و ثالثا: ان الحرّ(قدس سره)قال في الفائدة الثانية عشرة من فوائده في الجزء العشرين من الوسائل: «و انما نذكر هنا من يستفاد من وجوده في السند قرينة على صحة النقل و ثبوته و اعتماده و ذلك أقسام. و قد يجتمع منها اثنان فصاعدا.
منها من نص علمائنا على ثقته مع صحة عقيدته، و منها من نصوا على مدحه و جلالته و ان لم يوثقوه مع كونه من اصحابنا الخ.
فيمكن أن يكون قوله فلان صالح مستندا الى نص العلماء بجلالته و مدحه فكيف يمكن الاعتماد على قوله في حق الرجل صالح و يجزم بكونه ثقة مستندا الى شهادة الحرّ.
و رابعا: انه قابل في كلامه في هذا المقام بين التوثيق و المدح فان المدح بمجرده لا يكون توثيقا بصريح عبارته، فلا يكون قوله فلان صالح توثيقا.
و خامسا: ان الحرّ(قدس سره)قال في جملة من كلامه و منها من وقع الاختلاف في توثيقه و تضعيفه فان كان توثيقه أرجح فوجوده في السند قرينة الخ.
فانه يظهر من هذه العبارة انه يجتهد في مقام الاعتماد و كون الشخص ثقة، و من الظاهر انه لا اعتبار باجتهاد الشاهد في مقام الشهادة فالنتيجة ان الحديث ساقط الاعتبار فلا دليل على ترجيح احد المتعارضين بموافقة الكتاب و لا بمخالفة العامة.
الطائفة السابعة: ما يدل على الترجيح بالاحدثية.
منها ما رواه ابو عمرو الكناني قال: قال لي ابو عبد اللّه(عليه السلام): يا با عمرو أ رأيت لو حدثتك بحديث أو افتيتك بفتيا ثمّ جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بايهما كنت تأخذ؟
قلت: باحدثهما و ادع الآخر فقال: قد أصبت يا با عمرو أبى اللّه إلّا أن يعبد سرا، اما و اللّه لئن فعلتم ذلك انه لخير لي و لكم أبى اللّه عز و جل لنا في دينه الا التقية[1].
و هذه الرواية ضعيفة سندا بالكناني فانه لم يوثق و عبّر المجلسي عن الحديث بالمجهول[2].
و منها ما ارسله الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: أ رأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بايهما كنت تأخذ؟ قال: كنت آخذ بالاخير فقال لي: رحمك اللّه[3]و المرسل لا اعتبار به.
و منها ما رواه المعلى بن خنيس قال: قلت لابي عبد اللّه(عليه السلام): اذا جاء حديث عن أولكم و حديث عن آخركم بايهما نأخذ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فان بلغكم عن الحي فخذوا بقوله قال: ثم قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): انا و اللّه لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم، قال الكليني و في حديث آخر خذوا بالاحدث[4]و الحديث ضعيف سندا بابن مرار بل و بغيره.
و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:
قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)لا يتهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه قال: ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن[5].
[1]- الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 17.
[2]- مرآة العقول الطبع الجديد ج 9 ص 171.
[3]- الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضى الحديث 7.
[4]- نفس المصدر الحديث 8 و 9.
[5]- نفس المصدر الحديث 4.
و مقتضى هذه الرواية ان الاعتبار بالحديث الثاني فالاحدث حجة و ناسخ للمتقدم.
و أورد عليه سيدنا الاستاد بأن ضرورة المذهب على عدم امكان نسخ القرآن أو السنة بالخبر الظني فلا بد من كون الخبر مقطوع الصدور و مقطوع الصدور خارج عن محل الكلام، و ان كان المراد من النسخ التخصيص أو التقييد فلا كلام في تخصيص العام و تقييد الاطلاق بالمخصص و المقيد.
و يرد عليه اولا انه لم يفرض في الحديث كون الوارد عن النبي(صلى اللّه عليه و آله و سلم)مقطوع الصدور بل مطلق من هذه الجهة و الميزان الكلي الاخذ بالاطلاق و رفع اليد عنه بالمقدار الذي علم بعدم ارادته. فنقول: نقيد نسخ الاول بالثاني بصورة عدم كون الاول مقطوع الصدور.
و ثانيا ان الميزان الكلي الاخذ باطلاق الجواب لا بخصوص السؤال، و الجواب في الحديث مطلق فان قوله(عليه السلام): الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن مطلق شامل لكون كلا الخبرين من النبي الاكرم أو كليهما من غيره أو يكون احدهما عن النبي(صلى اللّه عليه و آله و سلم)و الآخر عن الامام(عليه السلام)و على جميع التقادير يكون كلاهما مقطوعي الصدور أو مظنوني الصدور أو بالاختلاف، فبالمقدار الذي قامت ضرورة المذهب على خلافه ترفع اليد و في الباقي يؤخذ بالدليل و يلتزم به، و لعمرى ما حققته متين و دقيق و بالتأمل حقيق و الظاهر انه لم يسبقني في هذه المقالة بهذا التقريب احد و اللّه المستعان.
[تنبيهات]
بقيت في المقام تنبيهات لا بد من التعرض لها.
التنبيه الاول:
انه ربما يقال انه لا بد من التعدي عن المرجحات المنصوصة الى
غيرها بتقريب: ان الترجيح بلحاظ كون ما فيه المرجح اقرب الى الواقع.
و يرد عليه اولا بالنقض بأنه لو فرض ان الوسائط في أحد الخبرين اقل من الوسائط في الخبر الآخر لا بد من ترجيح ما تكون وسائطه اقل لكونه أقرب الى الواقع و هل يلتزم القائل بالتعدي كلا.
و ثانيا: انه يرد عليه بالحل و هو ان ملاكات الاحكام لا تنالها افهامنا و عقولنا بل يجب علينا التعبد بما امرنا به و لا نتعدي.
فالحق عدم جواز التعدى.
التنبيه الثاني:
انه لا اشكال في أن الاختلاف في التفسير لا يكون داخلا في المتعارضين فلا يعامل معه معاملة المتعارضين و أما اختلاف النسخة مع كون الرواية واحدة فربما يقال كما عن المحقق الهمداني انه لا يكون من المتعارضين اذ نقطع بعدم صدور كلا الخبرين عن الامام(عليه السلام).
و الحق في المقام التفصيل بأن نقول تارة يكون الاختلاف بين الناقلين للحديث كما لو اختلف ما في الكافي مع ما في التهذيب و اخرى يكون الاختلاف في نسخ التهذيب.
أما الصورة الاولى فالحق انها داخلة في التعارض و يشملها دليله اذ يصدق انه هناك خبران عن الامام(عليه السلام)متعارضان و العلم بعدم صدور كليهما لا يضر، فان الميزان احتمال صدور كل منهما فلا يكون داخلا في اشتباه الحجة بغيرها بل داخل في المتعارضين.
و أما الصورة الثانية فالحق ان دليل حكم المتعارضين لا يشملها اذ لا يصدق انه ورد حديثان عن الامام(عليه السلام)بل يصدق انه ورد عن الطوسي مثلا فلاحظ.
التنبيه الثالث:
انه لو وقع التعارض بين خبرين بالعموم من وجه كما لو دل دليل على وجوب اكرام كل عالم و دل دليل آخر على حرمة اكرام كل فاسق فان الدليلين مفترقان في العالم العادل و في الفاسق الجاهل و أما في العالم الفاسق فيقع التعارض بينهما و لا بد من ترجيح احدهما على الآخر اما بالمرجح الجهتي أي الحمل على التقية و أما بالمرجح المضموني بأن يحمل احدهما على الارادة الجدية دون الآخر.
و اما الترجيح بالمرجح الصدوري فلا يمكن اذ كيف يمكن أن يقال بعدم صدور ما كان مرجوحا مع كونه شاملا لافراد خارجة عن دائرة المعارضة.
ان قلت: نأخذ ببعض و نترك بعضا. قلت كيف يمكن الالتزام بصدور خبر واحد و عدم صدوره؟
و يرد على التقريب المذكور ان المراد بالصدور كونه مرادا واقعا في عالم الثبوت و المراد بعدم الصدور عدم كونه مرادا في عالم الثبوت.
و ان شئت قلت: الاهمال غير معقول في الواقع فنقول في المثال المذكور اذا كان المرجح في الدليل الدال على وجوب الاكرام نقول في مقام الثبوت و في الواقع يجب اكرام العالم الفاسق و الدليل الآخر لا يكون هذا المقدار من دلالته مطابقا مع الواقع و هذا الذي نقول سار في عام مخصص، بالمخصص المنفصل.
مثلا لو قال المولى اكرم العلماء و في دليل منفصل قال لا تكرم الفساق من العلماء يفهم ان المراد الواقعي وجوب اكرام خصوص العدول و ان كان في مقام الاثبات قام الدليل على وجوب اكرام كل عالم فلا اشكال.
التنبيه الرابع:
انه لو وقع التعارض بين الدليلين بالعموم من وجه و كان كل منهما بالاطلاق كما لو قال المولى في دليل اكرم العالم و قال في دليل آخر لا تكرم الفاسق فانه يقع التعارض بين الدليلين في العالم الفاسق فعلى فرض اقتران احد الدليلين بالآخر في مقام الاثبات لا يتحقق الاطلاق و كلا الدليلين ساقطان عن الاعتبار في محل الاجتماع و يصير الكلام مجملا.
و أما مع انفصال احدهما عن الآخر فأفاد سيدنا الاستاد في المقام بأن الاطلاقين ساقطان[1]بتقريب: ان الاطلاق غير داخل في مدلول اللفظ بل يكون بمقدمات الحكمة و مع فرض التعارض لا تجري المقدمات فلا تعارض.
و يرد عليه ان المفروض انفصال احد الدليلين عن الآخر و كل دليل ورد مطلقا و الشيء لا ينقلب عما هو عليه.
و بعبارة اخرى: يصح أن يقال: ورد علينا اطلاقان متعارضان و يؤيد ما قلناه ان سيدنا الاستاد التزم بالتعارض في موردين آخرين[2].
و صفوة القول:ان التعارض بين الدليلين بالعموم من وجه اذا كان أحدهما بالوضع و الآخر بالاطلاق يمكن أن يقال ان الظهور الوضعي يمنع عن الاخذ بالاطلاق و لا تجري مقدمات الحكمة و أما ان كان كلاهما بالوضع أو كان كلاهما بالاطلاق فيقع التعارض بين الدليلين.
فان التعارض بالاطلاق و العموم من وجه ان كان بين السنة و الكتاب يؤخذ بالكتاب فان المخالف للكتاب يضرب عرض الجدار و أما ان كان كلا المتعارضين من الكتاب فيتساقطان بالمعارضة
[1]- مصباح الاصول ج 3 ص 431.
[2]- اجود التقريرات ج 2 ص 542 و مصباح الفقاهة ج 1 ص 514.
و ان كان كلاهما من السنة يلزم أن يجري عليهما قانون المتعارضين المبني عليه في باب التعادل و الترجيح.
هذا تمام الكلام في التعادل و الترجيح. و الحمد للّه اولا و آخرا و الصلاة على محمد و آله الطاهرين و اللعن على اعدائهم أجمعين.
و قد وقع الفراغ عن تحرير الجزء الثالث من كتابنا «آرائنا في اصول الفقه» في ليلة الاربعاء السابع و العشرين من شهر ربيع المولود من سنة 1414 على مهاجرها آلاف التحية و الثناء و انا أحقر العباد تقي الطباطبائي القمي الساكن فى جوار فاطمة المعصومة في بلدة قم المقدسة عش آل محمّد(صلى اللّه عليه و آله و سلم)و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين و رحمة اللّه و بركاته
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة