المراجعات ( 1 ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القيم .
وصلاة الله وسلامه على أفضل خلقه وخاتم رسله وأنبيائه : محمد بن عبد الله . . الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، وعلى عترته أئمة الهدى من بعده إلى يوم الدين .
أما بعد : فقد تفضل مشكورا أخي في الله وصديقي السيد الأستاذ مرتضى الرضوي - بإهدائي مجموعة قيمة من الكتب في المذهب الشيعي الإمامي ، ومن بينها كتاب " المراجعات " وهو يشتمل على حوار ممتع صاف حول المذهب الشيعي .
ويستخرج دفائنه بين إمامين جليلين هما :
الإمام الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق .
والإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي الشيعي الإمامي رحمهما الله .
وطلب مني أن أقدم لموسوعته الإسلامية التي يعتزم إعادة طبعها . . وقد أجبته إلى طلبه شاكرا له ثقته ، ومستعينا بما أهدانيه من أسفار في المذاهب الشيعي الإمامي الجعفري من جهة ، ومناقشاتنا المستفيضة في المذاهب الإسلامية وأحكامها . كلما ضمنا لقاء ، وجمعت بيننا الظروف التي كثيرا ما تدفعه للحضور إلى القاهرة ولقاء ، أصدقائه وأحبائه وشيعته فيها .
ومن ضمن هذه الموسوعة الإسلامية كتاب : " المراجعات " بما تحويه من معتقدات وأحكام في المذهب الشيعي الإسلامي الكبير . . أصوله وفروعه .
وبما تلقيه من أضواء ساطعة ، تنير الطريق ، وتهدي الساري ، وتقود الباحث إلى حيث يجد ضالته ، ويقف على بغيته .
إنما تؤدي خدمة كبرى لجمهور الباحثين وعلماء المذاهب الأخرى الذين يفتقرون إلى الغوص في ثنايا المذهب الإمامي والوقوف على حقائقه وأسانيده وما يتفق وما يختلف فيه مع المذهب السني وغيره من المذاهب . ودراسته دراسة موضوعية علمية ومنصفة . حتى يمكن فتح باب الحوار والمناقشة معه من جديد .
حوارا يزيد من من رابطة الدين بين المذهبين الكبيرين ويقوي أواصر التعاطف والفهم بينهم بأكثر من مما هو قائم الآن .
ونبذ ما يدعو إلى الفرقة والخصام ، والعمل الجاد على انفتاح الطوائف والمذاهب الإسلامية بعضها على بعض وإزالة هذه الجدر الوهمية التي أقيمت بينها . مما يؤدي حتما إلى الالتقاء على نقاط كثيرة مما يتصورها البعض نقاط خلاف . إذا ما توفرت النية الحسنة ، والرغبة في تشكيل قاعدة متينة من التعاون الصادق والمشترك ، وحصر نقاط الاختلاف ، توطئة لتطويقها ، وتجاوزها إلى ما فيه نفع الإسلام ومصلحة المسلمين .
ومن ثم إلى الاستمرار في نشر الدين وتماسك أهله وإسعادهم . ولا ننسى أبدا قول الله تعالى :
( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )
فكيف - بالله - نترك أوامر الله ونواهيه بالاعتصام بحبله وعدم التفرق .
إلى أوامر المخلوق ونواهيه بالمنابذة والتفرق .
وأود في هذا المقام أن أذكر بما يقوم به الآن أصحاب المذاهب المسيحية المختلفة من عمل جاد دؤوب ، واجتماعات مستمرة . تهدف إلى إقامة نوع من الوحدة الطائفية فيما بينها .
بالرغم من الفوارق الكثيرة والبعيدة في أصول المعتقدات وفروعها .
والعمل على تضييق شقة الخلاف في هدوء وروية وتفاهم . وصولا إلى أهدافهم في الوحدة والتعاون المشترك .
وفوق ذلك . فقد استطاع أحد هذه المذاهب المسيحية الكبرى أن ينقض أصلا من أصول معتقداته التي يشترك فيها معه كل المذاهب الأخرى . ابتغاء مرضاة طائفة أخرى غير مسيحية وهم - اليهود - .
ولمجرد مسايرة التطور الإنساني والمصلحة السياسية . ألا وهي تحميل اليهود وزر وذنب مقتل المسيح وصلبه .
وهذا الأصل المتغلغل في وجدان المسيحيين منذ نشأة المسيحية ، وبسببه ظلوا يحملون الكراهية والبغضاء وصنوف الحقد والاضطهاد لليهود طوال عشرين قرنا من الزمان . حتى أصدرت دولة الفاتيكان " الرئاسة البابوية الروحية للمسيحيين الكاثوليك في روما " وثيقة تبرئ اليهود من هذا الوزر الكبير في معتقدهم .
ومما يدعو إلى الدهشة أن ذلك يتم في الوقت الذي استطاع فيه اليهود وصهاينتهم أن يحققوا نصرا على العرب المسلمين .
وكأنه مكافأة لهم على إذلالهم للعرب والمسلمين الذين تصوروا أنهم قد أصبحوا لقمة سائغة ، ولن تقوم لهم بعدها قائمة . حتى كان نصر الله لهم في رمضان من عام 1393 ه - أكتوبر 1973 م الذي أذهلهم وأرعد فرائصهم .
ولم يتم هذا النصر للعرب والمسلمين إلا بأدنى حد من الوحدة . فكيف بالوحدة الكاملة ؟ ! !
إلى هذا الحد بلغت بأهل الأديان الأخرى رغبتهم في التطوير والتغيير ، وإلى هذا الجد يبلغ حرصهم على الوحدة الدينية والتقرب بين مذاهبهم عن طريق الحوار المخلص والجاد فيما بينهم . فأين نحن من هذا كله ؟ ؟ وليس بين مذاهبنا مثل ما بينهم من خلاف وشقاق وتباعد .
إن أهم ما نقدمه من هذه الموسوعة الإسلامية كتاب " المراجعات " ذلك الحوار المفتوح بين العالم السني الجليل الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق . وبين العالم الشيعي الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين كبير علماء الشيعة في لبنان .
وهو حوار موضوعي أمين ، يتيح التعرف على الحقيقة ، بعيدا عن التحيز أو التأثر بالعاطفة المذهبية أيا كانت . .
ومن حسن الحظ أن أهل السنة لا يختلفون مع الشيعة في محبة آل البيت النبوي الكريم ، ومناصرتهم وتقديسهم . وتعاطفهم الشديد مع الإمام الأكبر علي بن أبي طالب في طلب الخلافة وأحقيته لها وذريته من بعده .
وأن منزلته من رسول الله صلوات الله عليه هي بمنزلة هارون من موسى - عليه السلام - كما لا يختلف المذهبان في معظم أصول الدين وفروعه .
لولا ما يذهب إليه الشيعة من استنباط أحكام مذهبهم مما تواتر عن عن الأئمة الاثنا عشر من آل البيت النبوي[1]دون سواهم من صحابة رسول الله ، الذين لم يشايعوا الإمام عليا " كرم الله وجهه " والعترة الطاهرة الذين خاطبهم الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
ولا يأخذ الشيعة كذلك في الأصول بمذهب الأشعري ، وفي الفروع بالمذاهب السنية الأربعة .
[1]روى البخاري عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميرا فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : كلهم من قريش صحيح البخاري 9 / 81 . وفي صحيح مسلم بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش صحيح مسلم 6 / 4 وفي 3 / 4 روايات أخرى بمضمون رواية البخاري . وفي رواية أحمد عن مسروق قال : " كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن ، فقال رجل : يا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال عبد الله : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ، ثم قال : نعم ، ولقد سألنا رسول الله فقال اثني عشر كعدة نقباء بني إسرائيل - مسند أحمد وغيره .
على أساس أن مذهب الأئمة أسبق منها .
وبالتالي : أدعى إلى الوثوق به ، وأولى بالتبعية من سواه ، حيث كان عليه المسلمون في القرون الثلاثة الأولى للإسلام .
وباب الاجتهاد فيه مفتوح إلى اليوم .
وكذلك لم يؤثر بالمذهب الشيعي الصراعات السياسية طوال التاريخ الإسلامي . وكلها أمور يمكن طرحها للمناقشة والحوار بروح التسامح والتسامي من أجل وحدة الهدف المشترك ، والغاية النبيلة ، البعيدة عن الأغراض والأهواء .
كما يرى بعض العلماء من المذهبين أن أفضل وسيلة يمكن بها تحقيق ذلك .
أو على الأقل ، الحد الأدنى منه . . هو أن ينظر أهل السنة إلى المذهب الشيعي باعتباره مذهبا خامسا بجانب المذاهب الأربعة السنية سواء بسواء .
وهنا تحضرني فتوى لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت عندما كان رئيسا للأزهر . نشرت عام 1959 م بمجلة " رسالة الإسلام "[1]في العدد الثالث من السنة الحادية عشرة ص 228 يقول فضيلته .
" إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه مذهب معين ، بل نقول : إن لكل مسلم الحق في أن يتبع أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا ، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة بها ، ولمن قلد مذهبا
[1]تصدرها جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة 19 شارع حشمت باشا بالزمالك .
من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك " .
ثم قال فضيلته :
" إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية .
هو مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة . فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك ، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة " .
إن أمام العرب والمسلمين اليوم فرصة كبيرة ، بما حققوه على الصعيدين العسكري والسياسي ، واستثمارها إلى أقصى حد لخير الإسلام والمسلمين جميعا على اختلاف مذاهبهم وأجناسهم ، وكسب مغانم كثيرة يرضونها لأنفسهم ولأوطانهم . ونيل حقوقهم من مغتصبيها ، وامتلاك إرادتهم حرة قوية منيعة ، وبسط نفوذهم على ما تحت أيديهم من ثروات ، وما وهبهم الله من كنوز ، والتصرف فيها وفق مشيئتهم وما تمليه عليهم مصالحهم ومصالح أجيالهم من بعدهم . وما يساعدهم على اللحاق بأقصى درجات التطور والتقدم العلمي والصناعي والحضاري الذي هو سمة العصر وآية الرقي . .
وفي النهاية تشكيل قوة متحدة متماسكة ، تستطيع أن تفرض إرادتها واحترامها ، وتبرز للعالم أصالة تراثها الديني والحضاري ، وتعطي للعالم زادا جديدا من الحضارة الروحية والخلقية الممتزجة في الوقت نفسه بالحضارة المادية . تنال به إعجابه ، ومن ثم . . تأييده والانحياز إليه والانضمام تحت لوائه . بعد أن يكونوا قد بلغوا الغاية في الوحدة الصافية ، وساروا في تيار واحد يجرف ما يعترضه من عوائق وحواجز . يعطي الخير والنماء للإسلام .
وأهله كما تعيد إليه صورته المشرقة ، ورسالته الحقة . " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " .
لقد آن الأوان لأن نصنع حدا لهذه الفرقة . . التي أوجدها أعداء الله ، أعداء الإسلام ، وأصحاب الأهواء والأغراض والأطماع طول القرون الماضية . .
وشغلونا بأنفسنا ومعاشنا عن واجبنا المقدس نحو نصرة دين الله والتمكن له في الأرض ، وأدخلونا في جدل عقيم ، وتسلطوا على مقدراتنا ، وشوهوا كل مقوماتنا ونحن عاجزون عن صدهم ، مستسلمون لكيدهم . .
ليس أمامنا من سبيل - والله - إلا الوحدة . .
الوحدة بكل أهدافها ومراميها وأغراضها السامية ليس من أجلنا فحسب ، ولكن من أجل البشرية جمعا ، وفي إعتقادي أن الوحدة تسبقها الوحدة الدينية ، والتعاطف المذهبي . .
تعطي المثل والقدوة . . وترفع الراية . .
وحدة دينية هادئة ، تحمل المشعل وتضئ الطريق للوحدة السياسية ، وتصنع الأساس للقوة الإسلامية الكبرى التي تستطيع أن تحقق السلام على الأرض . .