فكيف - بالله - نترك أوامر الله ونواهيه بالاعتصام بحبله وعدم التفرق .
إلى أوامر المخلوق ونواهيه بالمنابذة والتفرق .
وأود في هذا المقام أن أذكر بما يقوم به الآن أصحاب المذاهب المسيحية المختلفة من عمل جاد دؤوب ، واجتماعات مستمرة . تهدف إلى إقامة نوع من الوحدة الطائفية فيما بينها .
بالرغم من الفوارق الكثيرة والبعيدة في أصول المعتقدات وفروعها .
والعمل على تضييق شقة الخلاف في هدوء وروية وتفاهم . وصولا إلى أهدافهم في الوحدة والتعاون المشترك .
وفوق ذلك . فقد استطاع أحد هذه المذاهب المسيحية الكبرى أن ينقض أصلا من أصول معتقداته التي يشترك فيها معه كل المذاهب الأخرى . ابتغاء مرضاة طائفة أخرى غير مسيحية وهم - اليهود - .
ولمجرد مسايرة التطور الإنساني والمصلحة السياسية . ألا وهي تحميل اليهود وزر وذنب مقتل المسيح وصلبه .
وهذا الأصل المتغلغل في وجدان المسيحيين منذ نشأة المسيحية ، وبسببه ظلوا يحملون الكراهية والبغضاء وصنوف الحقد والاضطهاد لليهود طوال عشرين قرنا من الزمان . حتى أصدرت دولة الفاتيكان " الرئاسة البابوية الروحية للمسيحيين الكاثوليك في روما " وثيقة تبرئ اليهود من هذا الوزر الكبير في معتقدهم .
ومما يدعو إلى الدهشة أن ذلك يتم في الوقت الذي استطاع فيه اليهود وصهاينتهم أن يحققوا نصرا على العرب المسلمين .
وكأنه مكافأة لهم على إذلالهم للعرب والمسلمين الذين تصوروا أنهم قد أصبحوا لقمة سائغة ، ولن تقوم لهم بعدها قائمة . حتى كان نصر الله لهم في رمضان من عام 1393 ه - أكتوبر 1973 م الذي أذهلهم وأرعد فرائصهم .
ولم يتم هذا النصر للعرب والمسلمين إلا بأدنى حد من الوحدة . فكيف بالوحدة الكاملة ؟ ! !
إلى هذا الحد بلغت بأهل الأديان الأخرى رغبتهم في التطوير والتغيير ، وإلى هذا الجد يبلغ حرصهم على الوحدة الدينية والتقرب بين مذاهبهم عن طريق الحوار المخلص والجاد فيما بينهم . فأين نحن من هذا كله ؟ ؟ وليس بين مذاهبنا مثل ما بينهم من خلاف وشقاق وتباعد .
إن أهم ما نقدمه من هذه الموسوعة الإسلامية كتاب " المراجعات " ذلك الحوار المفتوح بين العالم السني الجليل الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق . وبين العالم الشيعي الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين كبير علماء الشيعة في لبنان .
وهو حوار موضوعي أمين ، يتيح التعرف على الحقيقة ، بعيدا عن التحيز أو التأثر بالعاطفة المذهبية أيا كانت . .
ومن حسن الحظ أن أهل السنة لا يختلفون مع الشيعة في محبة آل البيت النبوي الكريم ، ومناصرتهم وتقديسهم . وتعاطفهم الشديد مع الإمام الأكبر علي بن أبي طالب في طلب الخلافة وأحقيته لها وذريته من بعده .
وأن منزلته من رسول الله صلوات الله عليه هي بمنزلة هارون من موسى - عليه السلام - كما لا يختلف المذهبان في معظم أصول الدين وفروعه .
لولا ما يذهب إليه الشيعة من استنباط أحكام مذهبهم مما تواتر عن عن الأئمة الاثنا عشر من آل البيت النبوي[1]دون سواهم من صحابة رسول الله ، الذين لم يشايعوا الإمام عليا " كرم الله وجهه " والعترة الطاهرة الذين خاطبهم الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
ولا يأخذ الشيعة كذلك في الأصول بمذهب الأشعري ، وفي الفروع بالمذاهب السنية الأربعة .
[1]روى البخاري عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميرا فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : كلهم من قريش صحيح البخاري 9 / 81 . وفي صحيح مسلم بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش صحيح مسلم 6 / 4 وفي 3 / 4 روايات أخرى بمضمون رواية البخاري . وفي رواية أحمد عن مسروق قال : " كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن ، فقال رجل : يا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال عبد الله : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ، ثم قال : نعم ، ولقد سألنا رسول الله فقال اثني عشر كعدة نقباء بني إسرائيل - مسند أحمد وغيره .
على أساس أن مذهب الأئمة أسبق منها .
وبالتالي : أدعى إلى الوثوق به ، وأولى بالتبعية من سواه ، حيث كان عليه المسلمون في القرون الثلاثة الأولى للإسلام .
وباب الاجتهاد فيه مفتوح إلى اليوم .
وكذلك لم يؤثر بالمذهب الشيعي الصراعات السياسية طوال التاريخ الإسلامي . وكلها أمور يمكن طرحها للمناقشة والحوار بروح التسامح والتسامي من أجل وحدة الهدف المشترك ، والغاية النبيلة ، البعيدة عن الأغراض والأهواء .
كما يرى بعض العلماء من المذهبين أن أفضل وسيلة يمكن بها تحقيق ذلك .
أو على الأقل ، الحد الأدنى منه . . هو أن ينظر أهل السنة إلى المذهب الشيعي باعتباره مذهبا خامسا بجانب المذاهب الأربعة السنية سواء بسواء .
وهنا تحضرني فتوى لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت عندما كان رئيسا للأزهر . نشرت عام 1959 م بمجلة " رسالة الإسلام "[1]في العدد الثالث من السنة الحادية عشرة ص 228 يقول فضيلته .
" إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه مذهب معين ، بل نقول : إن لكل مسلم الحق في أن يتبع أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا ، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة بها ، ولمن قلد مذهبا
[1]تصدرها جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة 19 شارع حشمت باشا بالزمالك .
من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك " .
ثم قال فضيلته :
" إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية .
هو مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة . فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك ، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة " .
إن أمام العرب والمسلمين اليوم فرصة كبيرة ، بما حققوه على الصعيدين العسكري والسياسي ، واستثمارها إلى أقصى حد لخير الإسلام والمسلمين جميعا على اختلاف مذاهبهم وأجناسهم ، وكسب مغانم كثيرة يرضونها لأنفسهم ولأوطانهم . ونيل حقوقهم من مغتصبيها ، وامتلاك إرادتهم حرة قوية منيعة ، وبسط نفوذهم على ما تحت أيديهم من ثروات ، وما وهبهم الله من كنوز ، والتصرف فيها وفق مشيئتهم وما تمليه عليهم مصالحهم ومصالح أجيالهم من بعدهم . وما يساعدهم على اللحاق بأقصى درجات التطور والتقدم العلمي والصناعي والحضاري الذي هو سمة العصر وآية الرقي . .
وفي النهاية تشكيل قوة متحدة متماسكة ، تستطيع أن تفرض إرادتها واحترامها ، وتبرز للعالم أصالة تراثها الديني والحضاري ، وتعطي للعالم زادا جديدا من الحضارة الروحية والخلقية الممتزجة في الوقت نفسه بالحضارة المادية . تنال به إعجابه ، ومن ثم . . تأييده والانحياز إليه والانضمام تحت لوائه . بعد أن يكونوا قد بلغوا الغاية في الوحدة الصافية ، وساروا في تيار واحد يجرف ما يعترضه من عوائق وحواجز . يعطي الخير والنماء للإسلام .
وأهله كما تعيد إليه صورته المشرقة ، ورسالته الحقة . " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " .
لقد آن الأوان لأن نصنع حدا لهذه الفرقة . . التي أوجدها أعداء الله ، أعداء الإسلام ، وأصحاب الأهواء والأغراض والأطماع طول القرون الماضية . .
وشغلونا بأنفسنا ومعاشنا عن واجبنا المقدس نحو نصرة دين الله والتمكن له في الأرض ، وأدخلونا في جدل عقيم ، وتسلطوا على مقدراتنا ، وشوهوا كل مقوماتنا ونحن عاجزون عن صدهم ، مستسلمون لكيدهم . .
ليس أمامنا من سبيل - والله - إلا الوحدة . .
الوحدة بكل أهدافها ومراميها وأغراضها السامية ليس من أجلنا فحسب ، ولكن من أجل البشرية جمعا ، وفي إعتقادي أن الوحدة تسبقها الوحدة الدينية ، والتعاطف المذهبي . .
تعطي المثل والقدوة . . وترفع الراية . .
وحدة دينية هادئة ، تحمل المشعل وتضئ الطريق للوحدة السياسية ، وتصنع الأساس للقوة الإسلامية الكبرى التي تستطيع أن تحقق السلام على الأرض . .
وترفع راية الحق والعدل فوق ربوعها من جديد .
إن العبء الأكبر في لم شمل المسلمين ، وتوحيد كلمتهم . . يقع أول ما يقع على رجال الدين . .
هذه هي رسالتهم الأولى ، وواجبهم الأسمى ، قبل أي شئ آخره . . فإن لم يؤدوها ويسعوا إلى تحقيقها . . فما أدوا الرسالة ولا قاموا بواجبهم ، ولا أدوا فريضة الجهاد في سبيل الله . . فلا سبيل إلا بالوحدة أساس العزة والمنعة .
إن جماعة مخلصة من كبار رجال الدين من كل المذاهب الإسلامية .
يؤمنون بهذه الرسالة ويتحررون من قيود حياتهم وأغلال منافعهم الذاتية ، يخلصون النية لله وحده ولدينه القويم وتتحد أفكارهم وغايتهم . .
يستطيعون أن يحققوا هذا الأمل الكبير ، أو على أقل القليل ، يضعون اللبنة الأولى ، والنواة الصالحة في الأرض الطيبة ، يرعاها بعدهم غيرهم حتى تنبت وتزدهر ، وتينع وتثمر ، وتؤتي أكلها الطيب الشهي ، ولنثق . . أن الله سينصر دينه ، ويتم نوره ولو كره الكافرون[1].
القاهرة في 17 / 11 / 1975 محمد فكري أبو النصر
[1]جاء نشر هذا التقديم في كتاب " المراجعات " وهي : الأبحاث التي دارت بين الأستاذ الأكبر الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر وبين الإمام شرف الدين العاملي حول أصول المذهب والإمامة العامة وطبعت لأول مرة بمطبعة العرفان - صيدا لبنان عام 1355 ه - 1936 م ، وصورنا هذه الطبعة بالأوفست بالقاهرة بمطبعة الأستاذ سعيد رأفت .
مع رجال الفكر في القاهرة - 2 - بسم الله الرحمن الرحيم الحديث عن كتاب : " مع رجال الفكر في القاهرة " هو بالضرورة حديث عن شخص مؤلفه الكريم في المقام الأول .
والكتاب ثمرة لجهوده ونشاطاته ولقاءاته المعقودة بالجم الغفير من العلماء ، والباحثين ، والمفكرين في مصر . . وأحاديثه معهم في أمور الدين بعامة ومذهب الإمامية الجعفرية . . المعروف بالمذهب الشيعي الإمامي . . بصفة خاصة . . مما أتاح له القرب منه وفي قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم . . فأحبهم وأحبوه ، ووثق فيهم ووثقوا فيه ، وأعجب بهم وأعجبوا به وإخلاصا منه لهم من جهة ولمذهبه الشيعي الإمامي من جهة أخرى - قدم هذا الكتاب ترجمة لهم وإبرازا لآرائهم في المذهب الشيعي الإمامي وما يرونه جميعا من وجوب اطلاع أهل السنة على تراث إخوانهم الشيعة الإمامية في العقائد وفي الفقه من مصادره وأسانيده الحقة ، لا من مصادر خصومهم الذين لا يرعون