ومن المسلم به لدى العقلاء أن الأمور التي لم يبلغ العلم بها مبلغ اليقين ، تكون ملتقى لوجهات نظر مختلفة .
ومن المسلم به لديهم أيضا ضرورة احترام كل واحد من الباحثين لوجهة نظر الآخرين في المسائل المتحملة لضروب من العراك الفكري ، حتى أنهم ليختلفون ويكونون في ذات الوقت أصدقاء وأحباء وأصفياء . ورحم الله من يقول :
" اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية " .
ولقد رفع الإسلام راية السماحة عالية ، فقال في كتابه الكريم : " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن " .
وإذا كان الإنسان يحب لنفسه أن يستمتع بالحرية ، فيقول ويعلن ما يهديه إليه بحثه وتفكيره ، فلا يليق به أن ينكر على إنسان مثله حقه في أن يقول ويعلن ما يهديه إليه بحثه وتفكيره كذلك .
وحسب المسلمين فخارا أنهم اجتمعوا على أصول دينهم لم يختلفوا فيها :
فالألوهية في أسمى مكان من التقديس في نفوس المسلمين .
وعقيدة البعث ، والإقرار بالنبوة ، وحاجة البشر إليها ، وختامها بسيد ولد آدم " محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم " .
وصدق القرآن الكريم ، وما صح منه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
كل أولئك يحتل من نفوس جميع المسلمين مكانه لا تطاولها قداسة أي دين آخر في نفوس أتباعه .
قلت ذلك وأكثر من ذلك في رسالتي " بين الشيعة وأهل السنة " رغم أني لم أقل في هذه الرسالة كل ما أحب أن أقوله ، نظرا لظروف الطبع وقت ذاك .
والآن يسعدني أن تتاح لي فرصة التقديم لكتاب " الشيعة وفنون الإسلام " الذي نحا فيه مؤلفه السيد الشريف " الحسن أبو محمد " منحى ربما يبدو غريبا لدى أهل السنة . وكنت أريد أن أدرس الكتاب دراسة موضوعية ، لأتبين بالدلائل والشواهد مبلغ صدق القضية التي يعالجها الكتاب ، ولكني رأيت الأمر فوق طاقتي لأن المؤلف - رضي الله عنه - واسع الباع غزير الاطلاع .
يعرض لسائر العلوم الإسلامية والعربية ، ويحكم عليها حكم المحيط بها ، الواقف على أسرارها ، العارف بعوامل نشأتها ، ومراحل نموها . ومتابعة هذه العوامل ، وتلكم المراحل تتطلب حشد المتخصصين في هذه العلوم ، ليتابع كل متخصصه ، ويوافق المؤلف عن بينة . أو يخالفه عن بينة .
وإذا فاتني أن أخوض في هذا المجال ، وأن أعرض لموضوع الكتاب عرضا تحليليا اتكالا على همة المتخصصين الذين أطمع في أن يتناولوا الكتاب بكل ما هو جدير به من عناية واهتمام ، فما أحب أن يفوتني أن أقول كلمة ما أراها إلا متابعة لما جاء في رسالتي " بين الشيعة وأهل السنة " تلكم هي أن المؤلف - رضي الله عنه - يدعي سبق الشيعة في تأسيس العلوم الدينية والعربية ويقدم بين يدي دعواه أدلة تبررها ، ويدور كتابه حول بسط هذه الدعوى ، وإيضاح أدلتها .
والناس أمام هذه الدعوى فريقان :
فريق المتعلمين : وهؤلاء لا يهتمون بواضع العلوم ومؤسسيها ، وإنما يهتمون بالعلوم نفسها ، ويستوي لديهم أن يكون المؤسسون لهذه العلوم هم الشيعة وحدهم أو هم أهل السنة وحدهم ، أو هؤلاء وهؤلاء .
وفريق العلماء : وهؤلاء كما يهتمون بالعلوم ذاتها ، يهتمون بنشأتها ومنشئيها والأطوار التي تواردت عليها إذ أن العلوم لها نشأة كنشأة عظماء الرجال ، لهذا كان لها تاريخ عظماء الرجال كذلك .
ولهؤلاء أقول : إن كتاب " الشيعة وفنون الإسلام " جهد مشكور قام به صاحبه - رضي الله عنه - مساهمة منه في المهمة المنوطة بأعناق علماء الإسلام تلكم هي التاريخ لعلوم الإسلام ، وما تستتبعه من علوم أخرى ، فلا ينبغي أن يقابل هذا الجهد الجبار بنظرة سطحية تعتمد على عدم المبالاة وعدم الاكتراث . لا ينبغي أن يقال مثلا : " هذه عصبية " أو " هذا تحد " أو نحو ذلك من أساليب القول التي يحتمي بها من لا يريد أن يجشم نفسه مشقة البحث والنظر .
نعم لا ينبغي أن يقال هذا ولا شئ منه ، لأنه لا داعي للعصبية ، ولا داعي للتحدي لأن الشيعة كأهل السنة مسلمون . واختلافهم مع أهل السنة إنما هو في مسائل لا ترتقي إلى مستوى الأصول . وإذن فهم أخوة مسلمون ، وسبقهم في العلوم إنما هو كسبق الأخ لأخيه ، إن أثار تنافسا وحماسا ، فإنه لا يثير خصومة ، ولا عداء .
وإذن فلا مناص من إحدى اثنين :
أما أن نطأطئ الرأس إجلالا واحتراما ، لما بذل المؤلف من جهد ، ولما انتهى إليه من نتائج
وإما أن نقابل الجهد بجهد مثله . ونقدم بما نظفر به من نتائج مؤيدة بأدلة سليمة مقبولة .
وأني أتوجه إلى الله جلت قدرته راجيا أن يطهر النفوس مما علق بها من شوائب وأن يملأها بمعاني الحب والتعاطف والتآخي ، وأن يعيد للمسلمين وحدتهم ، وأن يفقههم في دينهم ، ويبصرهم بعاقبة أمرهم ، ويوفقهم للاهتداء بهدى الإسلام في سلوكهم ومعاملاتهم ، ولتبليغ دعوة دينهم إلى خلق الله كافة مبرهنين على جمالها وكمال بالتزامهم لها ووقوفهم عند حدودها .
وفي هذا المقام يحلو لي أن أشير إلى مفخرة من مفاخر المسلمين ، يحق أن نعتز بها ونفاخر ، تلكم هي : كتب السيد " محمد باقر الصدر " التي ما أظن أن الزمن قد جاء بمثلها في مثل الظروف التي وجدت فيها .
لقد أنتجت عبقريته الفذة الكتب الآتية .
" فلسفتنا " و " اقتصادنا " .
تلكم الكتب التي تعرض عقيدة الإسلام ، ونظم معاملاته ، عرضا تبدو إلى جانبه الآراء التي تشمخ بها أنوف الكفرة والملاحدة من الغربيين وأذنابهم ممن ينتسبون إلى الإسلام وهو منهم براء ، وكأنها فقاقيع قد طفت على سطح الماء ثم لم تلبث أن اختفت وكأنها لم توجد .
ألا فليقرأ هذه الكتب أولئكم الذين حشو رؤوسهم بهراء من القول ، وزيف من الخيال ، ليتطهروا بطهور الحق من رجس الباطل ، وليبصروا نور الوجود ، بعد ما ضلوا في بيداء العدم ، وليجدوا أنفسهم بعد أن فقدرها .
ألا فليقرأ هذه الكتب شباب الإسلام المخدوع ببريق المدينة الكاذبة ، وكيف يتيسر لهم قراءتها ، وقد شغلوا بالهزل عن الجد ، وبالباطل عن الحق ، لأن الهزل والباطل قد اقتحما عليهم عقولهم وقلوبهم في غفلة من الجد والحق .
ألا فليتعرف على هذه الكتب المربون ليقوموا بها نفوسا قد أعوجت ، وقلوبا قد أظلمت ، وعقولا قد أقفزت وأجدبت حتى هانت الدنيا على أصحابها فسخروا منها لأنهم لم يحسوا لها طعما ، ولم يعرفوا لها قدرا ، فساءت أحوالهم وانحرف بهم سلوكهم وضلت عنهم آمالهم ، وأصبحوا بحالة تستوجب أن يخلقوا خلقا جديدا .
وأنه لا يسعني في ختام هذه الكلمة ألا أن أشكر الأخ الفاضل السيد " مرتضى الرضوي " صاحب مكتبة النجاح ، بالنجف الأشرف ، بالجمهورية العراقية ، على جهوده الموفقة المشكورة في نشر العلم ، والتعريف بكنوزه الدفينة ، وعلى ما أتاح لي من فرصة الاطلاع على هذا السفر القيم " الشيعة وفنون الإسلام " ويقيني أن هذا الكتاب سوف يكون موضوع دراسة هامة من أهل العلم حينما تصل إلى أيديهم طبعته الجديدة إن شاء الله .
كتبه سليمان دنيا أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف القاهرة في : العشرين من رمضان عام 1386 ه الموافق : أول يناير عام 1967 م
10 - الدكتور حامد حفني داود أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن العليا ورئيس قسم الأدب العربي بجامعة عين شمس
* ولادته : ولد في جرجا في 3 / 4 / 1918 م * جمع في الدراسة بين المدارس المصرية والأزهرية * تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1943 * حصل على دبلوم معهد التربية العالي عام 1945 م ، معهد الدراسات العليا عام 1949 م ، والماجستير في الأدب العربي عام 1951 م ، ظفر بدرجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف عام 1958 م .
* ينتسب إلى الدوحة النبوية عن طريق الإمام الحسين ( ع ) * يعمل رئيسا لقسم اللغة العربية بكلية الألسن جامعة عين شمس بالقاهرة .
* أهم آثاره : " تاريخ الأدب العربي في العصر العباسي الأول " 1958 م القاهرة " تاريخ الأدب العربي في العصر العباسي الثاني " 1962 القاهرة " تاريخ الأدب الحديث " 1967 م " تاريخ الأدب الجاهلي " و " الآداب الإقليمية " و " الإسراء * من رواد الإصلاح ودعاة التقارب بين المذاهب الإسلامية .
* يتميز بروح الإنصاف ، والتجرد ، والموضوعية ، في كل ما يكتب عن الشيعة الإمامية .
الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام بسم الله الرحمن الرحيم في هذا الكتاب يقدم لنا المؤلف الدكتور نوري جعفر عن عقيدة أخلصها وصفاها لمبادئ الإسلام - العديد من مساوئ بني أمية التي كانت ثلة لا ترأب في صرح الإسلام المجيد . وهي لا تزال إلى اليوم .
وهي وصمة في تاريخهم منذ أمسكوا بزمام الحكم حتى سقطت دولتهم على يد العباسيين سنة 132 ه .
وقيمة هذا الكتاب تتجلى في أن مؤلفه أضاف شيئا جديدا على الكاتبين في هذا الموضوع ، ذلك أنه وثق كل ما جاء من مواقف بني أمية ضد مبادئ الإسلام السمحاء بالعديد من الروايات المبثوثة في المصادر والمراجع .
كما أتحف هوامش الكتاب بالكثير من تراجم الأعلام الذين ورد ذكرهم في ثنايا كتابه .
لقد كتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ - شيخ كتاب القرن الثالث الهجري - كما كتب غيره الكثير عن أخبار بني أمية وعن مساوئهم ومناوأتهم للبيت الهاشمي ، ولكن الذي كتبه الجاحظ وغيره لا يعدو أن يكون من الرسائل المقتضبة ، تناول فيها الجاحظ والمقريزي وغيرهما إبراز الصورة الفنية فيما كتبوا قبل أن يقدموا للقراء روايات مدعمة بالأدلة والبراهين ويشفعوا ما كتبوه بمقارنات تاريخية مدعمة بالمراجع والمصادر التي استمدوا منها دراساتهم .