بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 112


إنه لحدس صواب ، أو حدس توفيق ، كما أشتهي وأرجو ، أن أتلفت ويتلفت معي كل من يطالع الكتاب ، فإذا مجال " المطاف " - من أية زاوية تلقته العين - محمود مشكور . . . وإذا جهد " المطوف " - بأي مقياس قاسه الفهم - محمود مشكور . .
اشتهاء ورجاء ! . .
نعم ! . . .
ولكنه الاشتهاء الذي لا يغوص بالأمنية في أغوار المحال ، والرجاء الذي لا يسدر براجيه في غلواء الخيال . . ولست أعني بما أسلفت إشادة بالكتاب ، ولا إعلاء بشأن واضعه إذ الإشادة صدى لتقدير القارئ وحده وإنه لتقدير - في اعتقادي - وارد لا خلاف فيه . والإعلاء تكريم للمؤلف يغنيه عنه جزاء ما عرف من حسن بلائه فيما نشر له من قبل ، وما قد أخذ نفسه بنشره على أبناء العربية من ذخائر فكرية بعضها بقلمه وبعضها بأقلام سواه من المؤلفين بلسانها المبين . . إنما أحببت ، في حقيقة الأمر ، أن أشير بحركة مومئة ، إلى الكتاب المعروض الآن على القراء قد جاءنا بنحو فريد المثال من كتب السير والتراجم لم يتكلف فيه صاحبنا " مرتضى " تقديم عرض فني كامل لحياة بعض " رجال الفكر في القاهرة " يتناول مراحلهم العمرية بالتقصي والتفصيل أو يحاول التصدي لأعمالهم الفكرية بالدراسة والتحليل . . . بل هو أقرب إلى أن يكون مجموعة من خطوط ونقاط قلمية خفيفة : لينة كبسمة حانية ، رقيقة كنسمة وانية . . لكأن أولاها أسلاك صلب مغزول تمتد وحداته وتنتشر ، ثم تستقيم ، ثم تلتحم في هيئة قوائم ودعائم رأسية وأفقية فتكون ما يشبه الأطر . وكأن ثانيتها نثار تبر مبدور


صفحه 113


تتدانى ذراته وتقترب ، ثم تلتئم ، ثم تنتظم في هيئة فرائد فقلائد ، مكونة أجساما شتى لونية أشبه بصور ! . .
على السجية الطليقة الرخية يمشي بنا واضع كتابنا هذا فوق الصفحات ، فإذا هو ، في سهولة ويسر ، ينقل لنا - كما أسلفت القول - صورا في أطر . . الأطر : حياة أرباب الفكر ، والصور كنه الأفكار . . فما أن تلتقي بما يقدم حتى ترى كل منها صورة في إطار ، لا مجلوة الجلاء كله ، ولا مطموسة الطموس كله ، وإنما تحتوي من الأضواء والظلال ما يوشك أن يضع الأعمال الفكرية لهؤلاء الأعلام على نحو يسعها معه التعبير عن محتوياتها ومضامينها بالإيماء والتلميح ، إن يكن فاته التفسير بالمجاهرة والتصريح .
ولا إخالني أغالي لو أنني قلت إن المؤلف قد اختار لنفسه ، بهذا الإيجاز الطريق الأصعب ، إذ نراه يؤثر الكلمة على العبارة ، والسطر على الصحيفة ، ولو استطاع فربما لجأ في تعبيره إلى الرمز دون الإفصاح متبعا مثل أسلوب الاختزال ! . .
والحق معه ! . .
فلقد شاء أن يجمع لقرائه أكبر قدر مما يعلم في أصغر حيز مما يكتب ! . .
إنه يعرف لهم بضعة وثلاثين علما من أعلام الفكر في صفحات معدودات يسهل عليه - لو شاء أن يفردها لواحد منهم . .
وهو يتخلل أذهان أعلامنا هؤلاء ليستخلص منها من ثمرات عقولهم ما قد يشبع بعض نهم المنهومين بالمعرفة واستقصاء الآراء . .
وهو يجري في معالجة هذا الأمر على طريقة من المناقشة الميسرة بينه


صفحه 114


وبين من أسكنهم بين غلافي كتابه ، فإذا الحوار سهل هين ، وإذا الحديث رقيق لين ، وإذا المعاني لا تشق على قارئ متخصص ولا على قارئ يتخطف الكلمات تخطفا ويعبر السطور عبور من يزجى وقت فراغ ! . .
بل النقاش الذي يسوقه المرتضى لمدخل عرف كيف ينفذ منه إلى بث أفكاره العقيدية والدفاع عنها ، دون أن يتبدى للناس في ثوب دعوة ، أو في زر دفاع !
بل حديثه كله إغراء للقراء بمتابعة السير من أجل ارتياد منابع المعرفة التي وضع لهم - بموجزاته تلك - معالم واضحة على طريقها ، تهديهم إليها ، لينهل منها من شاء كيف شاء . . .
وأتساءل :
أفليست تلك المناقشات - وإن قصرت - " مشهيات " تضيف إلى تشهي المشتهي ، ونهم المنهوم ، وتهئ المقل العيوف للكظة وتناول أغلظ الطعام ! ؟
الإسكندرية 20 / 11 / 1975 عبد الفتاح عبد المقصود


صفحه 115


فدك - 3 - بسم الله الرحمن الرحيم شاء لي الأخ الكريم : السيد مرتضى الرضوي أن أحوز شرف الإدلاء بكلمة " أكابد " تدبيجها لتكون بمثابة تقديم لهذا الكتاب الذي ما أراه في حاجة قط إلى تقديم . .
وأقول : " أكابد " وأنا أعني ما أقوله ، بكل ما تنطوي عليه حروف اللفظة من مضمون ، لأن تناول موضوع " فدك " من قريب أو من بعيد ، هو معاناة حقه ، تشق على المتناول أي مشقة ، وكل مشقة . . وكيف لا وإن المتصدي له - ولأمثاله من أمهات المسائل التاريخية الإسلامية التي تنضح بالمبادئ ، وتثير الجدل ، ولا يتعذر أن تتفرق عندها الآراء شيعا - لأشبه بمن يحاول أن يجتاز هوة سحيقة ، متنقلا بين حافتيها على خيط أدق من الشعرة ، وأحد من الشفرة ، لو أمن راكبه أن ينقطع فيهوي به من حالق لما سلم من نكاية الجروح ! . .
ولست أغالي . . فلي في هذا المجال تجربة قديمة ، خرجت منها مغموزا في رأيي ، مطعونا في عقيدتي ، من رهط - سامحهم الله ! - يرون في كل أعمال فكر ، ونقاش حر ، والتزام بمنطق العقل ، في معالجة بعض الأحداث البانية لتاريخ الإسلام ، خروجا عن الجادة السوية . . ولم يكن تهمتي يومئذ التي


صفحه 116


بي ألصقوها ، ومن أجلها غمزوني وطعنوني ، سوى أنني - في كتابي :
" الإمام علي ابن أبي طالب " - قد عمدت إلى استقراء الوقائع واستنبائها ما تكن من مغازيها . وإلى تحصيل أقوال الرجال الذين صنعوها أو أسهموا فيها ، أو عايشوها . .
فلما أن قادني البحث والتقصي إلى رأي ارتأيته في سلوك بضعة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعاصريه ، أقروا هم به ، قبل المئات العديدة من السنين من تناولي إياه ونظري فيه ، هاجمني من ذلك الرهط من الكتاب المحدثين من استهواه نزغ الهجوم ، فشنأني شانئون ، وتخرص متخرصون ، ورماني رماة بالتطاول الآثم على مقام طائفة زائدة - كأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن العاص وغيرهم - من ذوي القدمة أو البلاء أو المكانة في المجتمع الإسلامي المتقدم ، مشهود لهم - ولا أدري ممن - بالعصمة ! . .
ويشهد الله أنني ، وإن عرضت لهم ، لم أعرض بهم . . وإن تناولت جوانب من حياة بعضهم ، فتناولي لم يكن افتئاتا عليهم ، ولا هضما لهم أو لغيرهم من صانعي التاريخ الإسلامي إبان فجره . . إنما قد رسمت صورهم بريشة ناقد لا حاقد . وذكرت سيرهم مقرونة بالحق كما تبينته ، وكما قادني إليه اجتهاد بحثي . . ما تأولت على أحد منهم غير رأيه . ولا تقولت غير قوله .
ولا أخذتهم فرادى وجمعا إلا بالمعلوم المشهور من نصوص أحاديثهم ودعاواهم ، وضروب فعالهم وسلوكهم التي حفظتها لنا بطون الأسفار . .
فكيف ألام ؟
وبأية حجة يحق على أن أؤثم ، وما من إثم اقترفته في حق أولئك " المعصومين ! " يوجب التأثيم ؟ .


صفحه 117


لئن كنت أشرت - ولا أنكر - إلى هنة في تصرف هذا الفرد منهم ، أو تصرف ذاك ، فإنني كما سبق القول ، لم أكن إلا ناقلا عنهم ذكر بعض ما فعلوه أو قالوه ، واعترفوا بفعله وبقوله ، بالسلوك الصريح واللسان المبين ، وهم في معرض اعتزاز وإدلال ، أو بمقام تعليل وتدليل . . .
لكنه منطق الشنآن . . .
غير أنني الآن أتناسى ما كان ، وأقتحم ما أرادني الأخ " الرضوي " على اقتحامه ، فأجتاز الهوة من حافة ، على ذلك الخيط الدقيق كالشعرة ، الحديد كالشفرة ، لعلي أستطيع أن أدلى بكلمة حق ، يشرفني كل التشريف أن تتصدر صفحات هذا الكتاب الجليل ، الذي يؤكد ذلك الحق الذي سلبته الزهراء . .
لقد وجدتني وأنا أتأمل : كتاب " فدك " إنما كنت أتأمل حشدا من الأسانيد لإثبات ما ليس بحاجة إلى إثبات ! !
ثم وجدتني أيضا أتساءل : كيف السبيل إلى مقدمة تليق بأن تتصدر صفحاته ، وتطالع قارئه بما ينبغي أن يقال فيه ؟ . .
إن التقديم لهذا الكتاب في حاجة إلى سعة كتاب ! . .
ولا عجب . . .
فليست تكفي بضعة أسطر ، ولا بضع صفحات للتعرف به حق التعريف ،


صفحه 118


وإلقاء ضوء على جوانبه يضعه تحت الأعين على هيئة تقترب به من نطاق التفهم الهادئ وفي إطار من حديث عقلي ميسر ، يخاطب الذين ينكرون اتجاهه ، أو يواكبونه على السواء . .
ذلك أن أرض فدك - نحلة كانت أو ميراثا - هي حق خالص لفاطمة لا يمكن المماراة فيه .
والذين يمنعون النظر في نقاش أبي بكر للزهراء ، لا يغيب عنهم أن الخليفة الأول لم ينكر على سيدة نساء العالمين دعوة النحلة ، لكنه لم يقبلها بسبب افتقارها إلى سلامة العدد والنوعية في شهود التأييد .
وقد يرى راؤون ألا تثريب على الشيخ إذ فعل ، لأنه إنما أبي الأخذ بشهادة منقوصة ، أو أبى الاعتداد بحجية شهادة الزوج والأولاد .
ولقد يرى راؤون أيضا ألا تثريب عليه ، إذ قد عدا مقام فاطمة وعلي والحسنين - وإنهم لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا - فمال إلى مرتبة من عداهم من المسلمين ، الذين تجوز فيهم التهمة ، وترقى إليهم الشبهات . .
لا تثريب عليه في الحالتين[1]، كما يذهب ذاهبون ، إن نحن أخذنا بنظرة يومنا هذا إلى الأمور ، فرأينا أبا بكر في الأول يمتثل حرفية القانون ، وفي


[1]هذه مجاراة من الأستاذ في الموضوع ، وإلا ففي التشريع الإسلامي أن ذا اليد لا يطالب بالدليل كما تجد التفصيل في نفس الكتاب . - المؤلف -


صفحه 119


الثانية يلتزم جادة المساواة ، أخذا بمقولة ألا تنهض الشهادة إلا برجلين ، أو برجل وامرأتين كنص الآية الكريمة " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء "[1]. . . ثم سيرا على نهج التسوية في التبعات بين المسلمين عامة ، وخاصة تطبيقا لحديث رسول الله حين جاءه من تشفع عنده في سارقه ذات شرف ، فأبى وقال : " لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " .
والرأي أن الأصل في فدك أنها ملك خالص لرسول الله ، يجوز أن تكون قد بقيت له حتى وفاته . ويجوز أن يكون قد أنحلها ابنته قبل الوفاة . .
فإن كانت له فإنها خليقة بأن تؤول لفاطمة بحق الميراث .
فإن طعن بحديث : " لا نورث[2]. . " وقيل بل تسري عليها قاعدة الصدقة .


[1]البقرة : 282 .
[2]قال المرحوم العلامة المحقق الشيخ محمود أبو ريه في كتابه : " شيخ المغيرة " الطبعة الثالثة لدار المعارف بمصر ص 169 . " كنا نشرنا كلمة بمجلة " الرسالة " المصرية عن موقف أبي بكر من الزهراء في هذا الميراث ، ننقل منها ما يلي : " إننا إذا سلمنا بأن خير الآحاد الظني يخصص الكتاب القطعي ، وأنه قد ثبت أن النبي قال : إنا لا نورث . وأنه لا تخصيص في عموم هذا الخبر ، فإن أبا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة رضي الله عنها بعض تركة أبيها ، كأن يخصها بفدك ، وهذا من حقه الذي لا يعارضه فيه أحدا ، إذ يجوز للإمام أن يخص من يشاء بما شاء ، وقد خص هو نفسه الزبير بن العوام ومحمد ابن مسلمة وغيرهما ببعض متروكات النبي ، على أن فدك هذه التي منعها أبو بكر من فاطمة لم تلبث أن أقطعها الخليفة عثمان لمروان . " العدد 518 من السنة الحادية عشر من مجلة الرسالة " - المؤلف -