بعدم انتقاض اليقين بالوضوء بالشك في الانتقاض.
مضافا الى أنه يلزم عدم جوابه عن السؤال و الحال انه لاوجه لامساكه عن الجواب و عدم تعرضه فلاحظ.
تذكرة:
اعلم ان جريان الاستصحاب في الامور الوجودية يختص بالشبهات الموضوعية كاستصحاب وجود زيد و عدالة عمرو و شجاعة بكر و خباثة خالد الى غيرها من الموارد و أما في الحكم فلا يجري الاستصحاب اذا شك في بقائه بلا فرق بين الحكم التكليفي و الوضعي و بلا فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية. و الوجه فيه انه لو شك في حكم من الاحكام الشرعية فان كان الشك في بقاء الحكم الكلي و بعبارة اخرى ان كانت الشبهة حكمية يكون استصحاب بقاء الحكم المشكوك فيه معارضا باستصحاب عدم الجعل الزائد كما مر قريبا و ان كانت الشبهة موضوعية فلأجل ان الشك في بقاء الحكم الجزئي الخارجي دائما يكون ناشيا عن الشك في الرافع و يكون الاصل الجاري في السبب حاكما على الاصل الجاري في المسبب.
مثلا اذا كان الشخص متوضئا ثم شك في ارتفاعه و يكون الشك في البقاء ناشيا و مسببا عن الشك في وجود الناقض و مقتضي الاصل عدم تحقق الناقض فيكون الوضوء محكوما بالبقاء.
و ايضا اذا شك في بقاء الطهارة الخبثية و قس عليهما كل مورد يشك في بقاء الحكم تكليفيا كان أم وضعيا فلا تغفل هذا تمام الكلام في الحديث الاول الذي استدل به على اعتبار الاستصحاب في الجملة أو بالجملة.
[* بقية الوجه الرابع في الأخبار و النصوص]
[الحديث الثاني لزرارة]
و من تلك النصوص ما رواه زرارة ايضا قال قلت أصاب ثوبي
دم رعاف أو غيره أو شيء من مني فعلّمت اثره الى أن اصيب له من الماء فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا و صليت ثم اني ذكرت بعد ذلك.
قال تعيد الصلاة و تغسله. قلت: فاني لم اكن رأيت موضعه و علمت انه قد أصابه فطلبته فلم اقدر عليه فلما صليت وجدته قال تغسله و تعيد.
قلت: فان ظننت انه قد اصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فرأيت فيه قال: تغسله و لا تعيد الصلاة. قلت: لم ذلك؟
قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابدا.
قلت: فاني قد علمت انه قد أصابه و لم ادر اين هو فاغسله؟ قال:
تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك. قلت: فهل علىّ ان شككت في أنه اصابه شيء ان انظر فيه؟ قال: لا و لكنك انما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك.
قلت: ان رأيته في ثوبي و انا في الصلاة. قال: تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت في موضع منه ثم رايته و أن لم تشك ثم رايته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شيء اوقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك[1].
و هذه الرواية تارة يبحث فيها من حيث السند و اخرى من حيث الدلالة، أما من حيث السند فالظاهر ان السند تام فان اسناد الشيخ الى حسين بن سعيد لا اشكال فيه و هو ينقل عن حماد عن حريز عن
[1]- التهذيب ج 1 ص 421 الحديث 8.
زرارة فلا اشكال في السند. و أما الاضمار فقد تقدم ان اضمار مثل زرارة لا يضر، فان زرارة اجل شأنا من أن ينقل عن غير المعصوم(عليه السلام)فالسند لا اشكال فيه.
و أما من حيث الدلالة فمورد الاستشهاد على المدعى موردان.
المورد الاول: قوله(عليه السلام)- بعد السؤال الثالث- «لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابدا» فان عموم العلة يقتضي سراية الحكم الى كل مورد يكون فيه الملاك المذكور.
و بعبارة اخرى: العلة تعمّم و تخصص مضافا الى أن مقتضى اطلاق اليقين الذي نهى عن نقضه عدم الفرق بين الموارد.
و اشكال كون اللام للعهد الذكري قد ظهر الجواب عنه في الحديث السابق، و قلنا الظهور الاولي يقتضي كون اللام للجنس.
و قد ورد في المقام اشكال و هو ان الكبرى الكلية و هي عدم نقض اليقين بالشك لا تنطبق على المورد، اذ الاعادة لو كانت واجبة لا تكون نقضا لليقين بالشك بل نقض اليقين باليقين بوجوب الاعادة فلا تنطبق على الاستصحاب. و لذا حمل الحديث على قاعدة اليقين.
و قال سيدنا الاستاد(قدس سره)«و حمل الحديث على قاعدة اليقين عجيب اذ قاعدة اليقين متقومة بأمرين. احدهما: اليقين السابق ثانيهما الشك الساري كما لو علم زيد بعدالة بكر في يوم الجمعة ثم شك في عدالته في يوم الجمعة فى يوم السبت و شيء من الأمرين لا يكون متحققا في مورد الحديث.
أما الشك فعدمه واضح اذ المفروض ان المكلف يعلم بوقوع الصلاة في النجس، و أما اليقين فان كان المراد به اليقين بالطهارة قبل الظن بالنجاسة فهو باق بحاله و لم يتبدل بالشك و ان كان المراد
اليقين بالطهارة بعد الظن بالنجاسة فلم يذكر في الحديث و مجرد النظر و عدم الوجدان لا يدل على اليقين بالطهارة فلا يرتبط الحديث بقاعدة اليقين بل هو من ادلة الاستصحاب غاية الأمر انطباق الحديث على المورد غير معلوم و هذا المقدار من الاشكال لا يوجب سقوط الرواية عن قابلية الاستدلال على المدعى. هذا ما افاده(قدس سره)في المقام.
اقول: الظاهر ان الحديث ينطبق على المقام و المورد اذ المفروض ان المكلف انما صلى قبل اليقين بالنجاسة.
و بعبارة اخرى: ان قاعدة الاستصحاب كانت جارية في حقه في زمان الشك و الاتيان بالصلاة هذا من ناحية. و من ناحية اخرى ان اشتراط الصلاة بطهارة لباس المصلي شرط ذكري لا شرط واقعي و المفروض تحققه في ظرف الاتيان فلا تجب الاعادة فعدم وجوب الاعادة مقتضى جريان الاستصحاب فلا اشكال في الحديث لا من حيث الكبرى و لا من حيث الصغرى هذا ما يرجع بالمورد الاول.
المورد الثاني: قوله(عليه السلام)- في ذيل الحديث- «ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعلّه شيء أوقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك» فانه يستفاد من الذيل ايضا القاعدة الكلية بأن اليقين لا ينقض بالشك.
و يمكن تقريب الاستدلال بالذيل بوجهين احدهما: التعليل الواقع في كلامه(عليه السلام)و هو قوله «لانك لا تدري لعله شيء اوقع عليك» فان التعليل يفيد العموم.
ثانيهما: قوله(عليه السلام)«فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك» فان العرف يفهم من الحديث الضابط الكلي الساري في جميع الموارد فلاحظ.
[الحديث الثالث لزرارة]
و من تلك النصوص ما رواه زرارة ايضا عن احدهما(عليهما السلام)في حديث قال: اذا لم يدر في ثلاث هو أو في اربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف اليها اخرى و لا شيء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك في اليقين و لا يخلط احدهما بالآخر و لكنه ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين فيبني عليه و لا يعتد بالشك في حال من الحالات[1].
و هذه الرواية من حيث السند تامة، و أما من حيث الدلالة فتقريب الاستدلال بها على المدعى ان المكلف يعلم بعدم الاتيان بالركعة الرابعة و بعد ذلك يشك في الاتيان بها و يجب عليه أن لا ينقض يقينه بالشك.
و بعبارة اخرى: قد طبقت الكبرى الكلية و هي عدم نقض اليقين بالشك على المورد.
و قد اورد على الاستدلال بالرواية على المدعى ايرادان.
الايراد الاول: انه لا تستفاد من الحديث الكبرى الكلية بل المستفاد منه الحكم الخاص و هو حكم المورد فلا يكون دليلا على العموم.
و ربما يجاب عن الايراد المذكور بأن الكلية تستفاد من جملة من النصوص الأخر.
و يرد على الجواب المذكوران استفادة الكلية من بقية النصوص لا تقتضي الكلية في هذه الرواية و لكن يمكن تقريب الكلية باحد وجهين:
أحدهما: قوله(عليه السلام)«لا ينقض اليقين بالشك» فانه تستفاد الكلية من هذه القضية، فان الظاهر من اللام لام الجنس و مقتضى
[1]- الوسائل الباب 10 من أبواب الخلل الواقع فى الصلاة الحديث 3.
الاطلاق عدم تقييد المطلق فالنتيجة هو العموم.
ثانيهما: قوله(عليه السلام)- في ذيل الحديث- «و لا يعتد بالشك في حال من الحالات» فان الكلية تستفاد من هذه الكلمة.
الايراد الثاني: انه ما المراد من قوله(عليه السلام)«قام فاضاف اليها اخرى» فان كان المراد الركعة المنفصلة كما عليه الامامية فيكون المراد باليقين اليقين بالبراءة لا اليقين بعدم الاتيان فان الاتيان بالركعة المنفصلة تقتضي اليقين بالبراءة اذ لو كانت ما بيده ناقصة تكون الركعة متممة لنقصها و لم يزد في الصلاة ركوع و لا سجود، و ان كانت تامة تكون الركعة المنفصلة خارجة عن الصلاة و لا توجب بطلانها.
و أما لو اكتفى بالمقدار المأتي به و لم يضف اليه فيمكن نقصان الصلاة كما انه لو اضيف اليه شيء متصلا يمكن أن يكون زائدا و يوجب البطلان من جهة الزيادة.
و أما ان كان المراد الاتيان متصلا و يكون المراد من عدم النقض بالشك الاخذ باليقين بعدم الرابعة و الاتيان بها متصلا تكون الرواية دالّة على الاستصحاب و لكن يكون على خلاف مذهب الامامية.
ان قلت يمكن حمل الحديث على بيان القاعدة الكلية السارية في جميع الموارد و أما تطبيق الحديث على المورد فيكون من باب التقية.
قلت: حمل كلام المعصوم على التقية خلاف الاصل الاولي. اذا عرفت ما تقدم نقول لا اشكال في أن المستفاد من الحديث ان اليقين لا ينقض بالشك فاليقين بعدم الرابعة لا ينقض بالشك فيها بل لا بد من تحصيل اليقين باتيانها فلا اشكال في أن الظاهر من
الحديث انه يجب اضافة ركعة اخرى الى المأتي به كى يحصل اليقين بالامتثال فلو كنا نحن و هذه الرواية لكنا نأخذ بظاهرها و حكمنا بوجوب اضافة ركعة متصلة و لكن حيث ان هذه الطريقة خلاف المذهب قطعا نرفع اليد عن ظهور الحديث بالنسبة الى هذه الجهة.
و لكن لا مقتضي لرفع اليد عن أصل الظهور.
و صفوة القول ان المستفاد من الحديث مفاد الاستصحاب غاية الامر قد علم من الخارج ان طريق العلم بالامتثال الاتيان على نحو الانفصال فتحصل ان الحديث تام من حيث الدلالة على المدعى كما انه تام سندا فلاحظ.
و من تلك النصوص ما رواه اسحاق بن عمار قال: قال لي أبو الحسن الاول(عليه السلام): اذا شككت فابن على اليقين. قال:
قلت: هذا اصل قال: نعم[1].
و هذه الرواية من حيث السند مخدوشة فان اسناد الصدوق الى اسحاق بن عمار ضعيف على ما كتبه الحاجياني. و أما من حيث الدلالة فيستفاد منها ان الاخذ باليقين اصل أولي و مقتضى الاطلاق المنعقد فيه سريانه في جميع الموارد الا فيما يقوم دليل على الخلاف.
و عن الشيخ(قدس سره)ان الحديث ناظر الى حكم الشك في عدد الركعات و حكمه الاتيان بالركعة المنفصلة فيكون المراد من اليقين الوارد في الحديث اليقين بالبراءة. فلا ترتبط الرواية بما نحن فيه.
و يرد عليه أولا: ان الخبر لم يرد في بيان حكم الركعات و لا قرينة فيها على المدعى المذكور، و انما نقلها و ذكرها اصحاب الحديث و الفقهاء في الباب المشار اليه.
[1]- الوسائل الباب 8 من أبواب الخلل الواقع فى الصلاة الحديث 2.
و ثانيا: ان الظاهر من الحديث ان الموضوع المفروض في الحديث عنوان اليقين و قد رتب عليه الحكم فاليقين لا بد من فرض وجوده فلا يرتبط بحكم باب الشكوك في الركعات فان الحكم هناك تحصيل اليقين بالبراءة و لم يفرض يقين في الرتبة السابقة بخلاف ما يستفاد من الحديث فان المستفاد من الحديث ترتيب الاثر على اليقين المفروض وجوده. و أما احتمال كون الرواية ناظرة الى قاعدة اليقين فغير سديد فان اليقين في القاعدة لا يكون موجودا بقاء و الظاهر من الحديث تحقق عنوان اليقين في زمان ترتيب الاثر عليه فتحصل ان المستفاد من الحديث قاعدة الاستصحاب في جميع الموارد، فانه يجب البناء على المتيقن عند الشك. غاية الامر ترفع اليد عن الاطلاق في باب الشك في عدد الركعات لاجل قيام دليل هناك على الخلاف فلاحظ.
[حديث الخصال و القاساني]
و من تلك النصوص ما رواه في الخصال عن علي(عليه السلام)[1].
و هذه الرواية مخدوشة سندا فلا يعتد بها، و أما من حيث الدلالة فربما يقال انها ناظرة الى قاعدة اليقين.
و يرد عليه ان الظاهر من الرواية التحفظ على عنوان اليقين بالفعل و الحال ان اليقين في القاعدة زائل بالشك الساري.
و من تلك النصوص ما رواه علي بن محمد القاساني قال كتبت اليه و أنا بالمدينة اسأله عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك صم للرؤية و افطر للرؤية[2].
[1]- قد تقدم ذكر الحديث فى ص 22.
[2]- الوسائل الباب 3 من أبواب احكام شهر رمضان الحديث 13.