الإسلام
(السابع من المطهرات) الإسلام و هو موجب لطهارة الكافر سواء كان اصليا أو مرتداً ملياً أو فطرياً. و يكفي في إسلامه إظهاره للشهادتين إذا لم يعلم و يقطع بمخالفته لاعتقاده و عقيدته. و يطهر أيضا ما يتبعه من بصاقه و عرقه و دمعة عينه و نحو ذلك.
التبعية
(الثامن من المطهرات) التبعية و هي إنما تكون في الأشياء التي لا تنفك عن المطهر (بالفتح) حال تطهيره بحيث يكون حكم الشارع بالطهارة للمتبوع مقتضياً لطهارتها و ليس منها تبعية أولاد الكفار لآبائهم في الطهارة إذا اسلموا و انما طهارتهم لإسلامهم بإسلام آبائهم نظير أولاد المسلمين فتكون طهارتهم بالإسلام كنجاستهم بالكفر. نعم منها تبعية ظروف المسكرات و آلاتها للمسكرات في الطهارة إذا انقلبت خلًا بشرط كونها متصلة بالمتبوع حال الانقلاب و غير متنجسة بنجاسة أخرى و مثلها تبعية اليد المباشرة للغسل و آلة الدق فيما لا يعصر و الغسالة الباقية بعد العصر فإنها تطهر تبعاً لطهارة المغسول و قد أشرنا إلى جملة من الأشياء التي تطهر بالتبع و سنشير إن شاء اللّه إلى جملة أخرى منها عند البحث عن متبوعها.
الزوال
(التاسع من المطهرات) الزوال و هو يكون مطهرا في موارد ثلاثة:
(إحداها) الحيوانات الصامتة فان زوال عين النجاسة عن الحيوانات الصامتة مطلقاً ما ظهر منها و ما بطن مطهر لها فلو زال عين النجاسة عنها بأي نحو كان صار موضع النجاسة طاهرا. فالهرة إذا أكلت النجس أو المتنجس ثمّ زال أثره عن فمها طهر فمها. و هكذا منقار الدجاجة بل حتى الحيوانات المتكونة في النجاسات كالجعل و نبات وردان و الدود فإذا زال عنها عين النجاسة كانت طاهرة. و لذا لو وقع الحيوان غير مأكول اللحم في المائعات و خرج منها حيّاً لا يحكم بنجاسته مع العلم بان مخرجه قد تنجس بالبول أو العذرة أو المني و ان جسمه قد تنجس بدم الولادة. و لو شك في أن عين النجاسة أو المتنجس زالت عن الحيوان أم لا بنى على زوالها و كان محكوما بالطهارة و لا وجه لاستصحاب النجاسة.
(ثانيها) باطن الإنسان فان زوال عين النجاسة عن باطنه مطهر له و ان كانت الرطوبة الملاقية لعين النجاسة موجودة و لا فرق في جميع ما ذكرناه بين ورود النجاسة عليه من الخارج أو من الداخل.
(ثالثها) زوال التغيير عن الجاري و البئر و المطر و غيرها مما تقدم في مبحث المياه فإن زوال التغير عنها موجب لطهارتها فراجع ذلك و في عد هذا من المطهرات مبني على المساحة.
الاستبراء
(العاشر من المطهرات) استبراء الحيوان الجلال فانه مطهر لعرقه النجس و لبوله و لخروجه و موجب لحلية أكله. و المراد بالحيوان الجلال الذي هو قابل للطهارة و حلية الآكل بالاستبراء هو خصوص الحيوان المأكول اللحم ذي النفس السائلة المتغذي بعذرة الإنسان تغذية توجب صدق الجلال عليه عرفاً دون المتغذي بغيرها من النجاسات و المتنجسات فانه لا يحرم أكله إلا إذا صار من الخبائث و دون نجس العين فانه بالاستبراء لا يطهر. و الاستبراء الموجب لطهارة الحيوان الجلال و حلية أكله يختلف باختلاف الحيوانات فالناقة تحبس و تغذي
أربعين يوماً و البقرة عشرين و الشاة عشرة أيام و البطة خمسة أيام و الدجاجة ثلاثة أيام و في غيرها تحبس و تغذي حتى يزول وصف الجلل عنها و سيجيء إن شاء اللّه زيادة توضيح و فروع في كتاب الأطعمة و الاشربة. و يكون الاستبراء علامة للطهارة فيما لو كان بالخرطات بعد البول أو فيما كان بالبول بعد خروج المني فانه يكون إمارة على طهارة ما يخرج بعده من الرطوبة المشتبه على تفصيل تقدم في الاستبراء من البول و سيجيء إن شاء اللّه في الاستبراء من المني.
الغيبة
(الحادي عشر من المطهرات) غيبة الإنسان المسلم المكلف العالم بالنجاسة فانها توجب طهارة بدن الإنسان و ما يتعلق به من الثياب و الفرش و الظروف و نحوها مع احتمال طرو الطهارة عند غيبته أما إذا لم يحتمل التطهير في حقه أو احتمل و لكن اخبر ببقاء النجاسة أو كان لم يعلم بالنجاسة فيحكم عليه بالنجاسة. و أما إذا اخبر بالتطهير أو صدر منه فعل يقتضي التطهير عند نفسه كالصلاة فيحكم عليه بالطهارة و لا يخفى ان عد الغيبة من المطهرات من باب المسامحة حيث انها من الطرق المثبتة لها و الكاشفة عنها.
الأرض
(الثاني عشر من المطهرات) الأرض و هي مطهرة لمخرج الغائط بالاستنجاء بالحجر منها. و مطهرة لميتة الإنسان بالتيمم بها. و الإناء الولوغ بغسله بترابها مع غسله مرتين بالماء كما تقدم تفصيل ذلك كله. و مطهرة لباطن القدم و الخف بل كل ما يتعارف المشي به كالقبقاب و النعل بل كل ما يستعان به على المشي عند العرف كالعكازة و عصى الأعمى و نعل الدابة و خشبة الاقطع و ركبته و فخذ المقعد و يدي من يمشي على يديه و عجلات وسائط النقل. و الباطن هو ما تستره الأرض حال الاعتماد عليها. و يلحق به حواشيه و حافاته التي يتعارف إصابة النجاسة لها حال المشي فهي تطهر بالأرض كالباطن. و لا فرق في تطهير ذلك بالأرض بين مسحه بها أو بالمشي عليها كما لا فرق بين أن يكون تنجسه بالنجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض أو الحاصلة من غيره كما لو خرج من باطن رجله دم، كما لا فرق في الأرض بين التراب و الحجر و الرمل و بين المبلطة بالإسمنت و الجص و النورة و القير نعم لا يكفي المشي على الفرش و الحصير و البواري و الزرع مما لا بعد من أجزاء الأرض. و هكذا لا فرق بين الأرض المتنجسة و بين الطهارة فان المشي و المسح بكل منهما موجب للطهارة ما لم تسر نجاسة أخرى منها لباطن الممسوح بها و المشي به عليها. كما لا فرق في حصول الطهارة بالمشي أو المسح بين أن يكون في باطن القدم رطوبة قد جفت بالمشي أم لم تكن رطوبة نعم يشترط في الطهارة بالأرض أمور (أحدها) جفاف الأرض بنحو لا توجد فيها رطوبة مسرية فانه لو كانت فيها رطوبة غير مسرية لم تكن مضرة. و إذا شك في جفافها لا يحكم بكونها مطهرة إلا إذا علم بان الحالة السابقة على هذه الحال كانت جافة فتستصحب (ثانيها) زوال عين النجاسة حتى لا يبقى من أجزاء النجاسة الأجزاء التي تزول عادة بالمشي أو بالمسح و لا يضر بقاء الأجزاء التي يتعذر زوالها عادة لو فرض وجود مثل هذه الأجزاء كما لا يضر بقاء الرائحة و لا كدورة اللون و لا الرطوبة الخالصة من الأجزاء المذكورة و لا الأجزاء الأرضية التي تلصق بحسب العادة بالنعل عند المشي على الأرض أو
المسح بها و لا يعتبر زوال عين النجاسة بالمشي أو المسح بل لو كانت قد زالت قبل ذلك أو لم يكن لها جرم كالبول و الماء المتنجس ثمّ حصل المشي أو المسح كفى ذلك في حصول التطهير (ثالثها) عدم تنجس الأرض بنجاسة مسرية لباطن الممسوح بها و المشي به عليها.
الخروج
(الثالث عشر من المطهرات) الخروج و المطهر منه على أقسام ثلاثة (أحدها) هو خروج الدم من الذبيحة بالمقدار المتعارف فانه مطهر لما بقي في جوفها على القول بان الدم في الباطن نجس و الا فيكون الخروج مانعاً من تنجسه (ثانيها) خروج المقادير المنصوصة من البئر لوقوع النجاسات فيها على القول بنجاستها بها (ثالثها) خروج ماء الغسالة فانه مطهر للباقي منها لو كان نجساً.
الشهادة
(الرابع عشر من المطهرات) الشهادة و هي مطهرة لميتة الإنسان فقد تقدم ان الشهادة بين يدي النبي (ص) و الإمام (ع) أو نائبة بل كل من قتل في سبيل اللّه في كل جهاد بحق و لو في حال الغيبة كما لو دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام فان الشهادة في جميع ذلك موجبة لطهارة الشهيد.
الوضوء
و هو مستحب في نفسه فيصح الإتيان به قربة إلى اللّه تعالى و في الحديث عن إمامنا الرضا (ع): أمر بالوضوء و بدأ به قبل ليكون العبد طاهراً إذا قام بين يدي الجبار في مناجاته إياه مطيعاً له فيما أمره نقيا من الادناس و النجاسة. مع ما فيه من ذهاب الكسل و طرد النعاس و تزكية الفؤاد. و وجب ذلك على الوجه و اليدين و الرأس و الرجلين لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما ينكشف من جوارحه و يظهر ما وجب فيه الوضوء. انه بوجهه يسجد و يخضع. و بيده يسأل و يرغب و يتبتل و يرهب و برأسه يستقبل في ركوعه و سجوده. و برجليه يقوم و يقعد و وجب الغسل على الوجه و اليدين و المسح على الرأس و الرجلين لأن العبادة العظمى إنما هي الركوع و السجود و هما إنما يكونان الركوع و السجود بالوجه و اليدين لا بالرأس و الرجلين. و إن الخلق لا يطيقون في كل وقت غسل الرأس و الرجلين يشتد ذلك عليهم في البرد و السفر و المرض. و غسل الوجه و اليدين أخف من غسل الرأس و الرجلين و إنما وضعت الفرائض على قدر اقل الناس طاقة من أهل الصحة ثمّ عم فيها القوي و الضعيف. و ان الرأس و الرجلين ليس هما في كل وقت باديين و ظاهرين كالوجه و اليدين لموضع العمامة و الخفين. و وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة و من النوم دون سائر الأشياء لأن الطرفين هما طريق النجاسة و ليس للإنسان طريق تصيبه النجاسة من نفسه إلا منهما فأمروا بالطهارة عند ما تصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم و أما النوم فان النائم إذا غلب عليه النوم استرخى و يفتح كل شيء منه. و لم يأمروا بالغسل من هذه النجاسة كما أُمِروا بالغسل من الجنابة لأن هذا شيء دائم غير ممكن للخلق الاغتسال منه مما يصيب ذلك و لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها و الجنابة ليس هي أمرا دائماً و انما هي شهوة يصيبها إذا أراد و يمكنه تعجيلها و تأخيرها للأيام. الحديث و التعرض للوضوء يقع في
مباحث ثلاثة
الأول في كيفيته الثاني في موجباته الثالث فيما يجب له.
المبحث الأول كيفية الوضوء و ما يعتبر فيها
النية
و لا بد في كيفية و كمية الوضوء من أمور (الأول منها) النية و لا يخرج العبد من عهدة التكليف بالوضوء بمجرد إتيانه بأفعاله بدونها بخلاف الطهارة الخبيثة فانها لا يعتبر في صحتها ذلك. و يكفي في تحققها أن يقصد المكلف في نفسه الإتيان بالوضوء بداعي التقرب إلى اللّه تعالى و إن كان غير ملتفت إلى ذلك تفصيلًا بل يجزيه انه لو سئل عن داعي عمله و الدافع له نحوه لأجاب بأنه التقرب إلى اللّه و يلزم فيها تعيين العمل. و يكفي فيه انه لو سئل عنه لأجاب بأنه الوضوء لا اللعب أو التنظيف و يلزم حصولها قبل الشروع في أفعال الوضوء بحيث تكون الأفعال قد وقعت عنها كما يلزم استدامتها إلى انتهاء الوضوء بحيث لا ينتقل في أثناء عمله إلى نية الخلاف أو التردد في العمل. و لو نوى الخلاف في الأثناء ثمّ ارتدع عن قصده قبل أن تفوته الموالاة فأتم الوضوء كان مجزياً له. و لا يجب في النية إخطارها في الذهن و لا إحضار صورة العمل فيه. كما لا يجب فيها قصد رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو نحوها مما هو مشروط بالطهارة. و لا يجب نية الوجوب و لا الندب و لا نية وجههما و لا قصد الغاية التي من أجلها أمر بالوضوء. و لا يجب التلفظ بالنية و النطق بها. و لا يضر قصد ترجيح بعض أفراد الوضوء على بعض بعد إتيان اصل الوضوء بداعي القربة و امتثال الأمر فله أن يختار الوضوء بالماء المسخن و المكان الحار و الوقت الخاص و الكيفية الخاصة لاستلذاذه بها بعد قصده بنفس الوضوء التقرب إلى اللّه تعالى كما لا يضر لو قصد أثرا مباحاً مرتباً على الوضوء بقصد التقرب كقضاء حوائجه و طول عمره، و الحاصل أن هنا أقساماً ثلاثة (الأول) أن تكون الضمائم إلى قصد القربة مباحة كالتنظيف و التبريد و التسخين و له صور أربع (الأولى) أن يكون الداعي إلى اصل العمل هو التقرب و امتثال الأمر و لكن رجح بعض الأفراد على بعض لغايات و أغراض مباحة فيكون المقصود بالأصالة هو القربة و المقصود بالتبع هو خصوصية الفرد الذي اختاره المكلف و هذه الصورة لا إشكال في صحتها (الثانية) عكس ذلك بان يكون المقصود بالأصالة هو الغرض الدنيوي و القربة مقصودة بالتبع كأن يأتي بالوضوء للتنظيف ثمّ بقصد القربة تبعاً له و هذه لا إشكال في فسادها (الثالثة) أن يكون قاصداً لمجموعها ابتداء بحيث يكون كل منهما جزء علة حتى انه لو انفرد أحدهما على الآخر لم يقدم على العمل فان كانت الضميمة أتى بها بقصد القربة فلا إشكال في صحة العمل و إن لم يأتِ بها بقصد القربة فالأكثر على بطلان العمل و لكن الحق هو صحة العمل لانه أيضا قد حصل به القرب لله تعالى و هذا المقدار كافٍ في تحقق العبادية و لا دليل على وجوب تجرد النية عن الضمائم إذا لم تكن محرمة كما حققناه و بهذا صح زيارة الحسين (ع) لمن قصد الزيارة و التنزه و صح الحج الاستحبابي و التنزه و صح الحج الاستحبابي ممن يحج مرة ثانية بقصد التنزه أو التجارة مع القربة و إن كان قد وجهنا ذلك بتوجيه آخر و هو ان المقدمات و المكث يقصد بها ذلك دون نفس الزيارة و الحج (الرابعة) أن يكون كل منهما علة يترتب عليها الفعل لو فرض انتفاء الآخر بحيث لو لم يكن أحدهما لاقدم على العمل بداعي الآخر كما لو فرض ان بدنه قذر و عليه غسل الجنابة فان الأمر بالغسل مع تنظيف بدنه كل منهما علة لإتيان الغسل بحيث لو فرض عدم قذارة بدنه لأتى بالغسل من جهة الجنابة كما لو فرض عدم الجنابة لأتى بالغسل من جهة القذارة و الظاهر خلافا لبعضهم هو صحة العمل (القسم الثاني) و هو ما يكون الضمائم من قبيل
الأمور الراجحة شرعاً كتعليم الغير للوضوء و من هذا الباب قصد الإمام بإظهار تكبيرة الإحرام إعلام القوم و ضم الصائم إلى نية القربة بصومه قصد الحمية و ضم معطي الصدقة إلى قصد القربة إعطاء الغير لها و هذا أيضا يتصور فيه تلك الصور الأربع و الحكم فيها كالحكم في القسم الأول. (القسم الثالث) و هو ما تكون الضمائم من قبيل الأمور المحرمة كالرياء فانه قد ورد فيه (اتقوا اللّه في الرياء فانه الشرك بالله. ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء يا فاجر يا كافر يا غادر يا خاسر حبط عملك و بطل أجرك فلا خلاص لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له) و الحاصل انه لا ريب في إبطال الرياء للعمل إذا كان علة مستقلة أو جزء علة أو كان مع قصد القربة كل منهما علة لو لا الآخر كما لا ريب في صحة العبادة إذا لم يقصد شيء من ذلك و لكن يسره أن رآه الناس مشتغلًا بهذه العبادة ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال (سألته عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك قال لا بأس ما من أحد إلا و هو يحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك) كما لا ريب لو أتى ببعض أجزاء الوضوء رياءً ثمّ تداركه بأن أعاد ذلك الجزء بنية القربة لم يبطل الوضوء إذا لم يلزم فوات الموالاة.
غسل الوجه
(الثاني من الأمور) المعتبرة في الوضوء غسل الوجه و هو منتهى منابت الشعر في مقدم الرأس إلى الذقن طولًا و ما دارت عليه الوسطى و الإبهام عرضاً. و ما خرج عن ذلك ليس من الوجه المطلوب غسله نعم يغسل مقدار يسيرُ منه من باب المقدمة. و لا عبر بالانزع و الأصلع و الاغم و لا بطويل الأصابع و لا بقصيرها بل يرجع كل منهم إلى أمثاله في ذلك الوجه من مستوي الخلقة بمعنى يلاحظ ما يناسب الوجه من الأصابع حتى يكون بينهما نسبة كنسبة ما بينهما في مستوي الخلقة فيغسل ما يغسله. و يجب أن لا يكون حاجب على وجه يمنع من غسله فلو كان على شعر عينيه كحل له جرم أو على حاجبيه صبغ له جرم وجب إزالته. و لا يجب الفحص عن الحاجب بل مجرد احتمال عدمه كاف في صحة غسل وجهه نعم لو شك في حاجبية الموجود وجب تحصيل اليقين برفع حاجبيته كالسوار على المرأة و الخاتم في يد الإنسان. و يكفي في غسل الوجه الغسل من الأعلى بإجراء الماء عليه و لو بواسطة اليد مبتدئاً من منابت الشعر و منتهياً إلى طرف الذقن و لهذا جاز أن يغمس الوجه في الماء ناوياً غسله من الأعلى إلى الأسفل و ان لم يمر يده عليه. و لا يجب في غسل الوجه غسل النزعتين و هما البياضان المكتنفان بالناصية على الجبينين و هكذا لا يجب غسل الصدغين و لا بياض الأذنين و هو البياض الذي بين العذار و الأذن و لا يجب غسل فاضل اللحية عن الوجه فشعرها الخارج عن حد الوجه طولا أو عرضاً لا يجب غسله في الوضوء كما لا يجب تخليل ما أحاط به شعر اللحية من الوجه خفيفة كانت اللحية أو كثيفة و لا أهداب العين و لا الشارب و لا الحاجب و لا العنفقة بل يكفي غسل ظاهرها بإجراء الماء عليه و لا يجب ايصال الماء إلى ما تحتها، و هكذا لا يجب غسل الباطن عرفاً كباطن المنخرين و العينين و الشفتين.
غسل اليدين
(الثالث من الأمور) المعتبرة في الوضوء غسل اليدين و كل ما عد من أجزائهما و توابعهما كالإصبع الزائد و الشعر و اللحم الزائد و يجب أن يكون غسلهما من المرفقين إلى أطراف الأصابع مقدماً اليمنى على اليسرى كما هو المتعارف بين الناس فلو نكس أو لم يدخل
المرفق في الغسل أو قدم اليسرى أعاد الغسل الباطل لليد إذا لم تفت الموالاة و الا بطل وضوؤه و لا يجب غسل بواطن الأظافر و لا غسل غوامض الجروح و القروح و هكذا كل ما عد من البواطن فانه لا يجب غسله إلا إذا صارت من الظواهر و لو قطعت اليد مما دون المرفق وجب غسل الباقي من المرفق حتى الموضع الذي ظهر بالقطع و ان قطعت مما فوق المرفق سقط غسلها. و لو كان له يد زائدة وجب غسلها و يجب إزالة الحواجز المائعة لوصول الماء إلى بشرة اليد أو أظافرها فلا يصح الوضوء بالأصباغ التي لها جرم كالإصباغ المتعارفة في هذا اليوم للأظافر حيث أنها تمنع من وصول الماء لسطح الأظافر عند الوضوء نعم لا بأس بالإصباغ التي ليس لها جرم كلون الحناء و نحوها كما لا يضر طول الأظافر في صحة الوضوء إلا انه يجب غسلها تبعاً لليدين و لا يضر الوسخ الموجود بينها و بين الجلد إذا كان من البواطن و أما ما ينجمد من القيح أو الدواء على الجروح و القروح فان عد من الفضلات و الأوساخ لا من الأجزاء لليد و أمكن أزالتها وجب ان حجزت عن وصول الماء و لم يكن يصدق معها غسل البشرة و إلا فلا يجب و هكذا الأوساخ ان حجزت عن وصول الماء و لم يصدق معها غسل البشرة و أمكن إزالتها وجب و إلا فلا.
مسح الرأس
(الرابع من الأمور) المعتبرة في الوضوء مسح مقدم الرأس. و هو ربعه الملاصق للجبهة و لا يجزي غسله كما لا يجزي المسح على العمامة و القناع و غيرها من الحواجز و لو كانت رقيقة. و يكفي في المسح المذكور صدق مسماه عرفاً بأن يسمى في العرف مسحاً باليد على شيء من مقدم الرأس من دون فرق بين الرجل و المرأة. و يجب أن يكون المسح بفضل ما بقي في اليد من ماء الوضوء و ان لم يكن الغسل بها كما لو غسل للوضوء وجهه و يديه بالغمس أو بالوقوف تحت الميزاب و يجب أيضاً أن يكون بالكف سواء كان براحتها أو بأصابعها و سواء كان باليمنى أو اليسرى و مع عدم الكف يمسح بما بقي بعد قطعها. و يصح المسح و لو كان على الرأس رطوبة أو بلل أو عرق أو غيرها من الأوساخ و الادهان إذا لم تمنع من صدق المسح عليه عرفاً على سبيل الحقيقة كما ان وجود الماء الكثير على اليد من الوضوء لا يمنع من المسح بها على الرأس. و يجوز مسح الرأس من الأعلى إلى قصاص الشعر أو بالعكس كما يجوز طولًا و عرضاً كما يجوز على بشرة مقدم الرأس و على الشعر النابت عليها و أما الشعر غير النابت عليها فلا يجزي المسح عليه و لو كان متدلياً عليها كما لا يجزي المسح على ما كان متدليا من الشعر على الجبهة و ان كان نابتا عليها و الميزان في المقام هو صدق المسح على مقدم الرأس.
مسح القدمين
(الخامس من الأمور) المعتبرة في الوضوء مسح ظاهر القدمين إلى الكعبين دون باطنهما و صفحتيهما ببقية نداوة الوضوء في الكفين. و الكعب هو العظم البارز في ظهر القدم و يسمى بقبة القدم و عليه يقع شراك النعل العربي غالباً. و حد المسح بحسب الطول من أطراف الأصابع إلى كعب القدم و بحسب العرض لا حد له بل يكفي مسماه. و يعتبر في المسح عدم الحائل من خف و غيره إلا للتقية أو الضرورة كثلج يخاف على رجليه منه. و شعر القدم ليس من الحائل فيصح المسح عليه و لا يجب تخليله و إيصال نداوة الوضوء إلى البشرة. كما يعتبر في المسح أيضا حصول تأثر القدم بنداوة اليد الماسحة و لا تضر كثرة النداوة فيها كما لا يضر
وجود الرطوبة في القدم إذا لم تكن مانعة من صدق المسح بنداوة الوضوء في اليد. و يجوز مسح القدمين منكوساً بان يمسح من الكعب إلى رءوس الأصابع كما يجوز مسحهما معا دفعة واحدة أو يقدم اليمنى على اليسرى أو اليسرى على اليمنى كما يجوز الاكتفاء بمسح يد واحدة لهما أو مسح اليمنى باليد اليمنى و اليسرى باليد اليسرى أو مسح اليمنى باليد اليسرى و اليسرى باليد اليمنى و إن قطع بعض موضع المسح و بقي بعضه وجب المسح على الباقي و إذا قطع موضع المسح بأجمعه سقط المسح عن القدم و لا يسقط الوضوء عن المكلف.
الترتيب
(السادس من الأمور) المعتبرة في الوضوء الترتيب في أفعال الوضوء فأول ما يبدأ بغسل الوجه و بعده اليد اليمنى و بعدها اليد اليسرى و بعدها بمسح مقدم الرأس و بعده يمسح ظاهر القدمين و لا يقدم بعضها على بعض فلو خالف بطل الوضوء و لو جهلًا أو نسياناً. نعم لو أتى بشيء من أفعال الوضوء دون ما هو مقدم عليه أعاده مع ما هو مقدم عليه فلو غسل اليمنى دون أن يغسل الوجه غسل الوجه و أعاد غسل اليمنى و لو غسل اليسرى دون اليمنى غسل اليمنى و أعاد غسل اليسرى و هكذا الكلام فيما لو مسح الرجلين دون الرأس أعاد ما فعله بعد فعل ما هو مقدم عليه بل لو غسل الذراعين و مسح الرأس و الرجلين دون أن يغسل الوجه غسل الوجه و أعاد الجميع. و أما لو أتى بشيء من أفعال الوضوء بعد ما هو متأخر عنها أعاد ما قدمه من الأفعال دون ما أخره منها كما لو أتى بغسل الوجه بعد أن غسل اليمنى فقط و لا يجب أن يعيد غسل الوجه و هكذا إذا بدأ بيساره قبل يمينه و مسح رأسه و رجليه ثمّ التفت إلى ذلك أعاد غسل يساره و مسح رأسه و رجليه دون أن يعيد غسل يمينه و على هذا فقس الباقي إلا انه لا بد فيما ذكرناه من بقاء الموالاة بين أفعال الوضوء إذ لو كانت الموالاة غير محفوظة كان اللازم إعادة الوضوء من الأول و لا فرق في جميع ما تقدم بالنسبة إلى مخالفة الترتيب بين العضو و بين بعضه فمن ترك شيئا من الوجه إلى أن غسل يمينه ثمّ التفت إلى ذلك أعاد غسل وجهه و يمينه. و قد عرفت فيما سبق أنه لا ترتيب بين مسح الرجلين فان شاء قدم اليمنى على اليسرى و إن شاء العكس و إن شاء مسحهما دفعة واحدة و هكذا لا ترتيب في أجزاء العضو و إنما المعتبر صدق الغسل له من الأعلى إلى الأسفل عرفاً.
الموالاة
(السابع من الأمور) المعتبرة في الوضوء الموالاة و هي وصل أفعال الوضوء بعضها ببعض بحيث لا يؤخر بعضها عن بعض إلى أن يجف ما تقدم عليه فإن فرّق في الأفعال و جف ما سبق أعاد الوضوء و ان لم يجف بنى عليه و أكمل وضوءه. و لو حصل الجفاف لا من جهة التأخير بل من جهة حرارة مزاجه أو الهواء اليابس أو حرارة المكان لم يبطل وضوؤه إذا كان بين الأفعال متابعة و اتصال عرفي. و الحاصل ان الموالاة تحصل بأحد أمرين أما بعدم الجفاف أو بالمتابعة و الاتصال العرفي الموجب لصدق وحدة العمل عند العرف فإذا حصل أحد هذين الأمرين فقد حصلت الموالاة المعتبرة في الوضوء. و الجفاف المبطل للوضوء هو جفاف جميع الأعضاء المتقدمة لا خصوص العضو الذي يليه ما هو فيه. و عليه فلا يبطل الوضوء تأخير غسل اليسرى إلى أن جفت اليمنى و لكن الوجه لم يجف كما لا يبطله جفاف بعض أجزاء الأعضاء السابقة كما لو جف بعض الوجه و اليمنى عند تأخيره لغسل اليسرى. و لا فرق في اعتبار الموالاة بين الغسل و المسح.
المباشرة
(الثامن من الأمور) المعتبرة في الوضوء المباشرة بأن يأتي بأفعال الوضوء بنفسه و لا يصح أن يتولاها عنه غيره فلا يصح أن يغسل وجهه أو يديه شخص آخر و لا أن يستعين بالغير في مسح رأسه أو رجليه. و يجوز أن يتولى مقدمات الأفعال غيره كان يسخن له الماء و يقدم له الإناء أو يصب على كفه الماء ليغسل به وجهه ففي صحيحة أبي عبيدة (وضأت أبا جعفر (ع) و قد بال و استنجى ثمّ صببت عليه كفاً فغسل به وجهه و كفّاً غسل به ذراعه الأيسر ثمّ مسح بفضل الندى رأسه و رجليه) هذا كله في صورة الاختيار و أما في صورة الاضطرار فيتولى الغير غسل وجه المتوضئ و يديه و في المسح يأخذ يد المتوضئ و يمسح بها رأسه و رجليه و يكون الغير بمنزلة الآلة التي يستعان بها على ذلك فيجوز أن يكون صبيا أو مجنوناً أو حيواناً معلمًا. و النية تكون على المتوضئ لا على الغير الذي تولى وضوءه و المراد بالاضطرار في المقام ما يعم الحرج و العسر فلو تمكن من غمس العضو في الماء لم يجز تولية غسله و لو توقف على أجرة وجب دفعها إلا مع الإجحاف بماله فانه من الحرج.
صفات الماء المستعمل في الوضوء
(التاسع من الأمور) المعتبرة في الوضوء أن يكون الماء المتوضأ به جامعاً للصفات الآتية (الأولى) الإطلاق فلا يصح الوضوء بالماء المضاف كماء الورد و غيره و ما روي عن أبي الحسن (ع) من نفي البأس بالتوضؤ بماء الورد. لعله (بكسر الواو) أو المراد به الماء الموضوع فيه الأزهار بحيث لم يخرج عن الإطلاق فانه لا إشكال في جواز الوضوء به (الثانية) الطهارة فلا يصح الوضوء بالماء المتنجس (الثالثة) أن لا يكون مستعملا في رفع الخبث حتى المستعمل في الاستنجاء فانه لا يصح الوضوء به. و لا فرق في ذلك بأجمعه بين صورة الانحصار و بين عدمه و لا بين صورة الجهل و السهو و النسيان و العمد فإن الوضوء في ذلك كله باطل إذا كان الماء أقل من كر و إلا فلا إذا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة (الرابعة) إباحة استعمال الماء فلا يصح بالماء المغصوب أو الماء الذي كان استعماله مضراً به ضرراً محرماً أو كان يخاف الضرر المذكور باستعماله أو كان الماء في آنية مغصوبة أو آنية ذهب أو فضة لا يمكن التوضؤ منها إلا بارتماس الأعضاء فيها على وجه يتحقق بفعله فيها غسل العضو و التصرف فيها فان الوضوء في جميع ذلك باطل إلا إذا كان ناسياً أو جاهلًا بموضوع الغصب و الضرر أو بحكمه و هو الحرمة عن قصور لا أن يكون جهله بالحكم عن تقصير. و أما مع الحرج في استعمال الماء أو لزوم استعماله لأمر محرم أو مزاحمة استعماله بواجب آخر فالوضوء صحيح و إن كان الفرض هو التيمم و قد حكي الإجماع على وجوب التيمم في صورة ما لو كان على بدنه نجاسة و معه ماء يكفيه لإزالتها أو للوضوء و لا يكفي لمجموعها. و يكفي في إحراز رضا المالك الإذن السابق منه أو الفحوى أو شاهد حال قطعي و لا يلزم الرضا الفعلي بل يكفي العلم بأنه لو التفت المالك إلى تصرفه بالماء لرضي به. و يجوز الوضوء و الغسل من الأنهار الكبار و إن لم يعلم رضا المالكين لها إلا إذا منعوا من ذلك. و لا فرق في اعتبار الإباحة في استعمال الماء بين صورة الانحصار و عدمه.
إباحة المكان
(العاشر من الأمور) المعتبرة في الوضوء إباحة المكان بمعنى الفراغ الشاغل للجسم حتى الهواء و الفضاء المحيط به من فوقه فلو كان هذا مباحاً له صح وضوؤه و إن كان