بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 151


يبحثون ، وفهموا أن الإسلام ليس هو الإيمان والطاعة فحسب ، وإنما هو الإيمان عن وثوق ، والطاعة عن اقتناع ، وهو فوق ذلك علم وبحث ودراسة واستقصاء وهو بعد ذلك دعوة يجب نشرها وإذاعتها بين الناس .
أخذ الاستعمار يبسط سلطانه ، وينثر ذهبه ، ويضع الجلادين على رؤوس الشعوب ليخضعها وينحرف بها عن دينها ، وأخذ يبث صنائعه في كل بلد وفي كل قطر ، وانتشر الباحثون المسلمون فامتصوا آراء المستعمرين وعلومهم ، وتمثلوها وأدخلوا عليها ما شاءوا من الاصلاح والتعديل ، كما سلطوا عليها أضواء من الدين لصقلها وجعلها أداة للإفادة دون التدمير .
وتحركت جموع المسلمين يمنة ويسرة ، بعضهم يواصل رسالة الحق ، وبعضهم يستبد برأيه ، وبعضهم يهلك كالفراش المبثوث . . . وأصبح لزاما علينا أن نسهم في كل هذا الطوفان نتلمس للإسلام وللمسلمين سفينة نجاة .
وقد رأينا أن الإسلام دعا إلى الفكر ، وجعله عماده وأساس دعوته ، وجعل مرتبة المسلم الذي يرث الإيمان مرتبة دنيا . . . ومرتبة المؤمن بعد البحث والشك مرتبة لا تعلى في مراتب اليقين . . .
كان الإسلام ولا يزال دين حق . . يبحث عن الحق ويسعى إليه ، ويدعو الناس إلى الدفاع عنه . . دين جاد يواجه الحياة ويرسم الحلول لما بها من مشاكل . . .
دين جاد يدعو الناس إلى الاستسلام للحق وحده ، وإن أتى من أقصى الأرض ، ويدعوه للإذعان لسلطان الحق فلا سلطان إلا للحق أينما كان . . .


صفحه 152


يدعو الإنسان إلى الإيمان الجاد الذي يواجه الحقائق قبل أن تأتيه الحقائق فتهز في الإنسان أصول إيمانه ، بل قبل أن تواجهه المشاكل فتقضي على ما تبقى في نفسه من اليقين . . .
والقرآن يرفع شأن العلم بطريقة لا تخلو من التحريض والتحقير لكل جهالة ، قال تعالى :
" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ " ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :
" من تعلم بابا من أبواب العلم ليعلمه للناس أعطى ثواب سبعين صديقا " رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس عن ابن مسعود .
ولا يعلم غير المسلمين ما مقام الصديقين عند الله . . . إنهم بمنزلة الشهداء الذين يموتون في سبيل المبدأ والعقيدة والإصلاح ، بل إنهم ذكروا بعد الأنبياء وقبل الشهداء في آيات من القرآن . . . وذلك أنه تعالى جعل العلماء ورثة الأنبياء في الأقوال والأفعال وجعل الشهداء منفذين لأقوال العلماء حين يؤمنون بما يقول العالم المخلص فيقتنع ويعتقد ويؤمن ، ثم يندفع ليموت في سبيل العقيدة والمبدأ . . .
وبعد فإننا بصدد بحث عن " المتعة " ومشروعيتها في الإسلام . . .
" والمتعة " يدعو لها " الشيعة " . . . والشيعة بالنسبة لأبناء إقليمنا بحاجة إلى تعريف . . .


صفحه 153


ولا بأس من أن أرجع في تقديمي لهذا الكتاب إلى مقدمتي التي صدرت بها كتابا آخر لإمام من فقهاء الشيعة المتقدمين وهو : " الحر العاملي " في كتابه " وسائل الشيعة " والذي كمل الانتفاع به بانضمام " مستدركاتها " إليها للميرزا " حسين النوري " قلت : في تقديمي لهذا الكتاب في تعريف مركز عن الشيعة تعرضت من خلاله لقضية " المتعة " .
ونحن إذ نجدد فهمنا للدين في هذا العصر ، وإذ ننطلق بأبصارنا وأفهامنا لإدراك الأسس الأصلية فيه نستطيع أن نحدد لهذا الفهم مراحله وأن نرسم لتحقيق هذا الهدف وسائله . . .
وأول هذه المراحل ، وأهم هذه الوسائل هو البحث فيما ورثناه عن أسلافنا كدين . . هل خلا من الشوائب ؟ هل بانت معالمه وهل تكشفت لنا خباياه دون أن يدخل في أوساط رجال الدين مزيفون للحديث ، موسعون لشقة الخلاف ليستطيع المستعمر أو المستغل أو الخصم أيا كان الخصم أن يلعب دوره البغيض في الإفادة من هذا الزيف ، وفي استغلال هذا الاختلاف ؟ !
إن الإجابة عن مثل هذا السؤال واضحة لكل صاحب إيمان . . . فاليهود الذين كان من مصلحتهم أن يخضع الناس لسلطان المال بأكثر من خضوعهم للدين والحق ، لهم دور كبير في بلبلة الفكرة الإسلامية ، ورجال الدولة الذين كانوا يحكمون على مر العصور كانوا يلعبون دورهم في إخفاء بعض الحقائق ، وفي تخريج معادن جديدة قد لا يكون لها أصل من الحق والصواب . . .
والمستشرقون - وهم عيون الاستعمار - لعبوا دورهم الكبير في إفساد


صفحه 154


ذات البين ، وشق الصفوف لأسباب هي في حد ذاتها واهية ضعيفة وإن كانت نتائجها أخطر مما يظن الظانون .
هذه مرحلة من مراحل الفهم . .
وثمة مرحلة أخرى تلك هي البحث الجاد في هذه الفرعيات التي اتخذت أسبابا لخلاف لعله أن يكون خطيرا ، وقد كان خطيرا بالفعل في قابل الزمان . . .
علينا أن نقتل القديم بحثا لنخلق وعيا إسلاميا جديدا ، فما من حق لرجل غير دارس أن يتحدث فيما لا يعلم . وليس من شك في أن المذهب الشيعي - وهو فرع من أهم فروع المذاهب في الإسلامية العامة - والذي يدين به أكثر من مائة مليون مسلم في أنحاء الهند وباكستان والعراق وإيران . . . هذا المذهب الشيعي بحاجة إلى كل دراساتنا لنستطيع فيما بعد أن نصل إلى هدفنا وهو التوفيق بين شتى المذاهب الإسلامية في داخل إطار من كتاب الله - القرآن الكريم .
إن هذا المذهب الإسلامي له مقوماته الفكرية كأي مذهب آخر من مذاهب الدين وله لواؤه الخفاق ما في ذلك ريب . والعلماء الشيعة كعلماء أهل السنة إنما يدركون كل شئ في حدود القرآن ، وفي حدود ما ورد على لسان نبي الإسلام . وقد نظموا دراسات وبحوثا لها قيمتها في ميدان الإسلامية الكبرى ، وكان لهم في إحياء التراث الديني مجالات ومجالات . . " ولقد تابعت كثيرا من كتب الشيعة ، وتابعت مختلف الآراء التي قيل بأنها تختلف عما يتجه إليه أهل السنة فوجدته خلافا على شكليات لا أصل لها من


صفحه 155


جوهر الأمور ، فالخلاف حول تفضيل " علي " كرم الله وجهه خلاف لا يمس صميم الدين ولا يهدم ركنا من أركانه ، فضلا عن عدم جدوى إثارة مثل هذا الموضوع وقد قبض النبي صلوات الله عليه إلى ربه كما قبض الخلفاء الأربعة وغيرهم من جلة الصحابة والتابعين ، ولن يفيد الخلاف والاختلاف في إعادة واحد منهم أو غيره إلى الحكم ، ولو افترضنا أن إماما سيظهر في قابل الأيام فالعالم كله في انتظاره لأنه سيكون مؤيدا بروح الله .
ولعل من أخطر وجوه الخلاف ذلك الذي دار حول " المتعة " . . التي يحلها فقهاء الشيعة[1]، في الوقت الذي يحرمها فقهاء السنة .
وقبل أن أناقش هذا الموضوع أحب أن أضع أمام الأنظار إحصاء كان اتحاد الأزهر قد طبعه ووزعه منذ حوالي خمسة عشر عاما يقرر فيه ما يلي :
1 - بلغ عدد الحوادث سنة 1941 في مدينة القاهرة وحدها 354046 حادثة بينها 1359 جناية " إحصاء سكرتير نيابة مصر - الأهرام في 27 فبراير سنة 1942 " .


[1]قال أبو جعفر محمد بن حبيب المتوفى سنة 245 هجرية في كتابه المحبر : ص 289 تحت عنوان : " من كان يرى المتعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خالد ( * ) بن عبد الله الأنصاري و " زيد " بن ثابت الأنصاري وسلمة ابن الأكوع السلمي ، وعمران بن الحصين الخزاعي ، وعبد الله بن العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه " انتهى " - المحبر ط بيروت : المكتب التجاري ( * ) كذا في الأصل ولعله جابر عن هامش " المحبر " ص 289 - المؤلف -


صفحه 156


2 - عثر في القاهرة على 1005 غلام في 100 فندق وحمام مصابين جميعا بأمراض خبيثة - وثبت بالتحقيق أن عصابة قبض منها على سبعين فردا كانت تتجر في الغلمان وتبيع الغلام بثلاثة جنيهات " عن المقطم والأهرام في 24 و 25 ديسمبر 1941 م " .
3 - جاء في تقرير مكتب الآداب عن أعماله خلال شهر سبتمبر 1941 م في القاهرة ما يأتي :
4 - قبض المكتب على 719 - غلاما مشردا .
94 - امرأة تحرض على الفساد بينهن 8 فتيات قاصرات .
105 - امرأة في منازل سرية .
65 - بنسيونا وفندقا يدار للدعارة .
34 - بلطجيا .
112 - مرة دهم بيوت الدعارة .
13 - قضية فعل فاضح في الصالات .
1054 - شكوى هتك عرض حقق فيها المكتب .
3 - قضايا بيع كتب مخلة بالآداب .
وهذه هي حصيلة شهر في مدينة كبرى هي عاصمة البلاد . . . فما بالنا بحصيلة الأيام والشهور والأعوام التي تلت ذلك . . . وقد كانت هذه الحصيلة في وقت كان فيه البغاء العلني المصرح به موجودا وقائما ويمارس خدماته الوضيعة . فما بالنا وقد ألغي هذا البغاء . . . ؟


صفحه 157


لقد بلغ عدد المصابين بالزهري من بيوت الدعارة سنة 1931 م ربع مليون من الزناة أي 250 ألف نسمة . . .
ولا نقول إن هذا يمثل الحقيقة في بلادنا في الماضي وفي الحاضر ، وإنما هو يمثل جانبا من الحقيقة ، وما خفي كان أعظم .
إن ما يحدث في المدارس الداخلية بنين وبنات لا يخفى على الناس . . .
وما يحدث في البيوت بين الأقارب والصحاب لا يخفى على الناس . . .
وتجارة الرقيق يمارسها جميع الشباب في السن الذي ينتظرون فيه الزواج ، ولا نقصد المعنى الحرفي لتجارة الرقيق ، وإنما نقصد علاقة الذكر بالأنثى بالطريقة التي لا يسيغها العقل ولا يسيغها الدين ، ولا تسيغها الأخلاق . . .
وما تعرضه الجرائد والمجلات من مآسي تتكرر صورها وتتكرر وقائعها لا يحتاج إلى بيان .
بل إن ما يحدث في أعماق الريف يفوق كل ذلك في النوع وفي المقدار .
وآخر ما قرأت في جريدة الأخبار منذ أيام . . . أن موظفة بمصلحة التليفونات في القاهرة استغاثت عن طريق إحدى زميلاتها بالنجدة حيث هاجمت منزلا في دائرة عابدين وجدت به الفتاة ، ووجدت معها شابا عثر معه على قطعتي حشيش ، وحبوب تخدير ، وحقن طبية لمنع الحمل ، وتولى المقدم " علي الحديدي " مأمور القسم التحقيق حيث قررت الفتاة أنها كانت تقف على محطة الأتوبيس بشارع الجلاء فشعرت بالدوار ، وحينما أفاقت وجدت


صفحه 158


نفسها في مسكن الموظف ، وحينما أرادت الانصراف حبسها ، وحاول هتك عرضها ، واستبقاها في منزله أربعة أيام . . .
والحادث خطير في مدلوله ، خطير في خطته الجديدة المثيرة . . .
حبوب تخدير يمكن أن تستخدم مع أية أنثى تسير في الطريق . . .
وقطعتان من حشيش ، رغم المقاومة الجبارة لتجارة الحشيش . . .
وحقن طبية لمنع الحمل قد تكون آثارها الصحية مدمرة بالنسبة للمرأة وللفتاة على حد سواء . . .
وكل هذا يحدث في " القاهرة " وهي مدينة كبيرة ، حيث الحراسة متوفرة ، وحيث الشوارع تضج بالناس . .
ويقوم بهذا كله موظف يقرر بأنه أخذها معه لإسعافها ، وأنها رفضت الانصراف من منزله على حد ما ذهب في اعترافاته ، أو ما ذهب إليه من أقوال . .
وليس هذا الحادث فرديا . . بقدر ما هو حادث يتكرر . . ويتكرر ما هو أسوأ منه في كل وقت . . . وقد سمي حادثا لأنه ظهر سواء كان باختيار البنت أو برغمها . . . وسواء أقتلها أهلها ، أم وقع القانون على المعتدي . . .
أو أخذ بثأرها واحد أو آخر من إخوتها أو الأقربون . . .
كل هذا وغيره لا ينهي الموقف ، ولا يحل المشكلات . .
ونزل القرآن لإصلاح المجتمع وحمايته ، ورعاية الأسرة والدفاع