لا يمكن ترجيح احد الطرفين لا مكان النسخ.
و أما الحكم الذى بيّن من قبل خلفائه(عليهم السلام)فلا يحتمل فيه النسخ فيكون التخصيص متعينا فكأن الاحكام المذكورة كلها كانت صادرة عن النبي(صلى اللّه عليه و آله)و من الظاهر ان العام و الخاص الصادرين عن المولى اذا كانا متقارنين يكون الخاص مانعا عن انعقاد ظهور العام في العموم و ان كانا منفصلين يكون الخاص مخصصا للعام فلاحظ و الظاهر ان ما افاده لا بأس به.
المورد الرابع: [التعارض بين الدليلين المثبت كل منهما تكليفا ..]
ما لو وقع التعارض بين الدليلين المثبت كل منهما تكليفا و لكن نعلم بكذب احدهما كما لو دل دليل على وجوب صلاة الجمعة و الدليل الآخر دل على وجوب صلاة الظهر و حيث انا نعلم من الخارج انه لا يجب في اليوم الواحد الا صلاة واحدة يقع التعارض بين الدليلين المذكورين.
و قالوا يمكن الجمع بين الدليلين المذكورين بأن نقول كل منهما صريح في كون مدلوله مجزيا و ظاهر في تعينه فبصراحة كل منهما ترفع اليد عن ظهور الآخر و نلتزم بالتخيير.
و الظاهر ان ما افيد مردود نقضا وحلا أما النقض فبما وقع التعارض بين الدليلين على نحو التباين كما لو قال المولى في دليل اكرم العلماء و قال في دليل آخر لا تكرم العلماء فانه يمكن الجمع بين الدليلين المذكورين بحمل العلماء في الدليل الاول على العدول و الثاني على الفساق و هل يمكن الالتزام به؟
و أما الحل فلأن مجرد الصراحة في مورد لا يوجب و لا يقتضي التقديم بل التقدم يتوقف على كون المقدم قرينة عرفية على الآخر.
و الظاهر ان ما فرضناه في المقام يعد من التعارض في العرف و مقتضاه التساقط و مما ذكرنا ظهر فساد ما جمع به بين قوله «لا
بأس ببيع العذرة» و قوله «ثمن العذرة سحت» بأن تحمل العذرة في الجملة الاولى على عذرة غير الانسان و في الجملة الثانية على عذرة الانسان.
بتقريب: ان العذرة في الجملة الاولى صريحة في عذرة غير الانسان و ظاهرة في غيرها و في الجملة الثانية صريحة في عذرة الانسان و ظاهرة في غيرها فبصراحة كل من الدليلين ترفع اليد عن ظاهر الآخر و يجمع بين الدليلين، فانه جمع تبرعي لا جمع عرفي و لا اعتبار بالجمع التبرعي و إلّا فأين يوجد التعارض.
و يمكن ان توجد موارد أخر لتردد الامر و لا بد للخبير العارف بالصناعة أن يشخص صورة التعارض عن غيرها.
[في انقلاب النسبة]
هذا تمام الكلام في التعارض الواقع بين الدليلين، و أما لو كان التعارض بين أزيد من الدليلين فهل القاعدة تقتضي ان تلاحظ الادلة و انها اي شيء تقتضي أو يلزم ملاحظة نسبة بعضها مع بعض ثم ملاحظة النسبة مع البعض الآخر مثلا اذا ورد قول المولى اكرم العلماء و ورد قوله لا تكرم الفساق و ورد قوله لا تكرم الفساق من العلماء فهل تلاحظ نسبة الدليلين الاولين في حد نفسهما و تكون النتيجة التساقط لاجل كون النسبة التباين الجزئي.
أو القاعدة تقتضي تخصيص قوله اكرم العلماء بقوله لا تكرم الفساق من العلماء و بعد تخصيص العام الاول بهذا النحو تكون النسبة الى العام الثاني نسبة الخاص الى العام و لذا يخصص العام الثاني بالعام الاول بعد انقلاب النسبة من التباين الى العموم و الخصوص المطلقين؟
ذهب جملة من الاساطين الى عدم الانقلاب و ذهب سيدنا الاستاد الى الانقلاب و ابتنى ما ذهب اليه على مقدمتين:
المقدمة الاولى:ان لكل لفظ ثلاث دلالات الدلالة الاولى: الدلالة الانسية التي تتحقق من كثرة استعمال اللفظ الفلاني في المعنى الكذائي و المراد من هذه الدلالة انتقال الذهن من سماع اللفظ الى معناه كانتقال الذهن من سماع لفظ الماء الى الجسم السيال و هذه الدلالة ناشية من كثرة استعمال اللفظ في معناه.
الدلالة الثانية: دلالة اللفظ على كون المتكلم مريدا للمعنى الفلاني و تسمى هذه الدلالة بالدلالة الوضعية و تحقق هذه الدلالة يتوقف على عدم قيام قرينة على أن المتكلم لم يرد المعنى الفلاني كما ان الامر كذلك في قول القائل رأيت اسدا يرمي فان لفظ يرمي قرينة على عدم ارادة المتكلم من لفظ الاسد الحيوان المفترس.
الدلالة الثالثة: الدلالة التصديقية أي التصديق بأن المتكلم اراد بالارادة الجدية المعنى الفلاني و بعبارة اخرى: تطابق الارادة الوضعية مع الارادة الجدية و هذه الدلالة متوقفة على عدم قيام دليل و قرينة على الخلاف.
المقدمة الثانية:ان التعارض لا يتحقق إلّا بعد فرض كون كلا المتعارضين في حد نفسهما حجة و أما مع سقوط واحد منهما عن الحجية أو كليهما فلا يبقى مجال للتعارض.
و بعبارة اخرى: التعارض فرع التكافؤ و اما مع عدمه فلا تعارض اذا عرفت المقدمتين تعرف وضوح انقلاب النسبة.
و ببيان واضح: ان التصديق بانقلاب النسبة لا يحتاج الى أزيد من تصورها.
و يرد عليه اولا: ان الامر لو كان بهذا المقدار من الموضوع فما الوجه في وقوعه مورد البحث و القيل و القال و كيف يكون كذلك و الحال ان مثل الشيخ و صاحب الكفاية ذهبا الى خلافه و الحال ان
لهما اليد البيضاء في هذه المسائل.
و ثانيا: انه لا يكون في لحاظ النسبة بين أطراف التعارض ترتب ترتب و فصل زماني أو رتبي كى يتم البيان المذكور بل التعارض يقع بين الادلة الثلاثة أو الاربعة في زمان واحد و رتبة واحدة.
فلو قال المولى في دليل لا تكرم العلماء و في دليل آخر قال لا يجب اكرام العلماء و في دليل ثالث قال لا تكرم الفساق من العلماء يكون قوله اكرم العلماء معارضا بمعارضين هما قوله لا تكرم الفساق من العلماء و قوله لا يجب اكرام العلماء فلا وجه لملاحظة النسبة اولا بين احد العامين و الخاص المعارض له ثم ملاحظة النسبة بين العام المخصص مع العام الآخر كي تنقلب النسبة من التباين الى العموم و الخصوص بل في الرتبة الاولى يسقط ظهور العام بمعارضه.
و ان شئت قلت: في زمان واحد قوله اكرم العلماء معارض بدليلين آخرين و مقتضى معارضته بالدليلين سقوطه عن الاعتبار في جميع مدلوله غاية الامر سقوطه عن الاعتبار بالنسبة الى بعض مدلوله بمعارضين و بالنسبة الى بعض مدلوله بمعارض واحد.
ثم ان سيدنا الاستاد تعرض لانواع التعارض الواقع بين اكثر من دليلين و قال «النوع الاول» ما لو كان هناك عام و خاصان و هذا النوع يتصور باقسام:
القسم الاول: ما لو كانت النسبة بين الخاصين التباين كما لو قال المولى اكرم العلماء ثم قال في دليل آخر: لا تكرم العلماء الذين لم يبلغ عمرهم ثلاثين سنة و قال في في دليل ثالث لا يجب اكرام العماء الذين يكون عمرهم فوق تسعين سنة فانه لا اشكال في
تخصيص العام في هذه الصورة بكلا الخاصين بلا فرق بين القول بانقلاب النسبة و عدمه اذ المفروض ان نسبة كل واحد من الخاصين الى العام بالخصوص و العموم و لازمه التخصيص.
نعم يشكل الامر فيما لو خصّص العموم بكلا الخاصين و لا يبقى مورد للعام كما لو قال المولى يستحب اكرام العلماء و قال في دليل آخر يجب اكرام العدول من العلماء و قال في دليل ثالث يحرم اكرام الفساق من العلماء فانه لو خصص العام بكلا الخاصين لا يبقى مورد للعام ففي هذه الصورة يقع التعارض بين الادلة الثلاثة فلا بد من الرجوع الى المرجحات السندية و مع عدم المرجح تصل النوبة الى التخيير على القول به و إلّا يلزم التساقط.
و ليعلم ان ما أفاده مبني على المسلك المشهور من تقديم احد المتعارضين على معارضه بموافقة الكتاب ان كانت و بمخالفة العامة في الرتبة الثانية و أما على ما سلكناه من كون المرجح منحصرا في الاحدثية فالمقدم هو الاحدث و نتعرض لهذه الجهة عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
و قال لا يخلو الامر في هذا القسم من ست صور الصورة الاولى:
أن يكون العام راجحا على كلا الخاصين فلا اشكال في تقديم العام على كلا الخاصين و بعد تقديم العام هل يطرح كلا الخاصين كما هو المعروف بينهم أو يطرح واحد منهما؟
الحق ان يقال: لا وجه لطرحهما معا اذ التعارض يرتفع برفع اليد عن أحدهما و عليه نقول بعد تقديم العام يقع التعارض بين الخاصين بالعرض فان كان ترجيح لاحدهما على الآخر يؤخذ بالراجح و يطرح المرجوح و ان لم يكن ترجيح لاحدهما فان قلنا بالتخيير يلزم التخيير و إلّا يلزم سقوطهما.
و هذا الذي افاده على طبق المسلك المشهور و أما على مسلكنا فلو فرض كون العام أحدث فلا اشكال في أخذه فيقع التعارض بالعرض بين الخاصين فان ميز الاحدث منهما يؤخذ به و إلّا يدخل في باب اشتباه الحجة بغيرها و يختلف الحكم باختلاف الموارد و اختلاف المسالك في كون العلم الاجمالي منجزا- كما هو المشهور و عدم كونه منجزا كما هو المختار.
الصورة الثانية: أن يكون العام مرجوحا بالنسبة الى كلا الخاصين و في هذه الصورة لا اشكال في طرح العام و الاخذ بكلا الخاصين.
الصورة الثالثة: أن يكون العام مساويا لكلا الخاصين فعلى تقدير عدم الدليل على التخيير تتساقط و على القول بالتخيير يتخير بين الاخذ بالعام و احد الخاصين و طرح الخاص الآخر و بين الاخذ بكلا الخاصين و طرح العام و اما على مسلكنا فلا يتصور فيه التساوي اذ كيف يمكن صدور الادلة المتعارضة في زمان واحد نعم لو تحقق يلزم سقوط الكل عن الاعتبار و وصول النوبة الى الاخذ بالدليل الفوقاني ان كان و إلّا فبالاصل العملي.
الصورة الرابعة: أن يكون العام مساويا مع احد الخاصين و راجحا على الآخر و في هذه الصورة يؤخذ بالعام و الخاص المساوي له و يطرح الخاص الآخر.
الصورة الخامسة: أن يكون العام مرجوحا بالنسبة الى أحدهما و مساويا مع الآخر و في هذه الصورة يلزم الاخذ بالخاص الراجح و التخيير بين العام و الخاص الآخر أو التساقط.
الصورة السادسة: أن يكون العام مرجوحا بالنسبة الى احد الخاصين و راجحا على الآخر و في هذه الصورة يؤخذ بالخاص
الراجح على العام و العام الراجح على الخاص الآخر.
القسم الثاني: من النوع الاول من التعارض الواقع بين أكثر من دليلين ما لو ورد عام و خاصان و كانت النسبة بين الخاصين العموم من وجه كما لو قال المولى في دليل اكرم العلماء و في دليل آخر قال لا تكرم العالم الفاسق و في دليل ثالث قال لا تكرم العالم الشاعر.
و في هذا النوع الكلام هو الكلام الذي مرّ في النوع الاول بأن نقول يخصص العام بكلا الخاصين لو لم يكن محذور و إلّا يقع التعارض بين الادلة و يتصور كل واحدة من تلك الصور و قد عرفت احكامها.
و أفاده بانه ربما يتوهم انه لا يخصص العام بكلا الخاصين و لو مع عدم المحذور بل النسبة تنقلب في بعض الاحيان و ذلك فيما يكون احد الخاصين مقدما على الآخر زمانا كما لو ورد العام عن علي(عليه السلام)و أحد الخاصين عن الباقر(عليه السلام)و الخاص الآخر عن الصادق(عليه السلام).
فان العام يخصص اولا بالخاص الوارد عن الباقر(عليه السلام)و بعد تخصيصه به يلاحظ مع الخاص الآخر ففي المثال يخصص العام أولا بقوله لا تكرم العالم الفاسق و بعد تخصيصه به يلاحظ مع قوله لا تكرم العالم الشاعر فتنقلب النسبة من العموم و الخصوص المطلقين الى العموم من وجه.
و أجاب بأن التوهم المذكور غير صحيح و ذلك لأنه لا فرق بين ما يصدر عن الائمة و كان الصادر عن المتأخر هو الصادر عن المتقدم و ذكرنا ان الظاهر ان كل حكم صادر عن كل واحد منهم بيان لحكم من أحكام اصل الشريعة فلا مجال لأن يقال ان العام يخصص اولا بالخاص المتقدم اذ لا فرق بين المتقدم و المتأخر هذا على ما سلكه.
و أما على ما سلكناه من الترجيح بالاحدث فنقول اذا وصلت
النوبة الى التعارض يكون الاحدث هو الراجح فاذا ميز الحادث عن القديم و المتأخر عن المتقدم فهو و إلّا لا بد من العمل على طبق القواعد الأخر و هي تختلف بحسب اختلاف الموارد و اختلاف المسالك.
القسم الثالث من النوع الاول: أن يرد عام و خاصان و يكون احد الخاصين اخص من الخاص الآخر كما لو ورد دليل يدل على وجوب اكرام العلماء و ورد دليل آخر دال على حرمة اكرام العالم العاصي و ورد دليل ثالث دال على حرمة اكرام العالم المرتكب للكبيرة.
و في هذا القسم تارة يكون الخاصان منفصلين عن العام و اخرى يكون أخص الخاصين متصلا بالعام أما المورد الاول فمقتضى القاعدة تخصيص العام بكلا الخاصين و لا وجه لانقلاب النسبة.
و بعبارة اخرى: لا تنافي بين التخصيصين و لا يكون للاخص مفهوم على ما ثبت في محله من المفاهيم من عدم المفهوم للوصف فيخصص العام بكلا الخاصين.
و أما المورد الثاني فلا بد من الالتزام بانقلاب النسبة اذ مع فرض اتصال الاخص بالعام لا ينعقد للعام ظهور في العموم بل ينعقد ظهوره في غير العموم ففي المثال ينعقد ظهور العام في العالم غير المرتكب للكبيرة أي يستفاد من الدليل وجوب اكرام العالم الذي لا يكون مرتكبا للكبيرة فتكون النسبة بين العام المخصص بالاخص و الخاص الآخر العموم من وجه.
فان العالم العادل ما به الافتراق من ناحية العام المخصص و مرتكب الكبيرة ما به الافتراق من ناحية الخاص الآخر و في مرتكب الصغيرة يقع التعارض بين الجانبين و لا بد من اجراء حكم المتعارضين هذا ما يرجع الى كلامه.