و حاصل الكلام: انه لا فرق بين الشك في رافعية الموجود و في وجود الرافع، و لتوضيح المدعى نقول: اذا كان الشخص متطهرا ثم ابتلي بالرعاف و شك في كون الرعاف ناقضا أم لا؟ هل يكون شاكا في بقاء الطهارة أم لا؟
أما على الاول فلا بد من أن يتمسك بالاستصحاب و أما على الثاني، فنقول: كيف يجمع بين كون الشخص شاكا في بقاء الطهارة و كونه متيقنا بها فلاحظ.
فتحصل انه لا فرق بين الشك في الرافع و بين الشك في رافعية الموجود في جريان الاستصحاب و لا يختص الاستصحاب بخصوص القسم الاول.
نعم اذا كان الشك في الحكم الكلي و بعبارة اخرى: اذا كانت الشبهة حكمية يقع التعارض بين استصحاب المجعول و استصحاب عدم الجعل الزائد و هذا امر آخر لا يرتبط بما افاده.
بقى شىء فى المقام: [في بيان جملة من الأحكام الوضعية]
ربما يقال بأن الاستصحاب يختص جريانه بالحكم التكليفي و لا يجري في الحكم الوضعي بدعوى ان الحكم الوضعي لا تناله يد الجعل بل ينتزع عن التكليف.
و الحق ان الأمر ليس كذلك فان الحكم الوضعي قابل للجعل كالحكم التكليفي، و في مقام الثبوت يتصور جعله و يكون امرا ممكنا في نظر العقل، مثلا الزوجية و الرقية و الملكية و الطهارة و النجاسة و أمثالها امور قابلة للجعل و الاعتبار يتعلق بها كما يتعلق بالتكليف و لا تكون من الامور الانتزاعية. فان الامر الانتزاعي لا واقعية له
في الخارج و الخارج ظرف لمنشا انتزاعه و اما الأمر الاعتبارى فموجود في؟؟؟ وعاء الاعتبار.
هذا من ناحية و من ناحية اخرى قد رتبت أحكام في الشريعة المقدسة على الاحكام الوضعية، مثلا قد رتب جواز الوطء و النظر و أمثالهما على عنوان الزوجية.
و أيضا الأمر كذلك بالنسبة الى الرقية و الطهارة و النجاسة، و من الظاهر ان رتبة الموضوع مقدمة على رتبة الحكم فالحق ان الاحكام الوضعية كالاحكام التكليفية قابلة للجعل المولوي، و لذا نرى جريان الاستصحاب في بقائها فاذا شك في بقاء الزوجية أو الطهارة أو النجاسة أو الملكية يحكم ببقائها بالاستصحاب.
فتحصل مما ذكرنا انه لا فرق في الحكم التكليفي و الوضعي فان قلنا بجريان الاستصحاب في الحكم التكليفي على الاطلاق حتى في الحكم الكلي و لم نقل بالتعارض بين المجعول و عدم الجعل فالاستصحاب يجري في الاحكام الوضعية كذلك و ان قلنا باختصاص جريانه في الحكم الجزئي و الشبهة الموضوعية و التزمنا بعدم جريانه في الشبهة الحكمية للتعارض كما اخترناه لا يجري في الحكم الكلي الوضعي ايضا.
ثم انه يقع الكلام في امور قد وقع الخلاف في انها من الاحكام الوضعية أم لا، منها: الطهارة و النجاسة فربما يقال بأنهما من الأمور الواقعية بأن تكون الطهارة هي النظافة الواقعية و النجاسة هي القذارة كذلك و لا تكونان من الامور المجعولة و قد كشف الشارع القناع و اخبر عنهما.
و فيه انه خلاف ظواهر الادلة فان الظاهران الشارع قد حكم بهما كما حكم بغيرهما من الوضعيات و التكليفيات مضافا الى أنه
خلاف الوجدان فان جملة من النجاسات لا تكون قذرة بالقذارة التكوينية مثلا الاسبرتو المتخذ من المسكر على القول بكونه نجسا كيف يمكن الالتزام بكونه ذا قذارة واقعية و الحال انه يضاد المكروبات و ايضا كيف يمكن الالتزام بكون الماء الكر الذي يكون مملوء من الكثافات نظيف بالنظافة الواقعية.
اضف الى ذلك ان الطهارة الظاهرية كيف يمكن أن تكون أمرا واقعيا و الحال انه يمكن أن يكون الطاهر الظاهري نجسا في الواقع فهل يمكن أن يكون شيء واحد نظيفا و قذرا؟ كلا ثم كلا فالحق انهما من الاحكام الوضعية المجعولة.
و منها: الجزئية و الشرطية و المانعية و القاطعية و الحق انها امور انتزاعية و لا تكون من الاعتباريات القابلة للجعل فانها لا دخل للجعل فيها فاذا أوجب المولى مركبا من امور كالصلاة ينتزع من وجوب المركب الجزئية من كل واحد من اجزائه و تنتزع الكلية من نفس المركب الواجب.
و الدليل على عدم كون الجزئية مجعولة ان المولى لو صرح بأنه لم اجعل الجزئية للاجزاء ينتزع العقل الجزئية و لا يكون اختيار المولى و جعله دخيلا فيها وجودا و عدما و قس عليها الشرطية و المانعية و القاطعية.
و منها: الحجية فان الحق ان الحجية لا تكون من الاحكام الوضعية و لا تكون قابلة للجعل بل هي منتزع من جعل شيء طريقا.
و بعبارة اخرى: الحجية تنتزع من كل أمر يكون قابلا لأن يحتج به العبد على المولى أو المولى على العبد كالقطع مثلا فاذا جعل المولى شيئا طريقا بينه و بين عبده و علامة بينهما ينتزع منه الحجية فلاحظ.
التنبيه الرابع: [في الاستصحاب الاستقبالي و القهقرى]
انه لا فرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون المتيقن سابقا و المشكوك فيه فعليا و بين أن يكون المتيقن فعليا و المشكوك فيه استقباليا فلو تيقن المكلف بعدالة زيد يوم الجمعة و شك في بقاء عدالته يوم السبت يستصحب عدالته.
و ايضا اذا كان في يوم السبت عالما بعدالته و يشك في بقاء عدالته الى يوم الاحد يجري الاستصحاب و يحكم بعدالته الى يوم الاحد، و يسمى القسم الثاني بالاستصحاب الاستقبالي، و الدليل عليه عموم الحكم في بعض نصوص الباب ففي الروايات نرى ان الامام(عليه السلام)نهى عن نقض اليقين بالشك بقوله «و لا ينقض اليقين بالشك».
فان مقتضى اطلاق الحكم عدم الفرق بين الاستصحاب الحالي و الاستصحاب الاستقبالي، و يترتب على هذا البحث و عدم الفرق، ان المكلف اذا كان معذورا في أول الوقت بحيث لا يمكنه الاتيان بوظيفة المختار فمع عدم جريان الاستصحاب لا بد من الانتظار اذ يمكن ارتفاع عذره في الوقت فيجب عليه الاتيان بوظيفة المختار و اما مع جريان الاستصحاب الاستقبالي يمكنه البدار و الاتيان بوظيفة العاجز فاذا بقي العذر الى آخر الوقت فهو و ان ارتفع يبتنى الاجزاء على القول بأن الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري هل يجزي أم لا؟
و على المبنى المنصور لا بد من الاعادة اذ لا دليل على الاجزاء.
ان قلت ما الوجه في عدم جريان الاستصحاب القهقري فان مقتضى الاطلاق عدم جواز نقض اليقين بالشك على النحو القهقري.
قلت: المستفاد من النص ان اليقين لا ينقضه الشك أي يفهم من الدليل ان اليقين اذا تحقق في الخارج لا ينقض و لا يرتفع بالشك
و في القهقري الشك انتقض باليقين.
و بعبارة واضحة: الناقض عبارة عن الرافع و رتبة الرافع متاخرة عن المرفوع كما ان رتبة الناقض متأخرة عن المنقوض، فلا ينطبق على الاصل القهقري. نعم الاستصحاب القهقري في مورد الشك في المفهوم يجري و يكون من الاصول اللفظية العقلائية و لا يرتبط بالاستصحاب الذي يكون من الاصول العملية فاذا علمنا بأن لفظ الصعيد حقيقة في المعنى الفلاني و لا ندري انه كذلك في زمان المعصوم(عليه السلام)ام لا؟ نحكم بكونه كذلك في ذلك الزمان ببركة استصحاب القهقري و يترتب عليه اثر مهم فلاحظ.
التنبيه الخامس: [في ان كل حكم تابع لموضوعه]
ان كل حكم مجعول من قبل الشارع الأقدس تابع لموضوعه فما دام لا يكون الموضوع متحققا في الخارج لا يتحقق الحكم و لذا نقول كل موضوع نسبته الى حكمه نسبة الشرط الى المشروط و على هذا الاساس نقول جريان الاستصحاب مشروط باليقين و الشك بالفعل و أما مع الغفلة و عدم كونهما بالفعل فلا يجري الاستصحاب.
و بالمناسبة ذكر في المقام فرعان الفرع الاول: انه لو احدث أحد ثم غفل فصلى و بعد الصلاة شك في أنه تطهر ام لا فما حكمه؟
فربما يقال- كما عن الشيخ(قدس سره)-: انه يحكم بصحة صلاته لقاعدة الفراغ، و أما استصحاب الحدث فلا مجال له، أما قبل الصلاة فلأن المفروض كونه غافلا و لا يجري الاستصحاب مع الغفلة، و أما بعد الصلاة فلأن القاعدة مقدمة على الاستصحاب اما بالحكومة أو بالتخصيص.
و اما بالنسبة الى الصلوات الآتية فلا بد من الوضوء لجريان استصحاب الحدث و يمكن ان يقال ان قاعدة الفراغ اما من الامارات أو من الاصول التعبدية.
أما على الاول فيشترط في جريانها احتمال التذكر و الالتفات و لا يكفي في جريانها مجرد احتمال التصادف و الاتفاق كما يفهم من قوله(عليه السلام)«حين يتوضأ اذكر حينما يشك» فلا تجري القاعدة في مفروض الكلام اذ قد فرض كون المكلف كان غافلا عن الوضوء و صلى و بعد عدم جريان القاعدة يجري استصحاب الحدث و يحكم ببطلان الصلاة.
و أما ان قلنا بأن القاعدة تعبدية و اصل عملي يكون مقتضى الصناعة جريانها حتى مع التذكر و جريان استصحاب الحدث قبل الصلاة اذ القاعدة مقدمة على الاستصحاب على الاطلاق بلا فرق بين كون الاستصحاب جاريا قبل الصلاة أو بعدها فلاحظ.
الفرع الثاني: انه لو تيقن بالحدث ثم شك في بقائه و استصحاب الحدث و لكن غفل و صلى ففي الفرض تكون صلاته باطلة، بمقتضى استصحاب الحدث فلا تجري القاعدة.
و أورد عليه سيدنا الاستاد بأنه لا اشكال في بطلان صلاته لكن لا من باب استصحاب الحدث بل من جهة عدم جريان القاعدة فان الشك الذي يكون مورد القاعدة الشك الحادث بعد الصلاة لا الشك الذي كان حادثا قبل الصلاة.
و ان شئت قلت: ان القاعدة انما تجري في مورد احتمال الالتفات و التذكر، و أما مع كون صورة العمل محفوظة فلا تجري القاعدة.
و صفوة القول: ان الوجه في فساد الصلاة عدم جريان القاعدة لا جريان الاستصحاب قبل الصلاة و لو لا هذه الجهة لا يكون جريان
الاستصحاب قبل الصلاة موجبا للبطلان، اذ المفروض انه غفل بعد جريان الاستصحاب. و بمجرد الغفلة يسقط الاستصحاب عن الجريان اذ يتوقف جريانه على اليقين و الشك بالفعل و لا يجري في حال الغفلة فالبطلان و عدمه دائران مدار عدم جريان القاعدة و جريانها.
فمع جريانها تصح الصلاة و مع عدم جريانها تبطل، اذ بمقتضى استصحاب الحدث بعد الصلاة يحكم بكون الصلاة واقعة في حال الحدث فتكون باطلة.
و لا يخفى انّا اخترنا أخيرا جريان القاعدة على الاطلاق و لا يتوقف على احتمال الالتفات و تفصيل الكلام يطلب ممّا ذكرناه في مفاد القاعدة فراجع ما بيناه هناك.
التنبيه السادس: [لو قام امارة على وجوب شيء ثم شك فيه]
انه لو قام الامارة على وجوب شيء مثلا في زمان فهل يجري الاستصحاب في بقاء ذلك الحكم فيما شك في بقائه أم لا؟
ربما يقال بعدم جريان الاستصحاب و ذلك لعدم اليقين بالحكم و لا الشك فيه اذا الشك الموضوع في الاستصحاب، الشك في بقاء ما تعلق به اليقين و في مفروض الكلام لا يقين بشيء فلا شك و هذا ظاهر.
و الحق أن يقال: ان كان المجعول في باب الامارات التعذير و التنجيز- كما عليه صاحب الكفاية- يشكل الجواب عن هذه العويصة فيشكل جريان الاستصحاب. و أما ان قلنا بأن المجعول في باب الامارات الطريقية و الكاشفية فيمكن الالتزام بالجريان.
بأن نقول: ان المستفاد من دليل طريقية الامارة ان مطلوب الشارع ترتيب آثار القطع و اليقين بما هو طريق على الامارة فكأن
الامارة يقين بالواقع، و عليه يشمله دليل حرمة النقض باليقين و هذا ظاهر واضح.
التنبيه السابع: [في الاستصحاب الكلي]
ان المستصحب قد يكون جزئيا و قد يكون كليا، مثلا ربما يترتب حكم على جزئي خارجي كما لو نذر احد انه ما دام يكون ابوه حيا يتصدق عنه في كل يوم فاذا شك في حياة والده يجري استصحاب حياته، و يترتب على الاصل المذكور وجوب التصدق.
و اما اذا كان الاثر مترتبا على الجامع لا على الفرد الخارجي كما انه لو نذر احد انه متى يكون كلي العالم باقيا في البلد الفلاني يقرأ في كل يوم سورة من القرآن الحكيم، فلو شك في بقاء الكلي يجري الاستصحاب فيه.
و ليعلم انه لا يجتمع الاستصحابان، أي الاصل الجاري في الكلي و الاصل الجاري في الفرد فان الاثر لو كان مترتبا على الفرد يجري استصحاب الفرد و لا تصل النوبة الى استصحاب الكلي فان المفروض ان الاثر مترتب على الفرد فلا اثر لاستصحاب الكلي، و اذا كان الاثر مترتبا على الكلي فلا يجرى استصحاب الفرد، اذ المفروض ان الاثر مترتب على الكلي فلا أثر لاحراز الفرد.
ان قلت: اذا احرز الكلي يحرز الفرد فان الكلي وجوده بوجود الفرد، كما ان احراز الفرد احراز للكلي اذ وجود الفرد لا ينفك عن وجود الكلي.
قلت: التلازم عقلي و اثبات احد المتلازمين باثبات ملازمه مرجعه الى التوسل بالمثبت و لا نقول به.
ان قلت: ان الكلي هل يوجد في الخارج أم لا يوجد؟ بل الموجود