذلك في قول القائل رأيت اسدا يرمي فان لفظ يرمي قرينة على عدم ارادة المتكلم من لفظ الاسد الحيوان المفترس.
الدلالة الثالثة: الدلالة التصديقية أي التصديق بأن المتكلم اراد بالارادة الجدية المعنى الفلاني و بعبارة اخرى: تطابق الارادة الوضعية مع الارادة الجدية و هذه الدلالة متوقفة على عدم قيام دليل و قرينة على الخلاف.
المقدمة الثانية:ان التعارض لا يتحقق إلّا بعد فرض كون كلا المتعارضين في حد نفسهما حجة و أما مع سقوط واحد منهما عن الحجية أو كليهما فلا يبقى مجال للتعارض.
و بعبارة اخرى: التعارض فرع التكافؤ و اما مع عدمه فلا تعارض اذا عرفت المقدمتين تعرف وضوح انقلاب النسبة.
و ببيان واضح: ان التصديق بانقلاب النسبة لا يحتاج الى أزيد من تصورها.
و يرد عليه اولا: ان الامر لو كان بهذا المقدار من الموضوع فما الوجه في وقوعه مورد البحث و القيل و القال و كيف يكون كذلك و الحال ان مثل الشيخ و صاحب الكفاية ذهبا الى خلافه و الحال ان
لهما اليد البيضاء في هذه المسائل.
و ثانيا: انه لا يكون في لحاظ النسبة بين أطراف التعارض ترتب ترتب و فصل زماني أو رتبي كى يتم البيان المذكور بل التعارض يقع بين الادلة الثلاثة أو الاربعة في زمان واحد و رتبة واحدة.
فلو قال المولى في دليل لا تكرم العلماء و في دليل آخر قال لا يجب اكرام العلماء و في دليل ثالث قال لا تكرم الفساق من العلماء يكون قوله اكرم العلماء معارضا بمعارضين هما قوله لا تكرم الفساق من العلماء و قوله لا يجب اكرام العلماء فلا وجه لملاحظة النسبة اولا بين احد العامين و الخاص المعارض له ثم ملاحظة النسبة بين العام المخصص مع العام الآخر كي تنقلب النسبة من التباين الى العموم و الخصوص بل في الرتبة الاولى يسقط ظهور العام بمعارضه.
و ان شئت قلت: في زمان واحد قوله اكرم العلماء معارض بدليلين آخرين و مقتضى معارضته بالدليلين سقوطه عن الاعتبار في جميع مدلوله غاية الامر سقوطه عن الاعتبار بالنسبة الى بعض مدلوله بمعارضين و بالنسبة الى بعض مدلوله بمعارض واحد.
ثم ان سيدنا الاستاد تعرض لانواع التعارض الواقع بين اكثر من دليلين و قال «النوع الاول» ما لو كان هناك عام و خاصان و هذا النوع يتصور باقسام:
القسم الاول: ما لو كانت النسبة بين الخاصين التباين كما لو قال المولى اكرم العلماء ثم قال في دليل آخر: لا تكرم العلماء الذين لم يبلغ عمرهم ثلاثين سنة و قال في في دليل ثالث لا يجب اكرام العماء الذين يكون عمرهم فوق تسعين سنة فانه لا اشكال في
تخصيص العام في هذه الصورة بكلا الخاصين بلا فرق بين القول بانقلاب النسبة و عدمه اذ المفروض ان نسبة كل واحد من الخاصين الى العام بالخصوص و العموم و لازمه التخصيص.
نعم يشكل الامر فيما لو خصّص العموم بكلا الخاصين و لا يبقى مورد للعام كما لو قال المولى يستحب اكرام العلماء و قال في دليل آخر يجب اكرام العدول من العلماء و قال في دليل ثالث يحرم اكرام الفساق من العلماء فانه لو خصص العام بكلا الخاصين لا يبقى مورد للعام ففي هذه الصورة يقع التعارض بين الادلة الثلاثة فلا بد من الرجوع الى المرجحات السندية و مع عدم المرجح تصل النوبة الى التخيير على القول به و إلّا يلزم التساقط.
و ليعلم ان ما أفاده مبني على المسلك المشهور من تقديم احد المتعارضين على معارضه بموافقة الكتاب ان كانت و بمخالفة العامة في الرتبة الثانية و أما على ما سلكناه من كون المرجح منحصرا في الاحدثية فالمقدم هو الاحدث و نتعرض لهذه الجهة عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
و قال لا يخلو الامر في هذا القسم من ست صور الصورة الاولى:
أن يكون العام راجحا على كلا الخاصين فلا اشكال في تقديم العام على كلا الخاصين و بعد تقديم العام هل يطرح كلا الخاصين كما هو المعروف بينهم أو يطرح واحد منهما؟
الحق ان يقال: لا وجه لطرحهما معا اذ التعارض يرتفع برفع اليد عن أحدهما و عليه نقول بعد تقديم العام يقع التعارض بين الخاصين بالعرض فان كان ترجيح لاحدهما على الآخر يؤخذ بالراجح و يطرح المرجوح و ان لم يكن ترجيح لاحدهما فان قلنا بالتخيير يلزم التخيير و إلّا يلزم سقوطهما.