بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 166


علي ومناوئوه ( 3 ) لقد كان من واجبي أن أعترف على نفسي بالتقصير أو القصور إذ كتبت ترجمات عديدة عن شخصيات أوروبية أو أجنبية ولم أتمكن من الكتابة عن عظماء التاريخ الإسلامي ، وعلى رأس هؤلاء الإمام علي عليه السلام .
ولم يكن بد - كما يحدث غالبا - أن ألقي بظلال هذا العتاب على الظروف والملابسات التي مرت ولا تزال تمر بي لأدفع عن نفسي هذا القصور والتقصير أمام جمهور أحبه كل الحب - بل أحبه إلى حد العشق - وهو جمهور القارئين في الأقطار العربية والإسلامية الشقيقة .
وتقدم إلي الأستاذ " مرتضى الرضوي " لأكتب مقدمة لكتاب الدكتور نوري جعفر " علي ومناوئوه " وكان ذلك في منتصف شهر شعبان 1394 ه‌ الموافق أواخر الشهر الثامن أغسطس 1974 فقلت ما لنا ومناوئيه ولست منهم ولا شك أيها القارئ الكريم ، كما وأنني لست منهم على التحقيق ، ولقد أقبل الموسم القضائي - أيها الصديق مرتضى - ولنا فيه معارك على ساحة مجلس الدولة مما قد يشغلنا عن كثير مما يوجب بذل الجهد والوقت فيه من قضايا الفكر والعقيدة والإيمان .
كنت أتوقى إلى الكتابة عن الإمام علي بن أبي طالب - منذ أمد بعيد - وهو أول فتى في الإسلام وفارس فرسانه ، وكنت ولا زالت أتوق لأن


صفحه 167


تكون الكتابة عنه تمهيدا لي وتمهيدا وللقراء أن أكتب عن الرسول صلى الله عليه وسلم .
والكتابة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كتابة عن الإيمان وكتابة عن الحكم الإسلامي في ظل الإيمان ، وكتابة عن الإسلامية الصحيحة ، ودفاع عن المسلمين على مر العصور ، ومن حضر منهم في عهد علي عليه السلام ومن حضر بعده أو قبله ، منذ نزلت الرسالة على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
وكان على أن أنتظر سانح فرصة لأسجل بعض ما خطر في ذهني عن هذا الرجل العظيم .
وكان علي بن أبي طالب عليه السلام كما ورد في " الإصابة " : قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام " فهل كانت شهرته قاصرة على هذا المجال فحسب ؟ !
لقد أجمع الرواة - وترى ذلك متواترا طبقة عن طبقة - : أن علي بن أبي طالب هو أول فتى دخل في الإسلام ، وسارت الركبان بهذا الحديث يسوقونه على أنه ميزة لعلي ، بمعنى أنه لم يعش الجاهلية ، وإنما يكاد يكون مسلما - منذ أدرك - فهل كانت هذه هي ميزته فحسب ؟ !
كان علي ابن عم الرسول الأعظم ومتبناه .
وكان علي أخا لرسول الله والرسول أخوه - كما يروي الرواة الثقات - نقلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه حينما كان يتحدث عن ابن عمه علي .


صفحه 168


وكان بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لم يكن ثمة نبي بعد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم . وكان هو وزير النبي وخليفته من بعده[1].
وتلك نصوص قاطعة عن الرسول ، قاطعة الدلالة على إمامة علي فهل تكفي هذه الإشارات اللامحة للكشف عن أحقيته في الإمامة عليه السلام ؟
قال ابن مسعود في شأن الإمام : كنا نتحدث عن أن أفضل أهل المدينة هو علي " .
بل إن عمر نفسه كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن ، وكان يقول :
" لولا علي لهلك عمر " .
وهناك جوانب أخرى عديدة يجب أن نجليها لأنفسنا وللعالم كله على السواء . . .
لقد نقض بعض الذين بايعوا عليا ، ونقضوا ما عقدوا عليه العزم وكانت الحروب بين المسلمين إلى أن انتهى صراعها بانتصار الأقوياء ، ولم تنته المعارك بانتصار الحق ، إذ لو انتصر الحق لكان علي - عليه السلام - هو الحقيقة المجسدة ، وكان نصره فوق كيد الكائدين ، وقوة المال والسلاح ، وسطوة البغي والغرض ، والدهاء والإغراء . .


[1]أنظر " المستدرك على الصحيحين " 3 / 109 ، " مسند الإمام أحمد " 4 / 281 الطبعة الأولى " خصائص الإمام علي " للنسائي ص 21 طبعة مصر - " تفسير الفخر الرازي " 13 / 48 ، 49 - " أسباب النزول " للواحدي ص 125 طبعة مؤسسة الحلبي - " حياة محمد " للأستاذ محمد حسين هيكل الطبعة الأولى ص 104 - " جريدة السياسة المصرية " ملحق عدد 2751 .


صفحه 169


ولأمر ما أراد الله أن تدخل دولة المسلمين في محنة كبرى ، ولما تستقر أصول الإسلام في نفوس الناس ، ولا سرت روحه في دمائهم على الوجه الذي كنا نظنه في أول دراسة لنا لقضية صدر الإسلام ، ومن المعلوم الذي يجب أن يكون بديهة في نفوس الباحثين أن نعلم أن الإسلام هو صحوة المستقبل للعالم كله . ولم يكن - كما كنا نتخيل أحيانا - دعوة الزمن الذي ظهر فيه وحده . . . لأن إطاره المكاني هو العالم كله ، والإطار الذي يتحرك من خلاله - من حيث الأزمنة والعصور - هو كل الأزمنة وكل العصور ، منذ ظهر الرسول - صلوات الله عليه - حتى يرث الله الأرض ومن عليها . .
ولقد علمنا من الصراع بين علي عليه السلام وبين معاوية أن السلطة قد انتقلت إلى معاوية بن أبي سفيان بن حرب . . . وأمه هند آكلة الأكباد .
التي نهشت جسد عم الرسول حمزة عليه السلام ، وفلقت رأسه . . وأكلت كبده . . . شفاء لحقدها على الرسالة وأهلها - حينذاك - واستبد معاوية بالناس ، وأحال الخلافة ملكا عضوضا ، واستحصل من الناس - جبرا وقسرا - على عهد لابنه " يزيد " . . ونحن نعلم من هو " يزيد " وما كان عجبا أن يكون هو " يزيد " لأنه وارث القسوة والفجور ، ومستمد الفساد من شجرة الفساد . . . والعرق دساس . . . ونحن لا نجري الأبحاث - مع الأسف الشديد - عن شجرة الرجال ، وأصول الرجال .
لقد عمل اليهود - من خلال كل الجهود - على تدمير علم الأنساب لتختلط العائلات ويمكن من خلال هذا الاختلاط أن يندس في وسط كل قطر من أقطار الإسلام طبقة من اليهود يدعون الإسلام ليفسدوا فيه ، وكانوا يناصرون كل من يدعو للفتنة .


صفحه 170


ولكن بنية الإسلام القوية رغم كل ما مر بها لم تتوقف عن النماء ولم يزعزع عقيدة الإسلام ما مارسه بنو أمية من طغيان .
ولقد أحاط المفسدون بحكام الدولة الإسلامية ليحولوا بينهم وبين كل إصلاح . . . محاولين إيقاع الفتنة في دولة المسلمين .
لقد قيل إن بناء الجماعة تصدع على عهد علي ، ومن قبله كان الثائرون محاصرون بيت " عثمان " فهل قرر هذا أو ذاك : مصير الإسلام والقرآن ؟ !
إن هذا الدين الخالد مر بهذه المحنة وبغيرها من المحن وخرج منها أقوى مما كان قبلها ، ذلك أن بنية العقيدة أقوى من أن تحطمها الرضوض والآلام .
أكلت الحروب بين علي وخصومه عددا كبيرا من المسلمين ولم يكن متوقعا أن يحدث ذلك على وجه من الوجوه إلا أن اتساع الملك والسلطان كان يقتضي ذلك ، وكان يقتضي غيره من ألوان الصراع . . . وكانت هذه المحن - في رأيي - هي درجة الغليان التي أحاطت بالدين الجديد فحفظت الشعب أن ينهار أمام الحضارات المجاورة ، وأمام الفتوحات الوسيعة المدى بما تحتويه من أفكار جديدة واتجاهات متعددة مختلفة الألوان والأحجام .
إن علينا أن ندرس كل أولئك حين ندرس شخصية هذا البطل العظيم في تاريخ الإسلام علي بن أبي طالب ، عليه السلام .
وعلينا أن نعلم : أن انفصام عرى الوحدة بين المسلمين ، وتفرقهم


صفحه 171


في الآراء والمذاهب والأحزاب كل ينصر رأيه بالقول وبالعمل على رأي خصمه ، وكل يصارع في سبيل عقيدته هذه أو تلك بالفكر حينا وبالسلوك أحيانا ، وعلينا أن ندرك أن هذا كله وغيره ليس إلا دلائل صحة ، لا دلائل وهن أو هزيمة ، وأن الصراع دائما يدل على اليقظة لا على الموت ، ما دام لا يفضي إلى انشقاق في صفوف الأمة ، أو مواجهة عدائية بين الطوائف ، وقد اكتمل الدين حينما اكتمل نزول القرآن ، ولقد كان الإسلام على عهد الرسول دعوة وفكرة - أكثر منه دولة وسلطانا ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام دولة على أساس من التشريع القرآني ، فقد كانت دولة صغيرة الحدود على أية حال ، ولكنها كانت نوية قوية ، قابلة دائما على النمو والازدهار ، وبقي أن تكتمل الدولة بعد ذلك فتوسع من آفاقها وتنشر من سلطانها على هذه الأسس السليمة ، كانت نواة في مثل صلابة " الجرانيت " يحمل لواءها نفر من المؤمنين الأتقياء لا يبالون أين يكون الموت ، إذا هو - عندهم - دور من أدوار الحياة ، ومرحلة من مراحل الوجود ، فهم لا يخشون شيئا ولا أحدا ولا دولة من الدول ، ولا حكومة ، من الحكومات ، وإنما يذيعون نظريتهم في مجال الفكر وفي مجال التطبيق على السواء ، وقد بدأ صفوة المسلمين - وعلى رأسهم - علي عليه السلام يتتوقون إلى بناء الدولة الوليدة ، على أساس من النظرية والعقيدة ، واختلفت الآراء بين الصفوة وبين عامة المسلمين ، ممن لم تتدخل العقيدة في مسرى دمائهم .
كانت الدولة وليدة في المهد ، وقد تعرض الوليد لكل ما يتعرض له


صفحه 172


الوليد من محن تكبر في عينه هو ، وإن صغرت في عين الزمن ، الذي أثبت دائما أن البقاء للأصلح وأن الخلود للإيمان .
مرت دولة المسلمين في محنة كبرى فآذت المحنة دولتهم ، ولم تنل من دينهم ، وللنشأة الجديدة ثورات وحركات وصراعات ، سنرى جوانب منها حين ندرس الإمام ، وما أحاط به ، وبالمسلمين من حوادث ، وأحداث . . .
وسنرى جوانب منها حين نطالع صفحات هذا الكتاب .
عبد الهادي مسعود وكيل وزارة الثقافة والإرشاد القومي القاهرة في : 18 شعبان 1394 ه‌ / 5 سبتمبر 1974 م


صفحه 173


مع رجال الفكر في القاهرة ( 4 ) بسم الله الرحمن الرحيم يتحدث المتحدثون عن علم التاريخ وأهميته ، وعلم التراجم وخطورته ، فمن خلالهما ندرك سنن الحياة وقواعد السلوك للأفذاذ من أفراد الناس .
ومن التراجم ما يكون موضوعيا خالصا يعرض ما للمترجم له وما عليه ، ومنه ما يكون ذا صبغة مستمدة من ذاتية المترجم ومذهبه وعقيدته ، ومؤلف هذا الكتاب وجامعه قد آثر هذا اللون الأخير ، فقد جعل من عقيدته الشيعية الإمامية مقياسا للرجال ، من آمن بها فهو قريب منه ، ومن نفر عنها فهو بعيد عنه ، فهو يقدم مذهبه من خلال مفكرين قابلهم في القاهرة وتعامل معهم .
والسنة والشيعة وغيرهما من مذاهب لم تخرج على قواعد الإسلامية الكبرى بل تذوبان فيها ، ولها بوتقة تذيب فيها ما قد يزيد عن ذلك وينقص ، وكل أولئك جدير بكل اهتمامنا ووعينا لنخلص إلى أسلم الآراء وأكثرها قربا لعقيدتنا وتجديدا لمصائرنا ، وتدعيما لمستقبلنا المشرق .
وإذا كان للصداقة المجردة حقوقها ما دامت صادقة ، فللصدقات في مجال الفكر أثرها ، وتلك قاعدة لا تخرج عن طبيعة البشر .
وقد التمست للسيد مرتضى أعذارا ما دام يكتب صادق النية صادق الاعتقاد والتمست لنفسي كذلك عذرا ، فهو وقد كتب عني ضمن المفكرين في القاهرة قد