[تتمة المقاصد]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
المقصد العاشر: فى الاستصحاب
و الكلام يقع فيه من جهات:
الجهة الاولى: [تعريف الاستصحاب]
في تعريفه قال الشيخ(قدس سره)أسد التعاريف و أخصرها ابقاء ما كان و المراد بالابقاء الحكم بالبقاء الخ.
و قال في الكفاية ان عباراتهم في تعريفه، و ان كانت شتى و لكن تشير الى مفهوم واحد و معنى فارد و هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه. و اما من جهة بناء العقلاء الخ.
و قال سيدنا الاستاد «ان ما أفاده في الكفاية من كان التعاريف مشيرة الى معنى واحد غير سديد لاختلاف المباني في الاستصحاب.
فانه كيف يصدق التعريف المذكور على القول بأن الاستصحاب من الأمارات فان الامارة ما ينكشف به الحكم الشرعي فكيف يكون مصداقا لنفس الحكم الشرعي.
و عليه نقول ان كان الاستصحاب من الامارات فلا بد من أن يعرف باليقين السابق و الشك اللاحق اذ اليقين السابق و الشك اللاحق يوجب الظن النوعي و انكشاف المتعلق، فيكون الاستصحاب كبقية الامارات و يكون مثبتا للوازمه، و ان كان فيه اشكال نتعرض له و ان قلنا باعتباره من باب الظن الشخصي يكون كبقية الظنون الشخصية كالظن بالقبلة.
و الصحيح في تعريفه أن يقال: ان الاستصحاب عبارة عن الظن بالبقاء و ان قلنا انه من الاصول العملية فلا بد في تعريفه من أن يقال ان الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العملى». و الذي يختلج ببالي القاصر أن يقال: ان الاستصحاب المستفاد من النصوص الخاصة الواردة في المقام عبارة عن الحكم ببقاء حكم شرعي أو بقاء موضوع ذي حكم شرعي فان المستفاد من النصوص ان الشارع الأقدس حكم ببقاء حكم شرعي كان معلوما سابقا و الآن صار مشكوكا فيه كوجوب صلاة الجمعة فانها كانت واجبة في زمان الحضور و صار وجوبها مشكوكا فيه بعد زمان الغيبة أو الحكم ببقاء موضوع ذي حكم شرعي كما لو كان ماء مسبوقا بالكرية و بعد مدة شك في بقاء كريته و عدم بقائها فيحكم ببقاء الكرية و تترتب عليه احكامها.
و لقائل أن يقول: لا يستفاد من قوله(عليه السلام)لا ينقض اليقين بالشك، الحكم بالبقاء، بل المستفاد من الجملة جعل اليقين السابق امارة على البقاء، و الدليل على هذا ان نقض اليقين بالشك لا يكون من المحرمات الشرعية مثلا لو كانت يد احد طاهرة ثم شك في بقاء طهارتها لا يحرم غسلها احتياطا و هكذا. فقوله(عليه السلام): لا ينقض اليقين بالشك ارشاد الى بقاء اليقين.
و على هذا يكون الاستصحاب امارة.
ان قلت: فما الوجه في تقدم الامارات عليه؟ قلت: لا مناص عن ذلك و إلّا يلزم لغوية بقية الامارات مثلا قاعدة الفراغ أو التجاوز أو الصحة أو اليد و ايضا بقية القواعد مفادها مخالف مع مفاد الاستصحاب. فاذا لم تقدم على الاستصحاب تكون لغوا.
و ايضا لو دلت رواية على حكم من الأحكام يكون مقتضى
الاستصحاب عدمه. و هل يمكن الالتزام به كلا.
فالحق أن يقال: الاستصحاب امارة حيث لا امارة و ان شئت قلت:
ان المستفاد من دليل الاستصحاب اعتبار اليقين السابق امارة مع لحاظ الشك و أما في بقية الامارات فالشك يعتبر معدوما فلاحظ.
الجهة الثانية: [هل الاستصحاب من الاصول]
في أن بحث الاستصحاب من المباحث الاصولية أو من القواعد الفقهية. أفاد سيدنا الاستاد(قدس سره): ان قلنا ان الاستصحاب لا يجري إلّا في الشبهات الموضوعية التي لا تختص بخصوص المجتهد، يكون بحث الاستصحاب بحثا فقهيا، و ان قلنا بجريان الاستصحاب في الاحكام الكلية كما هو المشهور يكون البحث اصوليا.
و يرد عليه اولا: انه لا اشكال في جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية و ان قلنا بالتعارض بين استصحاب الجعل و المجعول و ذلك لأن التعارض انما يتصور فيما يجري الاستصحاب في الحكم الوجودي مثلا جريان الاستصحاب في بقاء وجوب صلاة الجمعة حال الغيبة يعارضه استصحاب عدم الجعل الزائد بالنسبة الى زمان الحضور و بعد التعارض يسقط الاستصحاب عن الاعتبار.
و أما الشبهة لو كانت في بقاء عدم الجعل كاستصحاب عدم الحجية فيما يشك فيها و كاستصحاب عدم حرمة شرب التتن و أمثاله فلا اشكال في جريان الاستصحاب اذ لا موضوع للمعارضة فالاستصحاب يجري في الشبهة الحكمية في الجملة على جميع المسالك.
و ثانيا: ان الحق ان بحث الاستصحاب بحث فقهي و لو على القول بجريانه في الأحكام الكلية و ذلك لأن البحث الاصولي عبارة عن
بحث يقع نتيجة ذلك البحث في طريق استنباط الحكم الفرعي الالهي و أما القاعدة التي تكون متعرضة لنفس الحكم الشرعي كقاعدة الطهارة و الحل و أمثالهما فلا يكون البحث فيها بحثا اصوليا و لذا قد تقدم منا ان البحث في اصالة البراءة لا يكون اصوليا و الاستصحاب كذلك فانه لا فرق بين الاستصحاب و البراءة فان البراءة متعرضة لعدم الوجوب و الحرمة و قاعدة الحل متعرضة للحلية و الاستصحاب متعرض لبقاء الوجوب أو بقاء الحرمة و هكذا.
نعم يمكن أن يقال: ان استصحاب الحجية أو عدمه يترتب عليه اثر فقهي و بعبارة اخرى: استصحاب الحجية أو عدمه كالبحث في كون الخبر الواحد حجة أم لا فكما ان البحث في اعتبار الخبر بحثا اصوليا كذلك البحث عن بقائه اصوليا.
و بعبارة اخرى: لا فرق بين البحث عن اصل الحدوث و بين البحث عن بقائه بعد حدوثه كما انه يترتب على استصحاب عدم الحجية اثر فقهي.
هذا كله لو قلنا: الاستصحاب عبارة عن حكم الشارع ببقاء الحكم أو الموضوع، و أما لو قلنا ان المستفاد من دليل الاستصحاب كون اليقين السابق و الشك اللاحق امارة على تحقق متعلق اليقين فيكون بحث الاستصحاب كبحث حجية الخبر الواحد فلاحظ.
الجهة الثالثة: [قاعدة المقتضى و المانع]
في بيان الفرق بين قاعدة المقتضي و المانع و قاعدة اليقين و الاستصحاب فنقول: تارة يتعلق اليقين بما يقتضي وجود أمر كما لو تعلق اليقين بوجود النار و شك في وجود الرطوبة المانعة عن احراقها فهل القاعدة تقتضي الحكم بتحقق الاحراق بأن يقال:
المفروض تحقق المقتضي له و هو وجود النار و الرطوبة المانعة عنه مشكوك فيها و محكومة بالعدم فالاحراق محقق، و هذه القاعدة تسمي بقاعدة المقتضي و المانع.
و لا بد أن يقع البحث فيها و انه هل يكون دليل على تماميتها أم لا؟ ففي هذه القاعدة متعلق اليقين أمر و متعلق الشك أمر آخر، و اخرى يتعلق اليقين بأمر كما لو تعلق بعدالة زيد يوم الجمعة في يوم السبت أي يكون ظرف اليقين بالعدالة يوم السبت و في يوم الأحد يشك في عدالته على نحو الشك الساري أي يكون عدالته في يوم الجمعة متعلقة لليقين و الشك كليهما غاية الأمر زمان اليقين بالعدالة مغاير مع زمان الشك فيها.
و بعبارة اخرى: يكون أمر واحد متعلقا للشك و اليقين و الشك يكون ساريا و تسمى هذه القاعدة بقاعدة اليقين و لا بد من البحث في أنه هل يكون دليل على تمامية هذه القاعدة ام لا؟
و ثالثة يتعلق اليقين بشيء كما لو تعلق اليقين بعدالة زيد و يشك في بقائها و يسمى بالشك الطاري فلو تعلق اليقين بأن زيدا كان عادلا يوم الجمعة و شك في بقاء عدالته الى يوم السبت فلو استصحب عدالته الى يوم السبت و حكم ببقائها يسمى هذا الابقاء بالاستصحاب المشهور عند القوم.
هذا فيما لو شك في بقاء ما تعلق به اليقين و أما لو شك في ثبوت ما تعلق به قبل ذلك كما لو علم بأن لفظ الغناء مثلا موضوع في زماننا في معنى فلاني و شك في أنه هل كان كذلك فى عصر الائمة(عليهم السلام)أم لا، يكون جره الى ذلك الزمان استصحابا قهقريا و هذا خارج عن الاستصحاب الذي محل الكلام فان الاستصحاب القهقري من الاصول اللفظية التي عليها بناء العقلاء و لو لا هذا
الاصل اللفظي لانسد باب استنباط الأحكام الشرعية في كثير من الموارد.
و على الجملة الاستصحاب القهقري لا اشكال في اعتباره.
الجهة الرابعة: [تقسيم الاستصحاب الى جهات]
في تقسيم الاستصحاب من جهات مختلفة و انحاء متعددة فان المستصحب قد يكون حكما شرعيا و اخرى يكون أمرا خارجيا و على الاول قد يكون حكما كليا و اخرى يكون جزئيا و ايضا قد يكون وضعيّاً و اخرى يكون تكليفيا و منشأ اليقين قد يكون هو العقل و قد يكون غيره من الكتاب أو السنة أو الرواية و السماع.
و ايضا يقسم من حيث منشأ الشك فانه قد يكون الشك ناشيا عن احتمال انقضاء المقتضي للبقاء و يسمى بالشك في المقتضي و قد يكون الشك في البقاء ناشيا عن احتمال وجود الرافع و يسمّى بالشك في الرافع.
و قد وقع الكلام بين القوم فلعلّ بعضهم ذهب الى القول بالحجية على الاطلاق و بعضهم الى عدمه كذلك و فصّل الفرقة الثالثة.
و العمدة النظر في الادلة التي يمكن قيامها لاثبات حجية الاستصحاب و استفادة المقصود منها.
فنقول:
قد استدل على اعتبار الاستصحاب بوجوه:
الوجه الاول: [السيرة الجارية بين العقلاء]
السيرة الجارية بين العقلاء على العمل بالمعلوم السابق ما دام لم يقم على عدمه دليل بل ربما يقال، بأن الحيوان مجبول على العمل على طبق الحالة السابقة و لذا يرجع الطائر بعد طيرانه الى قفصه أو الى عشه و هكذا بقية أنواع الحيوانات.
و يقع الكلام تارة في تحقق السيرة و عدمه و اخرى في أنه على فرض تحققها تكون حجة أم لا.
فيقع الكلام في موضعين: أما الموضع الاول فنقول: الظاهر انه لا سيرة على العمل على طبق الحالة السابقة و بعبارة اخرى: مجرد كون شيء سابقا متعلقا لليقين لا يقتضي عند العقلاء العمل به الى أن يحصل اليقين بخلافه، فان العمل على طبق الحالة السابقة على أقسام:
فانه تارة يكون ناشيا عن العلم بالبقاء، أو الاطمينان به و هو كثير مثلا الطالب في كل يوم يروح الى المدرسة الفلانية أو الكلية الفلانية حيث يطمئن ببقاء المكان المعد للدراسة على حاله و عدم خرابه و تغيره.
و اخرى يكون العمل على طبق الحالة السابقة من باب الاحتياط و الاخذ بالحائطة كمن يرسل في كل شهر أو كل سنة مقدارا من المال الى ولده الساكن في البلدة الكذائية لرفع حوائجه و اصلاح اموره حتى مع احتمال عدمه لموته أو انتقاله الى مكان آخر، و ثالثة يكون العمل على طبق الحالة السابقة لأجل الغفلة و عدم الالتفات الى امكان زوال تلك الحالة.
و ان شئت فقل: يكون القسم المذكور عملا على طبق العادة و لا يبعد أن يكون عمل الحيوان على طبق الحالة السابقة ناشيا عن العادة.
و الذي يدل على عدم السيرة: ان اعتبار الاستصحاب وقع محل الكلام بين القوم و انه معتبر أم لا و اذا كانت السيرة قائمة عليه لم يكن مجال للبحث.
و ايضا يدل على عدمها انه لو كانت لكنا نعمل به فانا من العقلاء
و بعبارة اخرى: السيرة ناشية عن سبب عقلائى و لا نجد في
أنفسنا سببا للعمل على طبق الحالة السابقة.
و عن الميرزا النائيني(قدس سره)ان السيرة العقلائية بالهام من اللّه تعالى لحفظ النظام.
و يرد عليه اولا: ان المنكرين للاستصحاب لم يختل نظامهم.
و ثانيا: ان الالهام المذكور ان كان موجودا فلا جرم يكون كل انسان ملهما بهذا الالهام و نحن لا نجد الالهام المذكور و على تقدير الالهام المذكور لم يكن مجال للقيل و القال فان الامور الارتكازية وجدانية لكل احد فالنتيجة انه لا سيرة هذا تمام الكلام في الموضع الاول.
و اما الموضع الثاني: فعن صاحب الكفاية انها مردوعة بالدليل الناهي عن العمل بغير العلم.
و يرد عليه اولا: انه لو كان الدليل الدال على النهي عن العمل بغير العلم قابلا للمنع عن العمل بالسيرة فلا بد من كونه رادعا و مانعا عن العمل بالسيرة في بقية الموارد كالعمل بالظواهر مثلا و الحال انه بنفسه لا يلتزم بهذا اللازم.
و ثانيا: ان الشارع الأقدس لم يجعل لنفسه طريقا خاصا لفهم المرادات في المحاورات الجارية بين ابناء المحاورة و المفروض ان السيرة العقلائية جارية على العمل على طبق الحالة السابقة كما ان سيرتهم جارية على العمل بالظواهر.
و بعبارة اخرى: لا فرق بين الموردين فلا وجه للتفريق.
و ثالثا: ان الشارع لو كان رادعا عن السيرة لم يكن أمرا مجهولا بل كان ظاهرا. و بعبارة اخرى: لو كان لبان.
الوجه الثاني: [المعلوم سابقا مشكوكا فيه لا حقا يقتضي الظن ببقائه]
ان كون شيء معلوما سابقا و مشكوكا فيه لا حقا يقتضي الظن ببقائه و كلما يكون كذلك يجب العمل به.
و يرد عليه اولا و ثانيا، أما اولا، فلعدم الاقتضاء المذكور