الاول: أن يكون المراد اثبات الطهارة للاشياء الى زمان انفعالها بالنجس.
و بعبارة اخرى: تكون في مقام بيان ان الحكم الواقعي للاشياء الطهارة الى زمان تأثير النجاسة فيها و يكون العلم المذكور فيها علم طريقي فكأنه قال كل شيء طاهر الى زمان انفعاله بالنجاسة.
و أيضا كل شيء حلال الى أن يصير حراما.
و هذا الاحتمال خلاف الظاهر فان الظاهر من هذه النصوص ان الطهارة المجعولة لمورد الشك في الطهارة و النجاسة.
و بعبارة اخرى المستفاد من هذه النصوص الحكم الظاهري لا الواقعي بل لا يمكن الالتزام به بالنسبة الى ما دل على الحلية فان قوله(عليه السلام)«كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه» يفهم منه انه قد فرض محرم و محلل و الشارع الاقدس يحكم بالحلية عند الشك في أن ما في الخارج من القسم الحلال أو من القسم الحرام بل الامر كذلك بالنسبة الى ما يدل على الطهارة. فان قوله(عليه السلام)«كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر» صريح في أن الحكم بالطهارة ما دام لا يحصل العلم بكونه نجسا فالمجعول الطهارة الظاهرية.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد ان الطهارة أو الحلية باقيتان الى أن يعلم بالخلاف فتكون النصوص دليلا على الاستصحاب.
و فيه ان قوام الاستصحاب بالمتيقن السابق و لم يفرض اليقين في النصوص المشار اليها بل الحكم بالطهارة و الحلية ما دام الشك.
فالنصوص دالة على قاعدة الطهارة و الحلية و لا ترتبط بالاستصحاب.
الاحتمال الثالث: أن تكون النصوص ناظرة الى الحكم الواقعي و الظاهري. و فيه انها ظاهرة في جعل الحكم الظاهرى أى الطهارة
و الحلية عند الشك فيهما فلا مجال لهذا الاحتمال.
الاحتمال الرابع: أن تكون ناظرة الى جعل الطهارة الظاهرية و استصحاب تلك الطهارة فصدر الحديث دليل القاعدة و ذيله دليل الاستصحاب.
و فيه ان الظاهر من النصوص جعل الحكم الظاهري في زمان الشك فما دام الشك موجودا يشمله الدليل و أما مع عدم الشك فلا موضوع للنصوص.
الاحتمال الخامس: أن تكون الجملة متعرضة للحكم الواقعي و بقاء ذلك الحكم الى زمان العلم بالخلاف فتكون دالة على الحكم الواقعي و الاستصحاب لاحظ الحديث الرابع من الباب السابع و الثلاثين من أبواب النجاسات من الوسائل فان صدر الجملة يدل على الطهارة الواقعية و ذيلها يدل على الطهارة الظاهرية بالاستصحاب.
و فيه ان المستفاد من كلامه(عليه السلام)و هو قوله «كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر» انه(عليه السلام)في مقام بيان الطهارة الظاهرية في ظرف الشك و عدم العلم بقذارة الشيء.
و بعبارة واضحة الظاهر من الجملة انه(عليه السلام)في مقام بيان مشكوك الطهارة و القذارة و لذا جعل الغاية العلم بكونه قذرا فالشيء المشكوك فيه يكون طاهرا حتى مع كونه قذرا في الواقع.
الاحتمال السادس: أن تكون الجملة دالة على الطهارة الواقعية و الظاهرية و استصحابها بتقريب ان عنوان كل شيء، يشمل كل عنوان معلوم كالماء و الحجر و المدر و ما هو مشكوك العنوان كالماء الذي يشك في انفعاله بالملاقاة فتدل الجملة على الطهارة الواقعية و الظاهرية و على بقاء تلك الطهارة الى زمان العلم بالخلاف فتدل
على أمور ثلاثة الحكم الواقعي و الحكم الظاهري و الاستصحاب.
و هذا القول منسوب الى صاحب الكفاية.
و قد اورد الميرزا عليه بأنه لا يمكن الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بتقريب: انه مع قطع النظر عن الغاية يكون الموضوع الجامع بين الاشياء.
و بعبارة اخرى: في كل عام يكون المأخوذ في الموضوع تمام الموضوع بلا لحاظ خصوصية من الخصوصيات.
مثلا لو قال المولى يجب اكرام كل عالم يفهم ان تمام الموضوع لوجوب الاكرام العلم بلا دخل كون العالم عربيا أو هاشميا أو غيرهما.
و عليه نقول: اذا كان عنوان العموم شاملا للمشكوك فيه من حيث النجاسة و الطهارة لا يكون الشك دخيلا في الحكم بل الدخيل عنوان الشيء و على هذا الاساس نقول الرواية لا يمكن شمولها للمشتبه لا بعنوان الحكم الظاهري و لا بعنوان الحكم الواقعي.
أما الاول فلما تقدم من عدم كون الخصوصية دخيلة في الموضوع، و أما الثاني فلأنه؟؟؟ لا اشكال في نجاسة جملة من الاشياء فلا يمكن الحكم بالطهارة الواقعية لجميع الاشياء فان الاخذ بالعموم في مورد المشتبه اخذ بالعام في الشبهة المصداقية و قد قرر في محله انه غير جائز.
و قال سيدنا الاستاد(قدس سره)ان هذا الاشكال الذي أورده شيخه متين جدا.
أقول: الذي يختلج ببالي القاصر أن يقال أى مانع عن شمول العموم للمشتبه غاية الامر نرفع الاشتباه بالاصل الموضوعي اي الاستصحاب فانه نحرز بالاستصحاب أن الفرد المشتبه لا يكون فردا للخارج عن تحت العام كما في بقية الموارد.
مثلا لو قال المولى اكرم العلماء الا الفسّاق و نحن احرزنا علم زيد و لكن شككنا في فسقه و عدمه نحرز عدم فسقه بالاستصحاب و كذلك في المقام.
اذا عرفت ما تقدم نقول قد تقدم منا ان المتفاهم من الحديث بالفهم العرفي ان الشارع الاقدس في مقام بيان الحكم بعنوان كون الشيء مشكوكا فيه من حيث الطهارة و النجاسة و لذا قال(عليه السلام)«كل شيء نظيف حتى يعلم انه قذر» فقد فرض في الحديث ان الحكم الواقعي محفوظ في ظرفه. و في ظرف الشك فى ذلك الحكم الواقعي حكم بالطهارة فالحديث متكفل لبيان الحكم الظاهري فلاحظ.
الاحتمال السابع: أن يكون الحديث في مقام الحكم الظاهري و هذا هو الظاهر من النصوص الواردة في المقام المشار اليها فيكون الاحتمال السابع هو المتعين.
بقى شىءو هو انه ربما يقال ان المستفاد من حديث حماد بن عثمان[1]حجية الاستصحاب في الجملة بتقريب ان طهارة الماء أمر واضح. غاية الامر ان الامام تعرض لبقائها الى حصول العلم بالخلاف فيكون دليلا على الاستصحاب.
و يرد عليه ان الظاهر من الحديث بيان الحكم الظاهرى و بعبارة واضحة: قوله(عليه السلام)«حتى تعلم انه قذر» لا يكون جملة مستقلة في الكلام بل من متعلقات الجملة السابقة و عليه نسأل ان الجملة الواقعة في الذيل أي قوله(عليه السلام)حتى تعلم انه قذر قيد للحكم أو للموضوع و على كلا التقديرين يكون الحديث دالا على الحكم
[1]- تقدم ذكر الحديث فى ص 46.
الظاهري و لا يرتبط بالاستصحاب.
فتحصل من جميع ما تقدم ان الدليل على الاستصحاب تام و الاستصحاب حجة على الاطلاق بلا فرق بين الأمور الخارجية و الاحكام الشرعية و بلا فرق بين كون الحكم جزئيا أو كليا وضعيا أو تكليفيا.
التنبيه الثالث: [ما أفاده السبزواري من التفصيل بين الشك في الرافع و رافعية الموجود]
ما أفاده السبزواري من التفصيل بين الشك في الرافع و الشك في رافعية الموجود بجريانه في الاول و عدم جريانه في الثانى.
بتقريب: انه لو كان الشك في وجود الرافع كما لو كان متطهرا فشك في تحقق الناقض يكون رفع اليد عن اليقين السابق بالشك.
و أما في ظرف الشك في رافعية الموجود اعم من أن تكون الشبهة موضوعية أو حكمية يكون رفع اليد عن اليقين السابق باليقين بما يشك في كونه رافعا و يدل على المدعى ان الشك في كون الرعاف ناقضا أم لا لا يوجب النقض فلا يجوز رفع اليد عن اليقين بالطهارة اذا شك في كون الرعاف ناقضا أم لا و أما في صورة اليقين بالرعاف خارجا لا يكون رفع اليد عن اليقين بالشك بل نقض اليقين باليقين فلا بد من التفصيل.
و يرد عليه ان مجرد اليقين بشيء لا يقتضي رفع اليد عن اليقين السابق بل لا بد من تعلق اليقين اللاحق بعين ما تعلق به اليقين السابق و المفروض ان اليقين تعلق بوجود الرعاف لا بعنوان الناقض و أما ما افاده من أن الشك في كون الرعاف ناقضا أم لا فهو الشك في كبرى القضية و هو يجتمع مع العلم بالطهارة و يصح أن يقال: انه غالط بهذا البيان.
و حاصل الكلام: انه لا فرق بين الشك في رافعية الموجود و في وجود الرافع، و لتوضيح المدعى نقول: اذا كان الشخص متطهرا ثم ابتلي بالرعاف و شك في كون الرعاف ناقضا أم لا؟ هل يكون شاكا في بقاء الطهارة أم لا؟
أما على الاول فلا بد من أن يتمسك بالاستصحاب و أما على الثاني، فنقول: كيف يجمع بين كون الشخص شاكا في بقاء الطهارة و كونه متيقنا بها فلاحظ.
فتحصل انه لا فرق بين الشك في الرافع و بين الشك في رافعية الموجود في جريان الاستصحاب و لا يختص الاستصحاب بخصوص القسم الاول.
نعم اذا كان الشك في الحكم الكلي و بعبارة اخرى: اذا كانت الشبهة حكمية يقع التعارض بين استصحاب المجعول و استصحاب عدم الجعل الزائد و هذا امر آخر لا يرتبط بما افاده.
بقى شىء فى المقام: [في بيان جملة من الأحكام الوضعية]
ربما يقال بأن الاستصحاب يختص جريانه بالحكم التكليفي و لا يجري في الحكم الوضعي بدعوى ان الحكم الوضعي لا تناله يد الجعل بل ينتزع عن التكليف.
و الحق ان الأمر ليس كذلك فان الحكم الوضعي قابل للجعل كالحكم التكليفي، و في مقام الثبوت يتصور جعله و يكون امرا ممكنا في نظر العقل، مثلا الزوجية و الرقية و الملكية و الطهارة و النجاسة و أمثالها امور قابلة للجعل و الاعتبار يتعلق بها كما يتعلق بالتكليف و لا تكون من الامور الانتزاعية. فان الامر الانتزاعي لا واقعية له
في الخارج و الخارج ظرف لمنشا انتزاعه و اما الأمر الاعتبارى فموجود في؟؟؟ وعاء الاعتبار.
هذا من ناحية و من ناحية اخرى قد رتبت أحكام في الشريعة المقدسة على الاحكام الوضعية، مثلا قد رتب جواز الوطء و النظر و أمثالهما على عنوان الزوجية.
و أيضا الأمر كذلك بالنسبة الى الرقية و الطهارة و النجاسة، و من الظاهر ان رتبة الموضوع مقدمة على رتبة الحكم فالحق ان الاحكام الوضعية كالاحكام التكليفية قابلة للجعل المولوي، و لذا نرى جريان الاستصحاب في بقائها فاذا شك في بقاء الزوجية أو الطهارة أو النجاسة أو الملكية يحكم ببقائها بالاستصحاب.
فتحصل مما ذكرنا انه لا فرق في الحكم التكليفي و الوضعي فان قلنا بجريان الاستصحاب في الحكم التكليفي على الاطلاق حتى في الحكم الكلي و لم نقل بالتعارض بين المجعول و عدم الجعل فالاستصحاب يجري في الاحكام الوضعية كذلك و ان قلنا باختصاص جريانه في الحكم الجزئي و الشبهة الموضوعية و التزمنا بعدم جريانه في الشبهة الحكمية للتعارض كما اخترناه لا يجري في الحكم الكلي الوضعي ايضا.
ثم انه يقع الكلام في امور قد وقع الخلاف في انها من الاحكام الوضعية أم لا، منها: الطهارة و النجاسة فربما يقال بأنهما من الأمور الواقعية بأن تكون الطهارة هي النظافة الواقعية و النجاسة هي القذارة كذلك و لا تكونان من الامور المجعولة و قد كشف الشارع القناع و اخبر عنهما.
و فيه انه خلاف ظواهر الادلة فان الظاهران الشارع قد حكم بهما كما حكم بغيرهما من الوضعيات و التكليفيات مضافا الى أنه
خلاف الوجدان فان جملة من النجاسات لا تكون قذرة بالقذارة التكوينية مثلا الاسبرتو المتخذ من المسكر على القول بكونه نجسا كيف يمكن الالتزام بكونه ذا قذارة واقعية و الحال انه يضاد المكروبات و ايضا كيف يمكن الالتزام بكون الماء الكر الذي يكون مملوء من الكثافات نظيف بالنظافة الواقعية.
اضف الى ذلك ان الطهارة الظاهرية كيف يمكن أن تكون أمرا واقعيا و الحال انه يمكن أن يكون الطاهر الظاهري نجسا في الواقع فهل يمكن أن يكون شيء واحد نظيفا و قذرا؟ كلا ثم كلا فالحق انهما من الاحكام الوضعية المجعولة.
و منها: الجزئية و الشرطية و المانعية و القاطعية و الحق انها امور انتزاعية و لا تكون من الاعتباريات القابلة للجعل فانها لا دخل للجعل فيها فاذا أوجب المولى مركبا من امور كالصلاة ينتزع من وجوب المركب الجزئية من كل واحد من اجزائه و تنتزع الكلية من نفس المركب الواجب.
و الدليل على عدم كون الجزئية مجعولة ان المولى لو صرح بأنه لم اجعل الجزئية للاجزاء ينتزع العقل الجزئية و لا يكون اختيار المولى و جعله دخيلا فيها وجودا و عدما و قس عليها الشرطية و المانعية و القاطعية.
و منها: الحجية فان الحق ان الحجية لا تكون من الاحكام الوضعية و لا تكون قابلة للجعل بل هي منتزع من جعل شيء طريقا.
و بعبارة اخرى: الحجية تنتزع من كل أمر يكون قابلا لأن يحتج به العبد على المولى أو المولى على العبد كالقطع مثلا فاذا جعل المولى شيئا طريقا بينه و بين عبده و علامة بينهما ينتزع منه الحجية فلاحظ.