بحث يقع نتيجة ذلك البحث في طريق استنباط الحكم الفرعي الالهي و أما القاعدة التي تكون متعرضة لنفس الحكم الشرعي كقاعدة الطهارة و الحل و أمثالهما فلا يكون البحث فيها بحثا اصوليا و لذا قد تقدم منا ان البحث في اصالة البراءة لا يكون اصوليا و الاستصحاب كذلك فانه لا فرق بين الاستصحاب و البراءة فان البراءة متعرضة لعدم الوجوب و الحرمة و قاعدة الحل متعرضة للحلية و الاستصحاب متعرض لبقاء الوجوب أو بقاء الحرمة و هكذا.
نعم يمكن أن يقال: ان استصحاب الحجية أو عدمه يترتب عليه اثر فقهي و بعبارة اخرى: استصحاب الحجية أو عدمه كالبحث في كون الخبر الواحد حجة أم لا فكما ان البحث في اعتبار الخبر بحثا اصوليا كذلك البحث عن بقائه اصوليا.
و بعبارة اخرى: لا فرق بين البحث عن اصل الحدوث و بين البحث عن بقائه بعد حدوثه كما انه يترتب على استصحاب عدم الحجية اثر فقهي.
هذا كله لو قلنا: الاستصحاب عبارة عن حكم الشارع ببقاء الحكم أو الموضوع، و أما لو قلنا ان المستفاد من دليل الاستصحاب كون اليقين السابق و الشك اللاحق امارة على تحقق متعلق اليقين فيكون بحث الاستصحاب كبحث حجية الخبر الواحد فلاحظ.
الجهة الثالثة: [قاعدة المقتضى و المانع]
في بيان الفرق بين قاعدة المقتضي و المانع و قاعدة اليقين و الاستصحاب فنقول: تارة يتعلق اليقين بما يقتضي وجود أمر كما لو تعلق اليقين بوجود النار و شك في وجود الرطوبة المانعة عن احراقها فهل القاعدة تقتضي الحكم بتحقق الاحراق بأن يقال:
المفروض تحقق المقتضي له و هو وجود النار و الرطوبة المانعة عنه مشكوك فيها و محكومة بالعدم فالاحراق محقق، و هذه القاعدة تسمي بقاعدة المقتضي و المانع.
و لا بد أن يقع البحث فيها و انه هل يكون دليل على تماميتها أم لا؟ ففي هذه القاعدة متعلق اليقين أمر و متعلق الشك أمر آخر، و اخرى يتعلق اليقين بأمر كما لو تعلق بعدالة زيد يوم الجمعة في يوم السبت أي يكون ظرف اليقين بالعدالة يوم السبت و في يوم الأحد يشك في عدالته على نحو الشك الساري أي يكون عدالته في يوم الجمعة متعلقة لليقين و الشك كليهما غاية الأمر زمان اليقين بالعدالة مغاير مع زمان الشك فيها.
و بعبارة اخرى: يكون أمر واحد متعلقا للشك و اليقين و الشك يكون ساريا و تسمى هذه القاعدة بقاعدة اليقين و لا بد من البحث في أنه هل يكون دليل على تمامية هذه القاعدة ام لا؟
و ثالثة يتعلق اليقين بشيء كما لو تعلق اليقين بعدالة زيد و يشك في بقائها و يسمى بالشك الطاري فلو تعلق اليقين بأن زيدا كان عادلا يوم الجمعة و شك في بقاء عدالته الى يوم السبت فلو استصحب عدالته الى يوم السبت و حكم ببقائها يسمى هذا الابقاء بالاستصحاب المشهور عند القوم.
هذا فيما لو شك في بقاء ما تعلق به اليقين و أما لو شك في ثبوت ما تعلق به قبل ذلك كما لو علم بأن لفظ الغناء مثلا موضوع في زماننا في معنى فلاني و شك في أنه هل كان كذلك فى عصر الائمة(عليهم السلام)أم لا، يكون جره الى ذلك الزمان استصحابا قهقريا و هذا خارج عن الاستصحاب الذي محل الكلام فان الاستصحاب القهقري من الاصول اللفظية التي عليها بناء العقلاء و لو لا هذا
الاصل اللفظي لانسد باب استنباط الأحكام الشرعية في كثير من الموارد.
و على الجملة الاستصحاب القهقري لا اشكال في اعتباره.
الجهة الرابعة: [تقسيم الاستصحاب الى جهات]
في تقسيم الاستصحاب من جهات مختلفة و انحاء متعددة فان المستصحب قد يكون حكما شرعيا و اخرى يكون أمرا خارجيا و على الاول قد يكون حكما كليا و اخرى يكون جزئيا و ايضا قد يكون وضعيّاً و اخرى يكون تكليفيا و منشأ اليقين قد يكون هو العقل و قد يكون غيره من الكتاب أو السنة أو الرواية و السماع.
و ايضا يقسم من حيث منشأ الشك فانه قد يكون الشك ناشيا عن احتمال انقضاء المقتضي للبقاء و يسمى بالشك في المقتضي و قد يكون الشك في البقاء ناشيا عن احتمال وجود الرافع و يسمّى بالشك في الرافع.
و قد وقع الكلام بين القوم فلعلّ بعضهم ذهب الى القول بالحجية على الاطلاق و بعضهم الى عدمه كذلك و فصّل الفرقة الثالثة.
و العمدة النظر في الادلة التي يمكن قيامها لاثبات حجية الاستصحاب و استفادة المقصود منها.
فنقول:
قد استدل على اعتبار الاستصحاب بوجوه:
الوجه الاول: [السيرة الجارية بين العقلاء]
السيرة الجارية بين العقلاء على العمل بالمعلوم السابق ما دام لم يقم على عدمه دليل بل ربما يقال، بأن الحيوان مجبول على العمل على طبق الحالة السابقة و لذا يرجع الطائر بعد طيرانه الى قفصه أو الى عشه و هكذا بقية أنواع الحيوانات.
و يقع الكلام تارة في تحقق السيرة و عدمه و اخرى في أنه على فرض تحققها تكون حجة أم لا.
فيقع الكلام في موضعين: أما الموضع الاول فنقول: الظاهر انه لا سيرة على العمل على طبق الحالة السابقة و بعبارة اخرى: مجرد كون شيء سابقا متعلقا لليقين لا يقتضي عند العقلاء العمل به الى أن يحصل اليقين بخلافه، فان العمل على طبق الحالة السابقة على أقسام:
فانه تارة يكون ناشيا عن العلم بالبقاء، أو الاطمينان به و هو كثير مثلا الطالب في كل يوم يروح الى المدرسة الفلانية أو الكلية الفلانية حيث يطمئن ببقاء المكان المعد للدراسة على حاله و عدم خرابه و تغيره.
و اخرى يكون العمل على طبق الحالة السابقة من باب الاحتياط و الاخذ بالحائطة كمن يرسل في كل شهر أو كل سنة مقدارا من المال الى ولده الساكن في البلدة الكذائية لرفع حوائجه و اصلاح اموره حتى مع احتمال عدمه لموته أو انتقاله الى مكان آخر، و ثالثة يكون العمل على طبق الحالة السابقة لأجل الغفلة و عدم الالتفات الى امكان زوال تلك الحالة.
و ان شئت فقل: يكون القسم المذكور عملا على طبق العادة و لا يبعد أن يكون عمل الحيوان على طبق الحالة السابقة ناشيا عن العادة.
و الذي يدل على عدم السيرة: ان اعتبار الاستصحاب وقع محل الكلام بين القوم و انه معتبر أم لا و اذا كانت السيرة قائمة عليه لم يكن مجال للبحث.
و ايضا يدل على عدمها انه لو كانت لكنا نعمل به فانا من العقلاء
و بعبارة اخرى: السيرة ناشية عن سبب عقلائى و لا نجد في
أنفسنا سببا للعمل على طبق الحالة السابقة.
و عن الميرزا النائيني(قدس سره)ان السيرة العقلائية بالهام من اللّه تعالى لحفظ النظام.
و يرد عليه اولا: ان المنكرين للاستصحاب لم يختل نظامهم.
و ثانيا: ان الالهام المذكور ان كان موجودا فلا جرم يكون كل انسان ملهما بهذا الالهام و نحن لا نجد الالهام المذكور و على تقدير الالهام المذكور لم يكن مجال للقيل و القال فان الامور الارتكازية وجدانية لكل احد فالنتيجة انه لا سيرة هذا تمام الكلام في الموضع الاول.
و اما الموضع الثاني: فعن صاحب الكفاية انها مردوعة بالدليل الناهي عن العمل بغير العلم.
و يرد عليه اولا: انه لو كان الدليل الدال على النهي عن العمل بغير العلم قابلا للمنع عن العمل بالسيرة فلا بد من كونه رادعا و مانعا عن العمل بالسيرة في بقية الموارد كالعمل بالظواهر مثلا و الحال انه بنفسه لا يلتزم بهذا اللازم.
و ثانيا: ان الشارع الأقدس لم يجعل لنفسه طريقا خاصا لفهم المرادات في المحاورات الجارية بين ابناء المحاورة و المفروض ان السيرة العقلائية جارية على العمل على طبق الحالة السابقة كما ان سيرتهم جارية على العمل بالظواهر.
و بعبارة اخرى: لا فرق بين الموردين فلا وجه للتفريق.
و ثالثا: ان الشارع لو كان رادعا عن السيرة لم يكن أمرا مجهولا بل كان ظاهرا. و بعبارة اخرى: لو كان لبان.
الوجه الثاني: [المعلوم سابقا مشكوكا فيه لا حقا يقتضي الظن ببقائه]
ان كون شيء معلوما سابقا و مشكوكا فيه لا حقا يقتضي الظن ببقائه و كلما يكون كذلك يجب العمل به.
و يرد عليه اولا و ثانيا، أما اولا، فلعدم الاقتضاء المذكور
و مجرد كون شيء معلوما سابقا و كونه مشكوكا فيه لا حقا لا يقتضي الظن بالبقاء لا شخصا و لا نوعا.
و أما ثانيا فلا دليل على اعتبار الظن المذكور بل الدليل قائم على عدم اعتباره فان الظن لا يغني عن الحق شيئا و نفس الشك في اعتبار أمر يساوق القطع بعدم اعتباره. و السّر فيه ان الحجة ما يكون قابلا لأن يحتجّ به و ما يكون مشكوك الاعتبار لا يكون قابلا للاحتجاج به مضافا الى أن مقتضى الاصل عدم اعتباره.
الوجه الثالث: الاجماع،
و فيه اولا: ان اعتبار الاستصحاب محل الكلام و الاشكال فلا اجماع.
و ثانيا ان القائلين باعتباره مستندون الى الوجوه المذكورة في المقام فلا يكون اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم(عليه السلام).
* الوجه الرابع: [الأخبار و النصوص]
الأخبار و النصوص الواردة في المقام و من تلك النصوص ما رواه زرارة
[الحديث الأولى لزرارة]
قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فاذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء قلت: فان حرّك الى جنبه شيء و لم يعلم به؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و انما ينقضه بيقين آخر[1].
[الكلام فيها من حيث السند]
و هذه الرواية يقع الكلام فيها تارة من حيث السند، و اخرى من حيث الدلالة. أما من حيث السند فربما يقال انها مضمرة و لا دليل على كون المسئول المعصوم(عليه السلام)بل يحتمل ان السؤال غير
[1]الوسائل الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 1.
متوجه الى المعصوم، و اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
و قد اجيب عن الاشكال المذكور بأجوبة: الجواب الاول: ان ذكر الرواية في كتب الحديث و اثبات الحسين بن سعيد و حريز و حماد لها في اصولهم شاهد على كون الرواية مروية عن المعصوم و إلّا فلا مقتضي لاثباتها في الكتب و الاصول كما هو ظاهر.
و يرد على هذا الوجه ان اثبات هؤلاء الرواية في كتبهم و اصولهم يمكن أن يكون الوجه فيه انهم يرون زرارة اجل شأنا من أن ينقل الحديث عن غير المعصوم فلا يكون الاثبات في الاصول و الكتب شهادة على أن الضمير يرجع الى المعصوم.
الجواب الثاني: ان الرواية و ان كانت مضمرة في التهذيب إلّا انها مسندة الى الباقر(عليه السلام)في جملة من كتب الاصحاب الاجلة كالقوانين و الفصول و محكي فوائد العلامة الطباطبائي و فوائد الوحيد البهبهاني و مفاتيح الاصول و الوافية و الفاضل النراقي و حيث يحتمل عثورهم على الاصل الذي ذكر فيه المسئول بعنوان المعصوم يحمل شهادتهم على الحس و يكون معتبرا و لولاه لم يكن وجه لذكر خصوص الباقر(عليه السلام)فانه كيف يمكن ان هؤلاء الاعلام الاتقياء ينقلون الحديث بالنحو المذكور مع عدم اطلاعهم على الأمر و عدم عثورهم على المدرك.
الجواب الثالث: ان الاضمار انما يضر اذا كان الخبر خبرا واحد و أما اذا كان متواترا معنويا أو اجماليا فلا يضر الاضمار في اعتباره و نقل عن الضوابط و المفاتيح كون أخبار الاستصحاب متواترة.
و يرد على هذا الوجه ان التواتر لا يتحقق بهذا المقدار مضافا
الى أنا لم نفهم انه كيف لا يضر الاضمار في صورة التواتر، فلاحظ.
الجواب الرابع: ان زرارة أجل شأنا من أن يسأل غير المعصوم مع نقل الخصوصيات و الاهتمام بها.
و ان شئت قلت: ان زرارة مشار اليه بالبنان و بأنه باب الاحكام و واسطة في ايصالها عن المعصوم الى الناس و انما يعتبر نقله لأنه ناقل عن مخزن الوحي و مع هذه الخصوصية يكون عدم الاشعار بأن المسئول غير المعصوم خيانة في النقل و هل يمكن ان زرارة يخون فان خيانته تسقط اعتبار نقله و تكون النتيجة عدم اعتبار الرواية، فتحصل ان الرواية تامة سندا.
[الكلام فيها من حيث الدلالة]
و أما من حيث الدلالة فنقول قد سئل الراوي سؤالين السؤال الاول: عن أنّ الخفقة و الخفقتين هل توجب الوضوء و هذا سؤال عن الشبهة الحكمية حيث انه يمكن ان المقرر في الشريعة المقدسة كون الخفقة من النواقض و أجابه(عليه السلام)بأن الناقض نوم القلب و هذا السؤال و الجواب لا يرتبطان بما نحن بصدده أي لا يرتبطان بالاستصحاب.
السؤال الثاني عن الشبهة الموضوعية فانه بعد ما علم بأن الناقض للوضوء نوم القلب بالاضافة الى نوم العين و الاذن يسأله عن مورد الشك في تحقق الناقض فأجابه(عليه السلام)بعدم انتقاض الوضوء بالشك في الناقض بل يتوقف الانتقاض بحصول العلم و اليقين بتحقق الناقض و هذا عبارة عن الاستصحاب الذي نحن بصدده.
و بعبارة اخرى: لا اشكال في أن السؤال الثاني للراوي عن الشبهة الموضوعية فانه يستفاد من السؤال انه بعد ما علم ان الناقض النوم الكامل الشامل للقلب قام في مقام السؤال عن الشك في تحقق النوم