الامارة يقين بالواقع، و عليه يشمله دليل حرمة النقض باليقين و هذا ظاهر واضح.
التنبيه السابع: [في الاستصحاب الكلي]
ان المستصحب قد يكون جزئيا و قد يكون كليا، مثلا ربما يترتب حكم على جزئي خارجي كما لو نذر احد انه ما دام يكون ابوه حيا يتصدق عنه في كل يوم فاذا شك في حياة والده يجري استصحاب حياته، و يترتب على الاصل المذكور وجوب التصدق.
و اما اذا كان الاثر مترتبا على الجامع لا على الفرد الخارجي كما انه لو نذر احد انه متى يكون كلي العالم باقيا في البلد الفلاني يقرأ في كل يوم سورة من القرآن الحكيم، فلو شك في بقاء الكلي يجري الاستصحاب فيه.
و ليعلم انه لا يجتمع الاستصحابان، أي الاصل الجاري في الكلي و الاصل الجاري في الفرد فان الاثر لو كان مترتبا على الفرد يجري استصحاب الفرد و لا تصل النوبة الى استصحاب الكلي فان المفروض ان الاثر مترتب على الفرد فلا اثر لاستصحاب الكلي، و اذا كان الاثر مترتبا على الكلي فلا يجرى استصحاب الفرد، اذ المفروض ان الاثر مترتب على الكلي فلا أثر لاحراز الفرد.
ان قلت: اذا احرز الكلي يحرز الفرد فان الكلي وجوده بوجود الفرد، كما ان احراز الفرد احراز للكلي اذ وجود الفرد لا ينفك عن وجود الكلي.
قلت: التلازم عقلي و اثبات احد المتلازمين باثبات ملازمه مرجعه الى التوسل بالمثبت و لا نقول به.
ان قلت: ان الكلي هل يوجد في الخارج أم لا يوجد؟ بل الموجود
في الخارج هو الفرد فكيف يصح التقسيم المذكور فان جريان الاستصحاب في الكلي فرع وجود الكلي فى الخارج و الحال انه محل الكلام.
قلت: البحث الاصولي مبني على الامور العرفية لا على المباني الفلسفية و لا اشكال في أن العرف يرى وجود الكلي في الخارج في ضمن أفراده فلا وجه للتوقف من هذه الناحية فلاحظ.
اذا عرفت ما تقدم نقول: ان اقسام استصحاب الكلي اربعة.
القسم الاول:
أن يعلم بوجود الكلي في ضمن فرد بالخصوص كما لو علم بوجود زيد في الدار فنعلم بوجود الانسان فيها، فاذا شككنا في بقاء زيد في الدار و عدمه يجري استصحاب بقاء الانسان في الدار بلا اشكال، كما انه يجري الاستصحاب في بقاء الشخص لو كان موضوعا للاثر.
القسم الثاني:
ما اذا علمنا بوجود الكلي في الدار فى ضمن فرد مردد بين معلوم الارتفاع و المعلوم بقائه أو المشكوك كذلك. كما لو علم بدخول حيوان مردد بين الفيل و البق في الدار و بعد مضي ساعات نعلم بأن الذي دخل ان كان فيلا يكون باقيا قطعا أو احتمالا و ان كان بقا لا يكون باقيا قطعا و في هذه الصورة يجري الاستصحاب في الكلي.
مثلا لو كان المكلف متطهرا ثم خرجت منه رطوبة مرددة بين البول و المني يعلم بتحقق حدث جامع بين الاصغر و الاكبر، فاذا توضأ يشك في بقاء ذلك الكلي و عدم بقائه يجري الاستصحاب في بقاء ذلك الكلي.
كما انه لو اغتسل اولا يجري استصحاب جامع الحدث اذ على تقدير كون الرطوبة الخارجة منيا لا يرتفع الحدث إلّا بالغسل و على
تقدير كونها بولا لا يرتفع إلّا بالوضوء فلا مجال لأن يقال الأمر دائر بين الفرد الطويل و القصير فانه لا فرق بين البول و المني من هذه الجهة و على كلا التقديرين يجري الاستصحاب بالنسبة الى الجامع.
و في المقام شبهة و هي انه لو شك في بقاء الجامع من جهة الشك في كون الحادث أي الفردين ان كان الحادث المشكوك فيه من الامور التكوينية الخارجية كما لو دار الامر بين كون الداخل في الدار بقا أو فيلا يجري الاستصحاب في الجامع بلا اشكال و لا كلام.
و أما لو كان الفرد المردد بين الامرين من الامور التعبدية الشرعية كالحدث المردد بين الاصغر و الاكبر و امثاله يشكل جريان الاستصحاب في الجامع. مثلا في مورد المثال يشكل جريان استصحاب الحدث لأن المكلف بعد ما توضأ أو بعد الاغتسال يشك في بقاء الحدث فيكون استصحاب الحدث جاريا، لكن يعارضه استصحاب عدم الجعل الزائد أي يشك في ان المولى هل اعتبر الحدث أزيد من هذا المقدار ام لا؟ الاصل عدم الجعل الزائد فيقع التعارض بين بقاء المجعول و عدم الجعل الزائد، و النتيجة ان المكلف لا يمكنه اثبات كونه محدثا بالاستصحاب. فانه يقع التعارض بين الاستصحابين و يتساقطان بالتعارض، و هل يمكن للمكلف أن يحكم على نفسه، بالطهارة أم لا؟
الظاهر انه يشكل اذ يشك في الطهارة و لا طريق لاحرازها إلّا أن يقال: ان المقام بعد التعارض و التساقط يدخل في مورد الجمع بين الوجدان و الاصل بأن يقول المكلف بعد الوضوء أو الغسل ان كان الحدث العارض الحدث الكذائي فقد ارتفع بالغسل أو الوضوء و ان
كان العارض القسم الآخر فهو مشكوك التحقق و الاصل عدم حدوثه من أول الامر.
و هذا نظير ما لو كان الشخص محدثا بالاصغر و خرج منه شيء و احتمل كون الخارج منيا فان المكلف يستصحب عدم جنابته و يقتصر على الوضوء و يصلي مع انه شاك في الطهارة اذ يحتمل كونه جنبا.
ان قلت: القياس مع الفارق اذ في المقام ان المفروض انه علم اجمالا بتحقق حدث في الخارج مردد بين الاصغر و الاكبر و العلم الاجمالي منجز فلا بد من الجمع بين الوضوء و الغسل قضاء للعلم الاجمالي.
قلت: تنجز العلم الاجمالي متقوم بتعارض الاصول في الاطراف و أما مع عدم التعارض فلا يكون العلم منجزا اذ مع عدم التعارض يجري الاصل في أحد الطرفين بلا معارض و المقام كذلك فان المفروض ان المكلف توضأ أو اغتسل و بعد الاتيان بأحد الامرين يجري الاستصحاب في عدم الحدث الآخر و لا يعارضه الاصل الجارى في الطرف الآخر اذ المفروض انه لا مجرى له بعد الاتيان برافعه كما هو المفروض.
و لذا نقول لو علم اجمالا بنجاسة احد الإناءين ثم انعدم احدهما لا مانع من جريان الاصل في الاناء الآخر اذ بقاء لا تعارض و قس عليه جميع الموارد التي من هذا القبيل و يترتب على هذا فوائد كثيرة فلاحظ و اغتنم.
و ربما يقال: انه لا تصل النوبة الى المعارضة كي يسقط استصحاب الكلي بالمعارضة بل استصحاب الكلي لا يجري لكونه محكوما بأصل جار في الرتبة السابقة فلا تصل النوبة اليه.
بيان المدعى: ان الشك في بقاء الكلي مسبّب عن حدوث الفرد
الطويل، مثلا في مثال تردد الامر بين الحدث الاصغر و الاكبر اذا توضأ المكلف يكون شكه في بقاء الحدث مسببا من أن الرطوبة الخارجة مني أم لا؟ و ما دام يكون الاصل جاريا في السبب لا تصل النوبة الى جريانه في المسبب و حيث ان كون الرطوبة مرددة بين المني و البول يكون مقتضى الاصل عدم كونها منيا و ينضم هذا الاصل الى الوجدان فنحكم بعدم كون المكلف محدثا.
و يرد على التقريب المذكور ان مجرد التسبب لا يكون موجبا لتقدم الاصل الجاري في السبب على الاصل المسببي و عدم جريان الاصل في المسبب بل التقدم مشروط بكون التسبب شرعيا و يكون المسبب من الآثار الشرعية للسبب كما لو غسل ثوب نجس بالماء الذي يكون مستصحب الطهارة فان الشك في بقاء نجاسة الثوب بعد الغسل مسبب عن نجاسة الماء و تكون طهارة الثوب من الآثار الشرعية لطهارة الماء المغسول به الثوب فاذا ثبت كون الماء طاهرا يثبت كون الثوب طاهرا فانه من الاحكام المترتبة على طهارة الماء فمع جريان الاستصحاب في الماء و اثبات طهارته لا يبقى مجال لجريان استصحاب النجاسة في الثوب فالنتيجة تقدم الاصل الجاري في السبب على الاصل الجاري في المسبب.
و أما اذا لم يكن التسبب شرعيا بل كان عقليا و الترتب من جهة التلازم العقلي فلا وجه لجريان الاصل في أحد الطرفين دون الآخر، مضافا الى أنه على فرض الجريان يقع التعارض بين الاصلين اذ التلازم من الطرفين بخلاف ما يكون التسبب شرعيا فانه لا مقتضي لجريان الاصل في المسبب مع جريانه في السبب.
توضيح ذلك: ان اركان جريان الاصل في السبب تامة كجريان
الاستصحاب في الماء في المثال الذي ذكرناه و أما جريان الاصل في الثوب اما بلا وجه أو بوجه دائر و كلاهما محال.
بيان ذلك: ان جريان الاستصحاب في الثوب يتوقف على عدم جريانه في الماء اذ مع جريان الاستصحاب في الماء لا يبقى الشك في طهارة الثوب فجريان الاصل في الثوب يتوقف على عدم جريانه في الماء و عدم جريان الاصل في الماء يتوقف على جريانه في الثوب و هذا دور فيلزم ان جريان الاصل في الثوب اما بلا وجه و أما بوجه دوري.
و اما جريان الاصل في الماء فبلا مانع لتمامية اركانه، فتحصل انه لا يمكن منع جريان الاصل في الكلي بهذا التقريب، فان التسبب لا يكون شرعيا بل التسبب عقلي و جريان الاستصحاب في الكلي بلا مانع.
و بعبارة واضحة: ان ترتب عدم جامع الحدث بين الصغير و الكبير على استصحاب عدم الجنابة لا يكون شرعيا بل يكون عقليا فلا يتم المدعى على التقريب المذكور.
و أما على ما ذكرنا فلا يتوجه اشكال ظاهرا، اذ قلنا ان استصحاب الجامع معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد، فالنتيجة عدم جريان استصحاب الجامع فالترديد من حيث دوران الامر بين كون الرطوبة بولا أو منيا.
فنقول اذا كانت بولا فارتفعت قطعا و أما احتمال كونها منيا فهو مرتفع باستصحاب عدم تحقق الجنابة.
و بعبارة اخرى: نقول أما الحدث البولي فغير باق قطعا و أما الحدث الاكبر فهو منفي بالاصل.
لكن في المقام اشكال و هو انّه لو تردد الامر بين البول و المني
يتشكل علم اجمالي آخر و هو انّه لو كانت الرطوبة منيا يجب الاغتسال و ان كانت بولا يجب غسل المحل مرتين، فلا مجال لجريان اصالة عدم كونها منيا فعلى القول بتنجز العلم الاجمالي لا بد من الجمع بين الاغتسال من النجابة الاحتمالية و غسل المحل مرتين من النجاسة البولية الاحتمالية أيضا.
ثم انه على تقدير جريان الاستصحاب في الكلي من ناحية و عدم تنجس الملاقي لبعض أطراف الشبهة المحصورة كما هو المشهور عندهم من ناحية اخرى تتوجه شبهة سميت بالشبهة العبائية أوردها المرحوم السيد اسماعيل الصدر.
و هي انه لو فرضنا انه تنجس احد طرفي العباء ثم غسلنا الطرف العالي منه و بعد الغسل لاقت يد احد كلا طرفي العباء يلزم أحد الامرين على نحو مانعة الخلو: احدهما عدم جريان الاستصحاب في الكلي.
ثانيهما: تنجس الملاقي لبعض الاطراف. و بعبارة اخرى: اذا جرى استصحاب كلي النجاسة في العباء يلزم الحكم بنجاسة الملاقي فيلزم رفع اليد عن تلك القاعدة و اذا لم نلتزم بالنجاسة يلزم عدم جريان الاستصحاب في الكلي.
و الجواب عن هذه الشبهة ان الحكم بطهارة الملاقى اما لاجل جريان استصحاب الطهارة في الملاقي بالكسر و أما لاستصحاب طهارة الملاقى بالفتح و شيء منهما لا مجال له في المثال المفروض لان استصحاب نجاسة الخيط النجس في العباء جار و الملاقاة محرزة فلا تصل النوبة الى جريان استصحاب الطهارة في اليد.
و بعبارة اخرى: الملاقاة وجدانية و الملاقى بالفتح نجس بالاستصحاب فلا تصل النوبة الى جريان الاستصحاب في اليد.
و ببيان واضح: التقريب الذي يقتضي طهارة الملاقي بالكسر لا يجري في مورد الكلام فلا تغفل.
و يختلج ببالي القاصر أن يقال انّه لا مانع عن جريان استصحاب الطهارة في اليد، اذ ملاقاة اليد مع الخيط النجس في العباء غير معلومة لا بالوجدان و لا بالاصل. اما بالوجدان فظاهر لانّه يحتمل صيرورة الخيط النجس طاهرا بغسل النصف من العباء، و أما بالتعبد فلأنّ استصحاب كلي النجاسة لا يثبت نجاسة الشخص الخارجي الا بالتقريب الاثباتي، و المقام نظير استصحاب بقاء الكرّ في الحوض.
فكما انّ استصحاب بقاء الكر في الحوض لا يثبت كون الماء الموجود فيه كرّا الا على القول بالمثبت كذلك استصحاب نجاسة الخيط النجس لا يثبت انّ الملاقي مع اليد نجس الا على نحو الاثبات.
و بعبارة واضحة تارة نعلم بنجاسة قطعة خاصة من العباء و لاقت اليد تلك القطعة بالخصوص فلا اشكال في نجاسة اليد بملاقاة تلك القطعة، لكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام و انما الكلام فيما علم اجمالا بنجاسة قطعة من قطعات العباء و في هذه الصورة اذا طهّر احد طرفي العباء و لاقت اليد مع جميع القطعات العبائية لا يحصل العلم بملاقاة اليد مع القطعة النجسة لا بالوجدان و لا بالتعبّد كما قرّرنا.
هذا كلّه على مبنى المشهور من عدم جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي مطلقا.
و أما على المسلك المنصور من اختصاص عدم الجريان بصورة تعارض الاصول في الاطراف و أما مع عدم التعارض فلا مانع عن