عباده و أحل لهم ما سواه من رغبة منه فيما حرم عليهم و لا رهبة مما احل لهم و لكنه خلق الخلق و علم ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم فاحل لهم و أباحه تفضلًا منه عليهم لمصلحتهم و علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرمه عليهم ثمّ أباحه للمضطر و احل له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به فأمر أن ينال منه بقدر البلغة لا غير. ثمّ قال (ع) أما الميتة فانه لا يدنو منها أحد و لا يأكل منها إلا ضعف بدنه و نحل جسمه و ذهبت قوته و انقطع نسله و لا يموت إلا فجأة. و أما الدم فانه يورث أكله الماء الأصفر و يبخر الفم و ينتن الريح و يسيء الخلق و يورث الكلب و القسوة للقلب و قلة الرأفة و الرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده و والديه و لا يؤمن على حميمه و على من صحبه. و أما لحم الخنزير فان اللّه مسخ قوماً في صور شتى شبه الخنزير و القرد و الدب. و أما الخمر فانه حرمها لفعلها و فسادها و قال ان مدمن الخمر كعابد وثن تورثه الارتعاش و تذهب بقوته و تهدم مروءته و تحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء و ركوب الزنا و لا يأمن إذا سكر أن يثب على محارمه. و إليك
أعيان النجاسات.
البول و الغائط
(الأول و الثاني) من النجاسات البول و العذرة سواء كانا خارجين من الموضع المعتاد أم لا من كل حيوان نجس العين أو كان غير مأكول اللحم كالإنسان و غيره صغيراً كان أو كبيرا برياً أو بحرياً و لا فرق في حرمة أكله بين أن تكون بالأصالة أو بالعرض كالجلال و موطأ الإنسان لكن بشرط ان يكون ذا نفس سائله و المراد بالنفس (السائلة) الدم الذي يجتمع في العروق و يخرج إذا قطع منها بقوة و دفع و يقابله ما لا نفس له سائلة كالسمك و هو ما يخرج دمه عند القطع رشحاً و يستثنى من ذلك بول الطيور و خرؤها و ان كانت غير مأكولة اللحم حتى الخفاش منها فانهما طاهران و هكذا الحيوان الذي يحرم أكله لداء قد صار فيه كما لو أصاب الشاة داء يوجب سمية لحمها بحيث يهلك من أكله فانه و ان صار مما يحرم أكله قطعاً إلا انه لا يحكم عليه بنجاسة بوله و عذرته و مثله ما حرم أكله بغصب أو نذر أو عهد و أما البول و الغائط مما يؤكل لحمه فطاهران حتى الحمار و البغل و الخيل و الدجاج و هكذا تكون طاهرة فضلات كل حيوان ليس له نفس كالوزغة و السمك المحرم.
و لو شك في شيء انه بول أو عذرة أو غيرهما من الأشياء الطاهرة كما لو رأى بللًا على الأرض و لم يدرِ انه بول أو ماء فهو طاهر. و مثله ما لو رأى بولًا أو عذرة و شك في انها من حيوان مأكول اللحم أو من حيوان محرم اللحم فهو أيضا طاهر كما إذا لم يعلم ان هذا البول بول إنسان أو حمار، و مثله ما إذا شك في بول أو عذرة من انها من ذي النفس السائلة أم لا كما لو شك في ان هذه الفضلة فضلة فأرة أو خنفساء فإنها طاهرة أيضا و مثله ما لو تردد الحيوان بين كونه مأكول اللحم أم لا كما لو تردد الحيوان بين كونه غنماً أو خنزيراً لبعض العوارض الخارجية كظلمة أو جهل فإن بوله أو خرأه طاهر. و مثله ما لو تردد بين كونه ذا نفس سائلة أم لا كالحية التي لا يعلم انها لها نفس سائلة أم لا.
المني
(الثالث) من النجاسات المني من كل حيوان ذي نفس سائلة آدمياً كان أو غيره حلالا كان أكله أو حراماً ذكراً كان أو أنثى و يلحق به البلل المشتبه قبل الاستبراء كما سيجيء إن شاء اللّه. و أما مني ما لا نفس له سائلة فهو طاهر و أما المذي. و الودي. و الوذي الذي لم يخالطه دم. و رطوبة الفرج. و الدبر و القي و البلغم فهي طاهرة إلا إذا كانت من نجس العين.
المذي و الودي و الوذي
و المذي: الماء الرقيق الخارج عند الملاعبة أو التقبيل أو النظر بلا دفق أو فتور و هو في النساء اكثر من الرجال و في الحديث ان المذي ما يخرج قبل المني.
و الودي: هو ماء ثخين ابيض يخرج من الذكر بعد البول، و الوذي: هو الماء الخارج عقيب إنزال المني و في الحديث هو ما يخرج من الأدواء بالدال المهملة جمع داء و هو المرض و الجميع طاهرة كما تقدم.
و لو خرج منه بلل و شك في انه مني أم لا فان كان بدفق و شهوة و فتور فهو مني ان كان الشخص الخارج منه صحيحاً. و إن كان مريضاً أو امرأة كفت الشهوة و هي الهيجان المستتبع لحركة أعضاء التناسل نحو العمل الذي يعقبه عادة الفتور و ليس هو مجرد الشوق الشديد نعم يستثنى من هذا صورة ما إذا كان الرجل المجنب بالإنزال قد اغتسل قبل أن يستبرىء بالبول فان البلل الخارج منه المشتبه يحكم عليه بأنه مني و أما المرأة فلا يحكم على البلل الخارج منها بعد الغسل قبل أن تستبرئ بأنه مني. هذا كله إذا علم الحال اما مع جهل الحال بان كان البلل لم يعلم انه حال خروجه جامعاً للصفات المذكورة أم لا فان تردد بين المني و البول فهو نجس و عليه غسل الجنابة و الوضوء للصلاة إن لم يعلم الحالة السابقة و له أن يكتفي مطلقاً بالغسل الواحد للكون على الطهارة و ان تردد بين البول و المني و شيء طاهر كالمذي فلا شيء عليه إذا كان قد استبرأ.
الدم
(الرابع) من النجاسات الدم من كل حيوان نجس العين أو ذي نفس سائلة حل اكله أو حرم صغيراً كان أو كبيراً قليلًا كان أو كثيراً برياً أو بحرياً أو طائراً عدا المتخلف في الذبيحة المذكاة. و الدم المتكون في كل حيوان كذلك نجس كالعلقة. و كذا الدم المتكون لا في حيوان كدم البيضة للحيوان المذكور و أما دم ما لا نفس له سائلة كالسمك و البراغيث و البق فهو طاهر. و أما الدم المتخلف في الذبيحة المذكاة فهو طاهر بشرط خروج ما تعارف خروجه من مثلها و بشرط ان يكون متخلفاً في ذبيحة مأكول اللحم كالمعز و الضأن و الإبل و البقر دون غير مأكول اللحم كالسبع و نحوه و بشرط أن يكون متخلفاً في الجزء المحلل اكله منها دون المحرم كالطحال و بشرط أن لا يخالطه شيء من الدم المسفوح بالرجوع إليه بعد الخروج كما لو كان رأس الحيوان في مكان مرتفع يوجب رجوع الدم الخارج إليه و اختلاطه بالمتخلف أو جذب المذبوح نفسه جذبا موجبا لرجوع الدم الخارج منه إلى باطنه على خلاف العادة و بشرط ان يغسل الدم المسفوح منها و المنحر و يد الذابح و آلته لئلا تلاقي المتخلف فتنجسه.
و ليس من الدم المتخلف في الذبيحة دم الجنين الذي يكون في بطنها و كانت ذكاته بذكاتها و انما دمه محكوم بالنجاسة.
و لو شك في مائع انه دم أو غيره من الأجسام الطاهرة بنى على طهارته و لو علم بأنه دم و شك في انه من ذي النفس السائلة أم من غيرها مما لا نفس له كما لو رأى دماً في ثوبه و شك انه من الرعاف أو البق أو البرغوث فهو أيضا محكوم بالطهارة و مثله ما لو شك في الدم من جهة الشك في الحيوان المعلوم حقيقته في انه من ذي نفس سائلة أم لا كالحية و التمساح إذا شك في دمهما كذلك و منه يظهر طهارة ما يخرج من الجروح و الدماميل من
المائع الأصفر إذا شك في انه دم أم لا و مثله في الطهارة ما إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في انها دم أو قيح.
الميتة
(الخامس) من النجاسات الميتة سواء كانت بالقتل أو حتف الأنف أو الذبح على وجه غير شرعي من حيوان نجس العين أو طاهرها بشرط ان يكون من ذي النفس السائلة بريا كان أو بحريا مأكول اللحم أو لا حتى الإنسان قبل تغسيله سواء كان قبل برده أو بعده إلا إذا اغتسل قبل موته برجم أو قود أو نحوهما و مثله الشهيد بين يدي النبي (ص) أو الإمام (ع) أو نائبه بل كل من قتل في سبيل اللّه في كل جهاد بحق و لو في حال الغيبة كما لو دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام فان جميع ذلك طاهر لا يجب التطهير بمسه بخلاف المقتول في حرب قطاع الطريق أو عن ماله أو عرضه فانه ليس بعد جهادا و محاماة عن الدين فيكون حكمه حكم ميتة الإنسان و في حكم المغسل بعد الموت من حيث الطهارة الميمم بعد الغسل أو المحرم المغسل أو الذي غسله الكافر عند فقد المماثل أو الذي غسل بلا مزج الخليطين لتعذرهما أو اقتصر فيه عن الأقل من الغسلات الثلاث لأعواز الماء و لا يطهر شيء من بدن الميت مما حل فيه الروح إلا بعد إكمال غسله فلو مسه قبل إكمال غسله وجب عليه الغسل (بالضم). و الميتة النجسة من الإنسان و غيره حالها كحال سائر النجاسات لا يتنجس ملاقيها إلا برطوبة مسرية.
أجزاء الحيوان
و كلما ينجس من صنوف الحيوان بموته فما انقطع عن جسده و انفصل عنه و كان مما تحله الحياة فهو نجس حيّاً كان ذلك الحيوان المقطوع منه أم ميتاً كما لو قطع من الإنسان أو سائر الحيوانات يده أو رجله دمن الأجزاء غير المعقد بها المبانة من الحي التي تعد من فضلات البدن و أوساخه كالبثور و الثالوث و ما يعلو الجراحات و الدماميل و غيرها عند البرء و ما يحصل في الأظفار و ما يتطاير من القشور عند الحك و ما يعلو على الشفة و نحو ذلك فان جميع ذلك طاهر. و مثلها الأعضاء إذا يبست عند اتصالها بالبدن ثمّ انفصلت بعد ان برأ محلها فإنها ليست بنجسة و مثلها التي خرجت منها الروح كأعضاء المفلوج و بعض أعضاء من كان في حال النزع فما دام متصلة بالبدن فهي من توابعه تكون طاهرة ما دام البدن حيّاً و تنجس بموته أو بالانفصال عنه إذا لم تعد من فضلات البدن. و أما ما كان من أجزاء الحيوان مما لم تحله الحياة كالعظم و الشعر و القرن و السن و المنقار و الظفر و الحافر و الظلف و الصوف و الوبر و الريش فهو طاهر سواء كان الحيوان المفصول عنه حيا أو ميتا. نعم ما كان منها ملاقٍ للميتة برطوبة مسرية يغسل منه موضع الملاقاة لتنجسه بها. و أما ما خرج من ميتة الحيوان مما لا يعد من أجزائه و أعضائه فهو طاهر كالبيض من الدجاجة الميتة إذا اكتست القشر الغليظ و كالانفحة من بطن الجدي الميت. و كاللبن الذي يحلب من الشاة الميتة كل ذلك فيما إذا كان الحيوان ليس بنجس العين و إلا فجميع ذلك نجس منه.
السقط و الجنين
أما السقط و الجنين فان كان قبل ولوج الروح فهو طاهر عيناً يتنجس بملاقاة النجاسة كما لو خرج من بطن أمه و أمه ميتة. و عليه فالسقط من الإنسان قبل ولوج الروح فيه لا يوجب
مسه الغسل على الماس و لا يجب التطهير عليه إذا لم يكن متنجساً و هكذا السقط من الحيوان نعم السقط بعد ولوج الروح فيه إذا مات فهو ميتة فيكون حكمه حكمها.
ميتة ما لا نفس له
و أما ميتة ما لا نفس له سائلة حتى الوزغ و العقرب نعم يستحب استحباباً مؤكداً التجنب عما وقعا فيه فقد ورد في الوزغ انه لا ينتفع بما يقع فيه و في العقرب بإراقة الماء الذي ماتت فيه و يمكن استفادة استحباب التجنب عن كل ما وقع فيه ميتة طاهرة ثبت استحباب النزح لها لو وقعت في ماء البئر.
هذا و لو شك في شيء انه من أجزاء الحيوان أم أجنبي عن الحيوان كما لو تردد شيء بين انه لحم حيوان أو مطاط فهو طاهر و كذا لو علم انه من أجزائه و شك في انه من ذي النفس السائلة أم لا كما لو تردد الجلد بين كونه من ذي النفس السائلة أم لا فهو طاهر و عليه فما يؤخذ من بلاد الكفر إذا احتمل فيه انه من غير ذي النفس السائلة فهو طاهر.
الكلب و الخنزير
(السادس و السابع) من النجاسات الكلب و الخنزير البريان دون البحريين فان البريين نجسان عيناً و لا فرق في الكلب بين كونه كلب صيد أو ماشية أو الحائط أو غيرها كما لا فرق بين أجزاء الكلب و الخنزير في النجاسة بين ما تحله الحياة و بين غيرها فكما ان لحم الكلب نجس فهكذا شعره و عظمه و ظفره كما انه لا فرق بين أجزائهما حال اتصالها بهما أم حال انفصالها عنهما و هكذا رطوبتهما و فضلاتهما. و لو شك في حيوان انه منهما أو من الحيوانات الطاهرة فهو طاهر.
و قد اثبت الفن ان في لحم الخنزير دودة لا يتجاوز طولها 3 ملمترات تقيم في عضلات هذا الحيوان فعند ما يأكل الإنسان لحم الخنزير و تهضمه معدته يخرج منه هذا الدود ثمّ يتزاوج و تبيض كل أنثى مئات البيض ثمّ ينمو هذا البيض إلى ديدان صغيرة تخترق جدران الأمعاء و تذهب إلى عضلات جسم الإنسان خاصة عضلات الصدر و الظهر و الرقبة و عند ذا يبتلي الإنسان بسوء الهضم و فقدان الشهية و الغثيان و القيء و الإسهال ثمّ يشعر المريض بآلام مبرحة في العضلات و يعسر منه التنفس و يخشن الصوت و تصطك الأسنان بحيث يعسر تحريكها و تجمد العينان و يتشنج الذراعان و الساقان و يصاب المريض بحمى يصحبها عرق غزير ثمّ تسوء حالة المريض و يموت بين الأسبوع الرابع أو السادس.
المسكرات
(الثامن) من النجاسات الخمر و كل شراب مسكر فالعصير المتخذ من الكرم. و النقيع المتخذ من الزبيب. و البتع المتخذ من العسل. و المزر المتخذ من الشعير. و النبيذ المتخذ من التمر و نحوها من الاشربة المسكرة نجسة منجسة قد أمر الشارع بالتجنب عنها لأنها أم الويلات و الإحن و الإضرار و المحن و مصدر الأمراض المزمنة و الآلام المرهقة قد عم بلاؤها المال و النسب و شمل وبالها العرض و الشرف طالما أقامت فتناً خرساء عمياء فرقت بها شمل الأحبة و الأصدقاء و حولت بها نفوس الأخلاء إلى أشد الأعداء أقفرت و أفقرت بفعلها الدار و الديار و التهبت بنارها الدرهم و الدينار و كثيراً ما أصيب عشاقها من جرائها بعسر الهضم المزمن نتيجة لما تحدثه فيهم من النزلات المعدية و المعوية و يصاب الكبد منها بتشحم غير قابل للعلاج و بخراجات تزداد بزيادة المشروبات و يصاب القلب بالسكتات القلبية و المخ بالضمور بسبب
تأثر أوعيته الدموية و خلاياه و تورم بعض أعضائه مما ينتهي بالجنون غالباً هذا من ناحية تأثيرها على صحة البدن و أما تأثيرها على النسل فقد دلت التجارب انها طالما سببت العقم و ولدت في الأولاد البلاهة و نقصان العقل و تشويه الخلقة خصوصاً الذين ببدء الحمل بهم وقت ان يكون الأب و الأم تحت تأثير المسكر هذا قطرة من بحر نتائجها السيئة و سوء نتائجها و لكل قاعدة شذوذ و الشاذ لا يبني عليه الحكم و لا يجعل مقياساً للعمل.
المرجع في الاسكار
و لما كان الميزان في عروض النجاسة للمسكرات المشروبة هو الاسكار فلا بد من بيان ما هو المرجع فيه فتقول ان المرجع في الاسكار هو العرف كسائر الموضوعات العرفية و عند الشك يعمل فيه بمقتضى الأصول كما في نظائره من الموضوعات العرفية التي أخذت في الأحكام الشرعية و لم يحددها الشارع المقدس و قد يعرف الاسكار بأنه حالة تبعث على نقص العقل و ضعفه حتى تعطله عن تميز الأمور الحسنة عن القبيحة مع نشوة النفس و زهوها و قيل ان السكر يشبه الجنون و الإغماء يشبه النوم كما ان المدار فيه على المتعارف من الأمزجة فالذي اعتاد على المسكر حتى اصبح لا يؤثر فيه أو لمرض في مزاجه يكون حكم المسكر ثابتاً له تحريماً و نجاسة و هكذا ما اسكر كثيره فقليله و ان لم يسكر نجس حرام شربه.
السبيرتو
ان ما تعارف التعقيم به في هذه الأيام من السبيرتو طاهر و عليه فالعطور الممزوجة بالسبيرتو طاهرة و هكذا القلونية و التنريود نعم لو مزج مائع بأحد المشروبات المسكرة كالخمر كان متنجساً بامتزاجه بذلك المشروب و مع الشك فالحكم هو الطهارة.
المسكرات الجامدة
ان المسكرات الجامدة كالبنج و الحشيشة و الأفيون كما ينقل عن بعضهم طاهرة و لو عرض للخمر أو سائر الأشربة المسكرة الجمود لم تخرج عن حكم النجاسة. و لو شك في مائع انه مسكر أم لا فهو طاهر كما لو وقع على ثوبك مائع و ترددت في انه خمر أم لا فهو طاهر و هكذا لو أخذت شيئاً من شارب الخمر و شككت انه أصابه الخمر أم لا فهو طاهر.
العصير العنبي
أما العصير العنبي و هو الماء الخارج من العنب بنفسه أو بعصر أو دق تنقيع أو غير ذلك فهو طاهر و ليس بحرام شربه قبل غليانه. و حد الغليان هو القلب بأن يصير أعلاه أسفله و أسفله أعلاه. و بعد الغليان بنفسه أو بالنار أو بالشمس أو غير ذلك لا يتنجس و لكن يحرم استعماله إلى ان يذهب ثلثاه بالنار أو بالشمس أو بالهواء أو غير ذلك أو يصير خلا و بعد ذهاب ثلثيه أو صيرورته خلا يحل استعماله نعم لو حدث فيه وصف الاسكار بأي حال كان اتصف بالنجاسة كما يتصف بالحرمة.
و لو مزج العصير العنبي بغيره و غلى فان استهلك العصير جاز استعماله لانتفاء الحرمة المحكوم بها على العصير بانتفاء موضوعها و ان لم يستهلك فبالغليان يحرم حتى يذهب ثلثاه.
و لو اغلى العنب من غير أن يخرج منه مائه لم يحرم إلا إذا طرأ عليه الاسكار.
و لو شك في تحقق الغليان للعصير جاز استعماله و هكذا لو شك في عروض الاسكار له فانه لم يحكم بنجاسته.
العصير الزبيبي و غيره
و أما عصير الزبيب و التمر و الحصرم و باقي الفواكه كالماء المتخذ من السفرجل و التفاح و الرمان و غيرها فان الجميع طاهر سواء كان قبل غليانه أو بعده ما لم يعرض عليه عارض الاسكار. و عليه فلو القي الزبيب في شيء من المطبوخات حتى غلى و تفرق لم ينجس و لم يحرم استعماله.
الفقاع
(التاسع) من النجاسات الفقاع و هو الشراب المتخذ من الشعير و منه البيرة المعروفة و منه المزر المعروف بالبوزة و قد ورد فيه انه الخمر بعينها و كيف لا يأمر الشارع بالاجتناب عنه و أضراره لا تحصى و أقلها صرعة للرأس و إيذاءة للمعدة و تأثيره على العصب و إفساده للطعام و توليده للنفخ. و ليس منه ماء الشعير الذي يستعمله الأطباء في علاج الأمراض الناشئة من الحرارة و اليبوسة.
و لو شك في شيء انه فقاع أو مائع طاهر فهو محكوم بالطهارة.
الكافر
(العاشر) من النجاسات الكافر سواء كان منكراً للألوهية أو مشركاً بها و لا فرق في النجاسة بين أجزائه التي تحلها الحياة و التي لا تحلها الحياة كالشعر و الظفر و نحوهما و بين الجزء المتصل به و المنفصل عنه حال كفره و يلحق به في النجاسة الغلاة و النواصب. ففي الحديث ان اللّه لم يخلق خلقاً انجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه.
و من شك في كفره فهو طاهر نعم الآثار المرتبة على إسلامه لا تثبت له كحل ذبيحته و تملكه للمسلم و هكذا الآثار المرتبة على كفره لا تثبت له كاستنقاصه واخذ الجزية عليه و إباحة أمواله. هذا كله إذا لم تكن إمارة شرعية تعين ذلك و ليس له حالة سابقة من إسلام أو كفر و إلا فيحكم بمقتضى الإمارة و على طبق الحالة السابقة.
عرق الإبل الجلالة
(الحادي عشر) من النجاسات عرق الإبل الجلالة دون غيره من باقي الحيوانات الجلالة كما ان جسم الإبل الجلالة و سائر فضلاته طاهرة ما عدا البول و العذرة و الحاصل ان الحيوانات الجلالة يحرم أكل لحمها و أما هي فطاهرة و سائر فضلاتها طاهرة ما عدا البول و الغائط و انما يستثنى من ذلك عرق الإبل الجلالة فقط فانه نجس و أما لعابها و سؤرها و نحو ذلك فهو طاهر.
و الجلالة هي التي تتبع عذرة الإنسان في أكلها و كان أغلب علفها منها حتى ظهر النتن في لحمها و لبنها و عرقها دون التغذي بغيرها من النجاسات و المتنجسات و لو بملاقاة العذرة فلا يجري على المتغذي بملاقي العذرة حكم الجلالة.
ما الحق بالنجاسات و هو ليس بنجس
قد عد جملة من الفقهاء من النجاسات عرق الجنب من الحرام و الحق طهارته كعرق الجنب من الحلال سواء كان الجنب رجلًا أو امرأة و سواء كانت الجنابة من زنا أو لواط أو
وطئ بهيمة أو حائض أو كانت حرمة الجنابة من جهة الصوم أو الاستمناء باليد نعم لو كان الموطأ أو الواطئ نجساً عيناً كالمشرك أو الميتة كان العرق المتصل بهما نجساً. (و منها) لبن الصبية فقد قيل بنجاسته دون لبن الصبي و لكن الظاهر طهارته.
(و منها) الدود المتولد من العذرة و الميتة أو غيرهما من النجاسات فقد ذهب بعض الفقهاء إلى نجاسته و لكن الظاهر طهارته و في خبر علي ابن جعفر (ع) انه سال أخاه (ع) عن الدود يقع من الكنيف على الثوب يصلى فيه قال (ع) لا باس إلا ان ترى فيه أثرا فتغسله.
(و منها) القي: فقد نقل عن بعض علمائنا نجاسته و لكن الظاهر طهارته و قد سأل أبو عبد اللّه (ع) عن القي يصيب الثوب و لا يغسل قال (ع) لا باس.
(و منها) الحديد فانه قد نسب لبعض نجاسته حتى ان بعضهم يتجنب أكل البطيخ و نحوه إذا قطع بالحديد و لكن الظاهر طهارته نعم يستحب مسح الرأس أو الأظافر بالماء بعد حلقه أو قصها بالحديد.
و قد ورد ما طهرت كف فيها خاتم حديد. و في آخر ما طهر اللّه يداً فيها حلقة حديد.
(و منها) بول الخيل و البغال و الحمير فقد ذهب بعض فقهائنا إلى نجاسته و لكن الظاهر هو طهارته.
الممسوخ من الحيوانات
و قد عد بعض الفقهاء من جملة النجاسات الحيوانات الممسوخة و هي التي حول اللّه صورتها التي كانت عليها إلى صورة اقبح من الأولى و يكون المراد بالممسوخ لهاهنا الحيوانات التي على صورة الممسوخة الأصلية و إلا فهي لم تبق أكثر من ثلاثة أيام بناء على المحكي عن الصدوق مرسلا في كتابه من لا يحضره الفقيه و هي حسب ما ذكره بعض الفقهاء الضب و الفارة و القرد و الخنزير و الفيل و الذئب و الأرنب و الوطواط و الجريث و العقرب و الوزغ و الزنبور و الطاووس و الخفاش و الزمير و المارماهي و الوبر و الورس و الدعموص و العنكبوت و القنفذ و سهيل و الزهرة و هما دابتان من دواب البحر و ينسب لجدي كاشف الغطاء انه زاد الكلب و الحية و العظاية و البعوض و القملة و العيفيقا و الخنفساء. و الحق أنها طاهرة ما عدا الكلب و الخنزير.
أحكام النجاسات
(منها) ان كل ما تقدم من النجاسات إذا لاقى جسماً طاهراً برطوبة مسرية و لو في أحدهما تنجس موضع الملاقاة من ذلك الجسم الطاهر دون ما إذا كانا جافين فانه لا يتنجس الطاهر بملاقاة النجس. و أما إذا لاقاه مائع غير معتصم كالماء القليل أو المضاف فانه ينجس جميعه بملاقاته للنجاسة و يستثنى من ذلك العالي الجاري على السافل كماء الميزاب و السافل الجاري نحو العالي كالفوارة بل و المساوي الجاري بدفع نحو مساويه فانه لا ينجس إلا موضع الملاقاة و ما يجري منه.
و يستفاد مما ذكرناه أمور (إحداها) ان التراب المتنجس اليابس إذا أصاب الثوب أو الفرش أو البدن كما لو أطاره الريح عليه لم يتنجس و كفى نفضه عنه و لا يضر احتمال بقاء شيء منه بعد زوال القدر المتيقن منه.
(ثانيها) ان الإناء أو الإبريق و نحوها إذا وضعا على الأرض النجسة و كان في أسفله ثقب يخرج منه الماء فان كان الماء يجري على الأرض فلا ينجس ما في الإناء و الإبريق و ان
كان واقفاً و متصلًا بما في الإبريق و الإناء تنجس ما فيهما (ثالثها) لو جمد المائع كما لو جمد الدهن أو الماء اختصت النجاسة بموضع الملاقاة نظير الثوب المرطوب و الأرض المرطوبة فان لا ينجس منهما إلا موضع الملاقاة. و لو شك في رطوبة الملاقي للنجس كثوب إذا شك في رطوبته أو علم بوجودها و شك في سرايتها أو علم بكونها مسرية سابقاً و شك في ذلك لاحقا حكم بالطهارة. و منه يظهر حكم الحشرات كالذبابة الواقعة على النجاسة إذا شك في وجود الرطوبة المسرية فيها عند وقوعها على البدن أو الثوب أو الفرش فانه يحكم بطهارة الجميع.
(و منها) ان كل متنجس حتى لو كانت عين النجاسة قد زالت عنه بالمسح و لم يبق فيه شيء منها و حتى لو كان متنجساً بالمتنجس ينجس ملاقيه على نحو ما ذكرناه في تنجيس النجاسة لملاقيها لكن لا يجري عليه أحكام النجاسة التي تنجس بها فلو تنجس الثوب بملاقاته للثوب المتنجس بالبول لا يجب فيه تعدد الغسل و هكذا لو تنجس الماء بملاقاته للإناء المتنجس بالولوغ لم يكن يجب فيه التعفر.
(و منها) انه يجب إزالة النجاسة قليلها أو كثيرها عن الثوب و البدن حتى ما لا تحله الحياة منه كالشعر للصلاة الواجبة أو المندوبة بل كل ما يتستر به كالكر باس و الجلود و اللحاف و الحصير إذا تستر بها للصلاة بل كل ما يلبسه المصلي فانه يجب أن لا يكون نجساً و لا متنجساً و يستثنى من ذلك أمور:
(أحدها) اللباس الذي لا تتم به الصلاة وحده كالقلنسوة و العرقجين و الجوراب و التكة و الخلخال فانه لو كانت متنجسة حال الصلاة لم تبطل الصلاة بها. نعم إذا كانت مأخوذة من نجس العين أو من الميتة لم تصح الصلاة بها فلو فرض ان القلنسوة التي لبسها في الصلاة كانت من جلد الميتة أو من شعر الكلب أو الخنزير لم يجز الصلاة فيها لأن الأدلة إنما دلت على استثناء خصوص الملبوس المتنجس الذي لا تتم به الصلاة دون الملبوس النجس فيبقى تحت الأدلة المانعة من الصلاة في اللباس النجس.
(ثانيها) المحمول النجس كالقارورة التي فيها البول و كالجلد الميتة يجعل بيتا للساعة أو للنظارة فانه يجوز حمله في الصلاة و عليه فسير الساعة اليدوية إذا كان محكوما عليه بكونه من الميتة فلا يجوز لبسه في الصلاة و انما يجوز حمله. و هكذا يجوز حمل المتنجس في الصلاة كالثوب المتنجس إذا كان حاملا له في الصلاة لا لابسا له و هكذا السكين المتنجسة و الدراهم المتنجسة فانه يجوز حملها في الصلاة و لا تبطل الصلاة بها و هكذا القلنسوة و الجوراب إذا كانت متنجسة فانه يجوز حملها في الصلاة كما يجوز لبسها فيها لعدم الدليل على المنع من ذلك كله و هكذا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر غيرها على كراهة.
(ثالثها) دم الفروج و الجروح و الدماميل قليلها و كثيرها فانه يجوز فيه الصلاة لمن أصيب بها سواء كان الدم على بدنه أو على ثوبه و لا يجب عليه ان يغسلهما أو يبدل ثوباً بثوب آخر و لا يلزم التحفظ من الزيادة و التعدي و ان تيسر بتعصيب أو نحوه حتى تبرأ. و لا فرق في ذلك بين أن تكون الإزالة فيها تحرج عليه أم متيسرة له. كما لا فرق بين ان يتعدى الدم في البدن أو الثوب موضع الجرح و القرحة أو لم يتعدّه ففي الخبر: (يصلي و ان كانت الدماء تسيل). كما لا فرق بين القروح و الجروح الظاهرية و الباطنية. و عليه فيكون دم الأسنان عند قلعها و دم الفصد و دم الشقوق التي توجد في حلقة الدبر و دم البواسير و النواسير من الدماء المعفو عنها و ان سألت إلى الظاهر نعم ورد في دم الرعاف إذا أصاب الرجل و هو في الصلاة انه ينفتل فيغسل انفه و يعود في صلاته كما ورد في دم البكارة انها تغتسل و تصلي. كما لا فرق