الإقبال ، " فنسوا خطا مما قد ذكروا به " ، وانشغل الأكثرون منهم بالعروض من متاع ومال وجاه حتى لكأنهم آثروا العيش على مظاهر الدين دون اللباب ، وعلى المقولات دون المعقولات . . واستفاض بهم هذا الانشغال الاستفاضة التي تنذر بجاهلية جديدة توشك أن تستأثر الجميع . . وظن ومن يظنون أن دور الإمام ، في تلك الفترة القصيرة التي تولى فيها السلطان - كان مجرد العناية - بتذكير الأمة بأوامر الله ونواهيه ، أو الاقتصار على الكشف لها عن أسرار القرآن وخفاياه ، إنما هو محض خيال . .
ذلك لأن الثابت قطعا أنه أخرج للناس سياسة عامة للإصلاح وإعادة بناء الإنسان ، لا تأخذه بالقسور ، بل تقوم - قبل أي شئ وكل شئ على جوهر الدين . .
رسم فيها خطة شاملة لشؤون الداخل والخارج ولاءا بها بين الصالح العام ونفع الأفراد . تحسن السير بالأمور كما تحسن قيادة الناس . مطوعا إياها لمقابلة كافة الاحتمالات في تطورات الأحداث ، وتغيرات الظروف ، وانطلاقه الزمن بالحكمة ، وسعة الأفق ، ودقة التفكير ، وأحكام التقدير مع مرونة المداولة بين مختلف أساليب المجابهة الكفيلة بكبح شرة الأزمات ، وتفاقم الأخطار ، وانحرافات الأنفس ثم يلقاها بأنسب الحلول . .
( 4 ) ونكاد نجمل هذه السياسة الشاملة في عبارة قصيرة للإمام يقول :
" الناس إما أخ في الدين أو نظير في الخلق " فشعاره إذا هو " مساواة "
مساواة بين جميع الناس وإن تباينوا في الأديان واختلفوا في العناصر والألوان .
مساواة ميسرة لا تشق على إنسان ، معلومة لا تغمض على إنسان .
قاصدة بغير تقصير . سمحة بغير مغالاة . نسبية بغير إطلاق . تعيش في الممكن المتاح وأكد هذا مرة من ومرات ، فكان مما قاله في هذا المجال :
" إنما أنتم إخوان على دين الله ، ما فرق بينكم إلا خبث السرائر . . " ودين الله هو الإسلام . فالإسلام هو الرسالة الإلهية الوحيدة التي بعث الله بها رسله إلى أقوامهم على فترات ، ثم كانت للناس كافة ببعثة محمد خاتم الرسل والأنبياء .
( 5 ) وليست المساواة شعارا يرفع ، ولا كلمة تقال ، بل هي جهد يبذل ، وعمل يعمل ، ومفهوم يطبق في المجتمع تطبيقا جادا بلا مفاوتة بين إنسان وإنسان ، وبلا ترخص لإنسان دون إنسان . .
وإذا كان ثمة من الناس من يمقتك فأحرى بمن يقول بها أن يلتزمها ليتبعه على نهجها كل من عداه ، ولتكون هي السلوك العام . .
وقد صارح الإمام أمته ، منذ ولي الأمر ، وبأنه هو قائد سيرتهم على هذا الطريق . .
ففي يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة عام ولايته ، على قول . .
أو في الخامس والعشرين من نفس الشهر من السنة الخامسة والثلاثين
للهجرة ، الموافق الثالث والعشرين من شهر يونيو سنة ستة وخمسين وستمائة للميلاد . . وقف بعد أن تمت له البيعة ، يعين المسلمين :
" إنما أنا رجل منكم . . لي ما لكم . . وعلي ما عليكم . . " فلا تفرقة . . لا امتياز له على غيره من الناس . .
ولا شك في أنه حين قال قولته هذه لم يأت بجديد . فكلمته هي كلمة الإسلام ، ورأيه هو رأي الإسلام . . ودين الله الذي ختم الأديان كان ، كما يقضي بوحدة الربوبية الآلهية ، يقضي أيضا بوحدة العبودية البشرية ، لأن الإسلام دين الفطرة التي فطر الله عليها الناس أجمعين ، قبل أن تفسدهم الانحرافات المتسربة إلى النفوس والعقول من خلال طوارئ المعتقدات ، والأفكار ، وتحكم العادات والتقاليد ، وفوارق العنصريات والأجناس ، وتباعد حدود الزمان والمكان . . إنه يعيدهم سيرتهم الأولى ، على سجيتهم النقية كبدء نشأتهم ، مطهرين من الأدران ، خالصين من الشوائب ، كأنهم يلدهم من جديد . .
هو بهذا يسوى بينهم كافة لأن الفطرة هي العامل الوحيد الذي يشتركون فيه فأساس المقارنة بينهم - على هذا الوضع - ثابت غير قابل للتغير ، أو مساواة كاملة ، لا سبيل معها إلى المفاضلة والترجيح .
فإذا هم تفاوتوا من بعد ، فبمعايير غير هذا المعيار . .
هذه حقيقة عصية على الانكار ، بعيدة بعدا مطلقا عن المماراة . . ليس أدل عليها من نأى الإسلام - في دعوته - عن التمحيص ، بالاتجاه إلى التعميم . .
فالقرآن الكريم كما تؤكد آياته ، حين يدعو دعوته الإيمانية لا يخاطب إلا " الناس " أو " بني آدم " أو " الإنسان " أو " عباد الله "
لا يختص بها جنسا ، ولا عنصرا ، ولا قوما ، ولا لونا ، ولا طائفة ، ولا مجتمعا من المجتمعات بالخطاب . .
( 6 ) واستقامة السلوك العام في الأمة رهن باستقامة السلوك الخاص لأولئك الذين بيدهم مقادر الأمور ومن ثم فقد حرص أمير المؤمنين على أن تظل عينه على تصرفات عماله ورجاله الأدنين الذين يتقدمون الصفوف ، خشية أن يميلوا عن " المساواة " استجابة لضغوط بيئية ، أو نتيجة هوى أو ضعف أو عصبية . .
ذلك لأنهم بأوضاعهم تلك هم المؤدبون والمهذبون . ولأنهم أيضا القدوة التي يحتذيها الجمهور . .
لذلك يأمر الإمام كل عامل من عماله أن يرعي المساواة إنصاف لله كما هي إنصاف للناس ، فيقول :
" ألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد ، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حينما وقع . . " ويقول :
" أنصف الله ، وأنصف الناس من نفسك وخاصة أهلك ومن لك هوى فيه من رعيتك . فإنك إلا تفعل تظلم ! . . " ثم يؤكد وجوب المساواة بين الحاكم والمحكوم فيقول :
" إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة . .
وهو يعلم علم يقين وكما تشير الأمثال في مختلف العصور ، أن الثناء إغراء وأن بطانة الحاكم ومشيريه أقوى عليه تأثيرا ، وأدنى إليه حظوة ، وأعلم بما يكرهه وبما يرضيه فلا عجب إن استطاعوا - بالملق أو طيب الثناء - أن يقودوه كيف يشاءون . .
لذلك حذر عماله مغبة هذا الانقياد ، وأمرهم أن يدقق كل في اختيار المشيرين والأعوان :
يقول :
" استعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة . ورضهم على ألا يطروك ، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو ، وتدنى من الغرة . . وليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق . . " ( 7 ) ويطول بي الحديث لو استطردت إلى ما تفصح عنه سيرة أمير المؤمنين من سياسة جهد بها لترويض الناس ، وتطويع الأحداث . . يطول بي إلى مدى ما له حدود أو هو جد بعيد .
فلعل الأخ الأستاذ الدكتور نوري جعفر يغفر لي هذا التقصير .
إن بيدي الآن كتابه الجليل : " فلسفة الحكم عند الإمام " الذي أودعه خلاصة قيمة لهذه الفلسفة التي بزت غيرها من فلسفات ، وسبقت بمبادئها القويمة كل ما ارتآه الأقدمون والمعاصرون . .
وإذا كان الصديق الفاضل السيد مرتضى الرضوي قد شاء لي أن أدبج كلمة تتصدر الكتاب ، فالكتاب ، في رأيي غني عن التصدير والتقديم بمادته وبجهد مؤلفه ، وقدرته الفائقة على الغوص في السيرة العلوية لالتقاط الدرر ، باستخلاصها من الأصداف .
على أن يروق لي أن أختم هذه السطور بعبارة موجزة جرت على لسان أمير المؤمنين فإذا هي تتحدى بمضمونها كل ما استنبط الفلاسفة وذوو الآراء من مبادئ لإصلاح حال الشعوب ، ومداواة ما تعوزه الطبقية من عدالات .
قال الإمام :
" لكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه " فهل بغير صلاح الرعية يصلح الولاة ؟ . .
لقد تصارع الناس . وتصارعت الطبقات . وجاءنا صانعوا الفلسفات من أقدم العصور بألوان من المبادئ تحاول الاصلاح وإفادة السلام الاجتماعي على المواطنين ، فلم تبلغ أحدث مبادئهم ، ولا أكثرها " تقدمية " كما تقول لغة عصرنا الحديث - شأو كلمة الإمام . ولا احتوت مثل ما احتوت عبارته من مضمون .
الإسكندرية 14 سبتمبر سنة 1978 م عبد الفتاح عبد المقصود
مع رجال الفكر في القاهرة ( 2 ) بسم الله الرحمن الرحيم أراني ، وأنا أمر بلمح الذهن بعد رأي العين ، على صفحات هذا الكتاب : " مع رجال الفكر في القاهرة " إنما أمر على " ألبوم " يضم بين غلافيه مجموعة صور لطائفة غير قليلة من حملة الأقلام الأعلام الذين لهم فضل غير منكور في بناء النهضة الفكرية التي تلألأت بأرض مصر طوال ما انقضى من سني هذا القرن العشرين ، وأشعت بعض نورها على ما حولها من ديار وأقطار . . . فما يغيب عن بال منصف أن أي كاتب منهم إنما أضاف سطرا أو عبارة إلى موسوعة المعارف الإنسانية التي تهم هذا الشطر الشرقي من العالم وتشوقه . . أو وضع لبنة في بنائنا الثقافي ترتفع فترا ، أو شبرا ، وربما قامة بصرحنا الحضاري العربي الذي كان - من مئات السنين - منارة تنير طريق البشرية ، نأمل اليوم ونعمل على أن تغدو كسابق عهدنا ، هادية شماء ، تكسف إشراقة النهار ، وتطاول رفعة السماء ! . .
على امتداد مسيرة العقل الإنساني الخلاق ، وفي مختلف اتجاهات نشاطه يطوف واضع الكتاب : صديقنا " المرتضى " فوق صفحاته طوفا سريعا بقارئه في صحة كتاب أعلام قد تناولوا بأقلامهم ألوانا شتى من خطوات الفكر وسبحاته : عرضا وسردا ، أو وزنا ونقدا ، أو بحثا ودراسة . . .
فكيف تمضي بنا هذه الرحلة ، وإلى أين تقود ؟ . .
إنه لحدس صواب ، أو حدس توفيق ، كما أشتهي وأرجو ، أن أتلفت ويتلفت معي كل من يطالع الكتاب ، فإذا مجال " المطاف " - من أية زاوية تلقته العين - محمود مشكور . . . وإذا جهد " المطوف " - بأي مقياس قاسه الفهم - محمود مشكور . .
اشتهاء ورجاء ! . .
نعم ! . . .
ولكنه الاشتهاء الذي لا يغوص بالأمنية في أغوار المحال ، والرجاء الذي لا يسدر براجيه في غلواء الخيال . . ولست أعني بما أسلفت إشادة بالكتاب ، ولا إعلاء بشأن واضعه إذ الإشادة صدى لتقدير القارئ وحده وإنه لتقدير - في اعتقادي - وارد لا خلاف فيه . والإعلاء تكريم للمؤلف يغنيه عنه جزاء ما عرف من حسن بلائه فيما نشر له من قبل ، وما قد أخذ نفسه بنشره على أبناء العربية من ذخائر فكرية بعضها بقلمه وبعضها بأقلام سواه من المؤلفين بلسانها المبين . . إنما أحببت ، في حقيقة الأمر ، أن أشير بحركة مومئة ، إلى الكتاب المعروض الآن على القراء قد جاءنا بنحو فريد المثال من كتب السير والتراجم لم يتكلف فيه صاحبنا " مرتضى " تقديم عرض فني كامل لحياة بعض " رجال الفكر في القاهرة " يتناول مراحلهم العمرية بالتقصي والتفصيل أو يحاول التصدي لأعمالهم الفكرية بالدراسة والتحليل . . . بل هو أقرب إلى أن يكون مجموعة من خطوط ونقاط قلمية خفيفة : لينة كبسمة حانية ، رقيقة كنسمة وانية . . لكأن أولاها أسلاك صلب مغزول تمتد وحداته وتنتشر ، ثم تستقيم ، ثم تلتحم في هيئة قوائم ودعائم رأسية وأفقية فتكون ما يشبه الأطر . وكأن ثانيتها نثار تبر مبدور