المباشرة
(الثامن من الأمور) المعتبرة في الوضوء المباشرة بأن يأتي بأفعال الوضوء بنفسه و لا يصح أن يتولاها عنه غيره فلا يصح أن يغسل وجهه أو يديه شخص آخر و لا أن يستعين بالغير في مسح رأسه أو رجليه. و يجوز أن يتولى مقدمات الأفعال غيره كان يسخن له الماء و يقدم له الإناء أو يصب على كفه الماء ليغسل به وجهه ففي صحيحة أبي عبيدة (وضأت أبا جعفر (ع) و قد بال و استنجى ثمّ صببت عليه كفاً فغسل به وجهه و كفّاً غسل به ذراعه الأيسر ثمّ مسح بفضل الندى رأسه و رجليه) هذا كله في صورة الاختيار و أما في صورة الاضطرار فيتولى الغير غسل وجه المتوضئ و يديه و في المسح يأخذ يد المتوضئ و يمسح بها رأسه و رجليه و يكون الغير بمنزلة الآلة التي يستعان بها على ذلك فيجوز أن يكون صبيا أو مجنوناً أو حيواناً معلمًا. و النية تكون على المتوضئ لا على الغير الذي تولى وضوءه و المراد بالاضطرار في المقام ما يعم الحرج و العسر فلو تمكن من غمس العضو في الماء لم يجز تولية غسله و لو توقف على أجرة وجب دفعها إلا مع الإجحاف بماله فانه من الحرج.
صفات الماء المستعمل في الوضوء
(التاسع من الأمور) المعتبرة في الوضوء أن يكون الماء المتوضأ به جامعاً للصفات الآتية (الأولى) الإطلاق فلا يصح الوضوء بالماء المضاف كماء الورد و غيره و ما روي عن أبي الحسن (ع) من نفي البأس بالتوضؤ بماء الورد. لعله (بكسر الواو) أو المراد به الماء الموضوع فيه الأزهار بحيث لم يخرج عن الإطلاق فانه لا إشكال في جواز الوضوء به (الثانية) الطهارة فلا يصح الوضوء بالماء المتنجس (الثالثة) أن لا يكون مستعملا في رفع الخبث حتى المستعمل في الاستنجاء فانه لا يصح الوضوء به. و لا فرق في ذلك بأجمعه بين صورة الانحصار و بين عدمه و لا بين صورة الجهل و السهو و النسيان و العمد فإن الوضوء في ذلك كله باطل إذا كان الماء أقل من كر و إلا فلا إذا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة (الرابعة) إباحة استعمال الماء فلا يصح بالماء المغصوب أو الماء الذي كان استعماله مضراً به ضرراً محرماً أو كان يخاف الضرر المذكور باستعماله أو كان الماء في آنية مغصوبة أو آنية ذهب أو فضة لا يمكن التوضؤ منها إلا بارتماس الأعضاء فيها على وجه يتحقق بفعله فيها غسل العضو و التصرف فيها فان الوضوء في جميع ذلك باطل إلا إذا كان ناسياً أو جاهلًا بموضوع الغصب و الضرر أو بحكمه و هو الحرمة عن قصور لا أن يكون جهله بالحكم عن تقصير. و أما مع الحرج في استعمال الماء أو لزوم استعماله لأمر محرم أو مزاحمة استعماله بواجب آخر فالوضوء صحيح و إن كان الفرض هو التيمم و قد حكي الإجماع على وجوب التيمم في صورة ما لو كان على بدنه نجاسة و معه ماء يكفيه لإزالتها أو للوضوء و لا يكفي لمجموعها. و يكفي في إحراز رضا المالك الإذن السابق منه أو الفحوى أو شاهد حال قطعي و لا يلزم الرضا الفعلي بل يكفي العلم بأنه لو التفت المالك إلى تصرفه بالماء لرضي به. و يجوز الوضوء و الغسل من الأنهار الكبار و إن لم يعلم رضا المالكين لها إلا إذا منعوا من ذلك. و لا فرق في اعتبار الإباحة في استعمال الماء بين صورة الانحصار و عدمه.
إباحة المكان
(العاشر من الأمور) المعتبرة في الوضوء إباحة المكان بمعنى الفراغ الشاغل للجسم حتى الهواء و الفضاء المحيط به من فوقه فلو كان هذا مباحاً له صح وضوؤه و إن كان
الموضع الذي يستقر عليه مغصوباً و من هنا يتضح صحة الوضوء على البساط المغصوب المفروش في ملكه أو الوضوء بنعال مغصوب مع كون الفراغ الذي شغله مباحاً. و الأراضي الوسيعة يجوز الوضوء فيها و ان لم يعلم رضى مالكيها. و لا يبطل الوضوء أو الصلاة وقوعهما تحت الخيمة المغصوبة لأنه ليس تصرفاً فيها و ان كان الجلوس تحتها للوقاية من الحر أو البرد. و هكذا الاستضاءة بالضوء المغصوب.
سعة الوقت
(الحادي عشر من الأمور) المعتبرة في الوضوء كون الوقت متسعاً للوضوء و الصلاة إذا كان إتيانه لأجل تلك الصلاة كأن يقصد امتثال الأمر المتعلق بالوضوء من حيث الأمر بهذه الصلاة أو لاستباحة هذه الصلاة فلو قصد ذلك بوضوئه مع ضيق الوقت بطل وضوؤه. نعم لو توضأ و الحال هذه لغاية أخرى أو بقصد القربة صح وضوؤه.
وضوء ذوي الأعذار
و قد يسمى بالوضوء الاضطراري و هو على أقسام (منها) وضوء التقية و كيفيته أن يكون على طبق مذهب المتقى منه (و منها) وضوء المسلوس و المبطون و سيجيء إن شاء اللّه الكلام فيه (و منها) وضوء الاقطع و هو من قطعت بعض أعضاء وضوئه أو أحد أعضاء وضوئه فانه يسقط الحكم بالنسبة للمقطوع من العضو (و منها) وضوء ذي الجبيرة أو مطلق الحاجب و كيفيته ان من كان على أحد أعضاء وضوئه جبيرة: و هي الألواح و نحوها مما يشد على العظام المكسورة فان أمكنه معها غسل البشرة في مواضع الغسل و مسحها في مواضع المسح بلا مشقة من ضرر أو خوفه أو ألم أو عسر وجب ذلك. و إن لم يمكنه ذلك فان كانت الجبيرة على العضو الذي يجب مسحه في الوضوء كالرجلين و لم يكن مقدار منه خالياً عنها بحيث يصح المسح عليه وحده وجب المسح عليها و لا يصح تكرار الماء أو وضع المحل في إناء الماء أو صبه عليه لإيصال الماء إلى البشرة بل اللازم هو مسح الجبيرة في موضع المسح إلا إذا كان في موضع المسح مقدار من الواجب بلا جبيرة فانه يجب المسح عليه بمقدار الواجب كما لو كانت الجبيرة على إبهام رجله فانه يمسح من أطراف باقي أصابعه بالمقدار الواجب مسحه. و إن كانت الجبيرة على العضو الذي يجب غسله فان أمكن بلا مشقة ايصال الماء إلى البشرة بوضع موضع الجبر من العضو في الماء حتى يصل إلى الجلد وجب ذلك و إلا أجزأ المسح على الجبيرة ففي الحديث عن أمير المؤمنين (ع) قال سألت رسول اللّه (ص) عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ صاحبها و كيف يغتسل إذا أجنب قال يجزيه المسح بالماء عليها في الجنابة و الوضوء قلت فان كان في برد يخاف على نفسه إذا افرغ الماء على جسده فقرأ رسول اللّه (ص):لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً. و يشترط طهارة الجبيرة و عدم غصبيتها و لا يضر نجاسة باطنها أو غصبيته و لو كان ظاهرها نجساً طهرها أو جعل بدلها أو وضع عليها خرقة طاهرة على وجه تعد عرفاً من أجزاء الجبيرة فانه أيضا نحو تطهير للجبيرة ان لم يكن في ذلك مشقة و حرج عليه و إلا كان حكمه التيمم. و لو كانت غصباً و لا يمكنه استرضاء المالك و لا إبدالها و لا وضع خرقة عليها تعد جزءا من الجبيرة انتقل حكمه إلى التيمم و لا بد من استيعابها بالمسح إن كانت في الأعضاء التي تغسل و لا يجب استيعاب الثقوب و الخيوط و الطرائف. و يكفي المسح بامرار اليد عليها
بأجمعها حال كون اليد مبتلة مرة واحدة من غير أعمال جد و جهد. و لا يلزم المسح عليها بنداوة الوضوء إذا كانت في مواضع الغسل بل إن شاء بها أو شاء بغيرها. و أما إذا كانت في مواضع المسح وجب أن يكون المسح عليها بنداوة الوضوء لا بماء جديد. و هكذا لا يلزم غسل الخط المحيط بالجبيرة إذا كان فيه مشقة و حرج كما لا يلزم مسحه. و لو زادت الجبيرة عن موضع العلة بالمقدار المتعارف كفى المسح عليها. و لو زادت على المتعارف فان أمكن بلا مشقة غسل البشرة في مواضع الغسل أو مسحها في مواضع المسح فهو المتعين و إلا أجزأ المسح عليها. و لا فرق فيما ذكرنا بين كون الجبيرة على تمام العضو أو على بعضه و لا بين كونها على جميع أعضاء الوضوء أو بعضها فان حكمه المسح عليها و لا ينتقل فرضه إلى التيمم كما لا فرق فيما ذكرنا بين الوضوءات الواجبة و بين المستحبة كما لا فرق فيما ذكرنا بين الوضوء و الغسل و التيمم فإذا كان عليه الغسل أو التيمم مسح على جبائره كما في الوضوء كما يدل على ذلك إطلاق رواية كليب الاسدي عن أبي عبد اللّه (ع) في الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة قال إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل. و يلحق بالجبيرة مطلق الحاجب الذي وضع على البدن للعلاج و يتعذر إزالته أو يتعسر كالمرارة التي توضع على الإصبع أو اللطوخ أو الضماد أو الخرق التي يضمد بها الجروح أو غير ذلك مما يجعل على الكسر أو الجرح أو القرحة أو الحريق أو الوجع أو الرض أو الخلع و هكذا يلحق بها كل ما التصق بالجرح و نحوه من خرقة أو قطن أو كاغد أو نحوها بل يلحق بالجبيرة كل ما التصق بأعضاء الوضوء و لو لغير العلاج كالقير إذا التصق بأعضاء الوضوء و تعسر إزالته. و لو شق عليه مسح الجبيرة أو الحاجب أو بعض مواضع الوضوء لنجاسته أو تضرره بالماء أو خوفه أو غير ذلك كما في صورة وجع العين وجب عليه التيمم و لا يجوز له الاقتصار على غسل ما حول العضو و أما الجروح و القروح و الكسور بل كل داء في العضو كان مكشوفاً ليس عليه جبيرة و لا غيرها فان كان من الغوامض الملحقة بالبواطن غسل ما حولها في موضع الغسل و مسح حولها على مواضع المسح إن لم يكن في ذلك مشقة عليه و الا كان فرضه التيمم. و إن لم يكن من الغوامض و كان يخاف الضرر أو كان عليه حرج و مشقة في إصابة الماء له كان فرضه التيمم.
المبحث الثاني في موجبات الوضوء
وفد يعبر عنها بأسباب الوضوء و قد يعبر عنها بنواقضه و قد يعبر عنها بالإحداث الموجبة له و مرادهم بها ما يوجب الوضوء وحده لا غير و أما الذي يوجبه مع غيره فسيجيء الكلام فبها في مبحث الاغسال و هي خمسة أمور:
(أحدها) خروج البول من الإنسان سواء خرج من الموضع المعتاد له أم لا و سواء انسد الموضع الطبيعي له أو لا و سواء قل أو كثر و سواء خرج منه بنفسه أو بالواسطة كما إذا أخرجته الآلة و لو خرج من القبل شيء غير البول كالمذي و الوذي و الودي و الحصى و القيح و الدم عدا الدماء الثلاثة فان لها حكماً خاصاً لم يوجب الوضوء إلا إذا كان مستصحباً للبول فانه يوجب الوضوء لا بنفسه بل بواسطة ما استصحبه من البول و هكذا لو خرج بول الأغلف من الغلفة دون الحشفة لم يوجب الوضوء. و لو شك في خروج البول منه بنى على عدمه إلا إذا خرج منه بلل مشتبه قبل الاستبراء فانه موجب للوضوء.
(ثانيها) خروج الغائط من الإنسان مطلقاً سواء كان من الموضع المعتاد أو من غيره انسد الموضع المعتاد أم لا و لا فرق بين أن يكون خروجه بنفسه أو بالواسطة فلو ادخل خشبة
في استه فاخرج بها شيئاً من الغائط انتقض وضوؤه نعم لا بد أن ينفصل الغائط من مخرجه دون ما إذا برز و هو متصل بالمقعد غير منفصل عنها كما يتفق في بعض أهل البواسير حيث قد تخرج مقعدتهم و ربما كان فيها شيء من الغائط فيعود إلى الباطن بعودها و أما لو تدلى عن المقعدة ثمّ أرجعه بطل وضوؤه لصدق الخروج عليه بخلاف الأول و الميزان هو صدق خروج الغائط و مع الشك فالأصل عدمه. و لو خرج من دبر الإنسان حصى أو حباً أو نوى أو دماً أو دوداً أو ماء الاحتقان أو نحوها لم يبطل وضوؤه لخروج ذلك الشيء من الغائط معها و أما إذا خرجت و عليها رطوبة محضة ليست من الغائط فلا يبطل وضوؤه و مع الشك بنى على العدم.
(ثالثها) خروج الريح المعروف من الإنسان فلو ادخل في الدبر ريحاً ثمّ خرج لم يوجب الوضوء و لا فرق في إيجابه للوضوء بين خروجه من الدبر أو من غيره و سواء كان له صوت أو رائحة أو لا. و لو شك في خروجه بنى على عدمه.
(رابعها) كلما أوجب زوال العقل كالنوم و الجنون و الإغماء و السكر فإذا أوجبت هذه الأمور ذهاب العقل فقد أوجبت الوضوء و لا فرق في إيجاب ذلك للوضوء بين عروضه للشخص قاعداً أو قائماً أو على أي حال كائنا. و مع الشك في عروضه بنى على عدمه و لذا لا توجب الخفقة أو الخفقتان الوضوء ما لم يتيقن بالنوم و هكذا لا يوجبه الذهول أو الفرح أو الغفلة أو البهت ما لم تبلغ حد ذهاب العقل.
(خامسها) الاستحاضة و سيجيء إن شاء اللّه تفصيل الكلام فيها في موجبات الغسل و لا يوجب الوضوء وحده ما عدا هذه الخمسة فلا يوجبه القي و لا النخامة و لا الرعاف و لا تقليم ظفر و لا حلق شعر و لا القيلة و لا الملاعبة و لا مس القبل و لا مس الدبر و لا مس الكلب و لا أكل ما مسته النار و لا إنشاد الشعر الكثير الباطل و لا كلام الفحش و لا الكذب و لا الغيبة و لا قتل البق أو البرغوث أو الذباب و لا نتف الإبط و لا مصافحة الكافر و لا نسيان الاستنجاء و لا الضحك في الصلاة و لا التحليل إذا أدمى و ان كان في بعضها يستحب الوضوء.
اجتماع موجبات الوضوء
و لو اجتمع على المكلف موجبات الوضوء يجزيه وضوء واحد سواء كانت متحدة النوع كأن نام عدة مرات أو بال عدة مرات أو مختلفة النوع كأن نام وبال و تغوط و سواء حصلت منه دفعة واحدة كأن بال و تغوط في زمان واحد أو تدريجاً فانه في جميع الحالات يكفيه وضوء واحد ينوي به القربى إلى اللّه تعالى و لا يتعدد الوضوء بتعددها.
المبحث الثالث في ما يجب له الوضوء
و المراد به هو ما كان الوضوء شرطاً لصحته شرعاً أو شرطاً لجوازه شرعاً و هو أمور أربعة:
(الأول) الصلاة فان الطهارة شرط فيها سواء كانت يومية أو غيرها فريضة أو نافلة تماماً أو قصراً قضاء أو أداء نعم لا يلزم الوضوء في الصلاة على الجنائز و لا في سجدتي السهو و لا في سجود التلاوة و لا في سجود الشكر و يلحق بالصلاة أجزاؤها المنسية فيجب لها الوضوء كما يجب للصلاة ففي الصحيح يقضي ذلك بعينه. و في (موثقة الساباطي) في الرجل ينسى سجدة فذكرها بعد ما قام و ركع قال (ع) يمضي في صلاته و لا يسجد حتى يسلم فإذا سلم سجد مثل ما فاته.
(الثاني) الطواف الذي هو فريضة فانه يعتبر في صحته الطهارة دون المندوب ففي صحيح محمد بن مسلم قال أحدهما (ع) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور قال (ع) يتوضأ و يعيد طوافه و ان كان تطوعاً توضأ و صلى ركعتين.
(الثالث) مس كتابة القرآن الشريف فانه لا يجوز مسها الا للمطهرين سواء كانت مجتمعة أو متفرقة و سواء كتبت بالحروف العربية أو غيرها من الحروف كالسريانية و الكوفية و سواء كانت على القراطيس أو على غيرها من الصخور و الدراهم و الدنانير و نحوها. و يجوز للصبيان و المجانين مس كتابة القرآن بلا طهارة كما يجوز كذلك مس تفسيره و كتابة ترجمته بلغة أخرى كما يجوز أيضا مس الكلمات المشتركة بين القرآن الشريف و غيره إذا كتبت لا بقصد القرآن و إلا حرم مسها بدون طهارة. و أما باقي الكتب المنزلة كالتوراة و الإنجيل فيجوز مسها.
(الرابع) الإقامة للصلاة فانه يشترط فيها الطهارة فلا تصح بدونها دون الأذان فانه يصح من المحدث و لا بد ان نلحق بمباحث الوضوء فوائد تتميماً للحاجة و إليك ببيانها:
ما يستحب في الوضوء
ان ما يستحب إتيانه في الوضوء أمور كثيرة من جملتها التسمية عند وضع اليد في الماء أو صبه عليها و المضمضة و الاستياك بأي شيء كان و لو بالإصبع و الاستنشاق ثلاثاً و قراءة الأدعية المأثورة و ان يبدأ الرجل بظاهر الذراع و المرأة بباطنه و قراءة سورة القدر.
ما يستحب له الوضوء
ان الوضوء مستحب بنفسه فيصح الإتيان به قربة إلى اللّه تعالى من دون توصل لغاية من الغايات. نعم يتأكد استحبابه إذا أتى به لغاية من غاياته و هي كثيرة و منها دخول المساجد و صلاة الأموات و سجود الشكر و النوم و ورود المسافر على أهله و دخول الزوج على الزوجة أو الزوجة على الزوج و مقاربة الحامل و الكون على الطهارة و أكل الجنب و شربه.
ما يكره في الوضوء
من جملتها الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة و من الآنية المفضضة أو التي فيها التماثيل و بماء البئر إذا وقعت فيه نجاسة و لم ينزح المقدم منه و قد ورد النهي عن الوضوء بالماء الذي تسخنه الشمس معللًا ذلك بأنه يورث البرص كما قد ورد النهي عن الوضوء بالماء الآجن أي الذي قد تغير لونه و طعمه.
ما يكره له الوضوء
و المراد بالكراهة هي الكراهة التي توجد في سائر العبادات و الوضوء الذي يؤتى به بقصد استباحة الأمور المكروهة كالوضوء الذي جيء به لاستباحة الصلاة المكروهة فانه إذا أتى به لذلك كان الوضوء مكروهاً بكراهتها.
ما يحرم في الوضوء
قد تقدم بعض ما يحرم في الوضوء أو أتى به بقصد المشروعية و منه الغسلة الثالثة فقد ورد انها بدعة فيأثم الآتي بها لو أتى بها بقصد المشروعية أما لو لم يقصد بها المشروعية فلا أثم عليه و لكنه يبطل وضوءه لو مسح بمائها لأنه ليس ببلة الوضوء. و هكذا الكلام في تكرار
المسح إلا انه لو كرره لم يبطل وضوؤه لصدق المسح ببلة ماء الوضوء نعم لا بأس بصب الماء على مواضع الغسل ثلاثا أو اكثر لأجل تحقق الغسل أو تكرار المسح احتياطاً.
ما يحرم له الوضوء
و هو كل ما قصد به استباحة أمر لم يجعله الشارع لذلك كما لو قصد بوضوئه استباحة الصلاة التي كان وقتها مضيقاً بحيث لا يسع الوقت لها مع الوضوء. و منه ما لو قصد بالوضوء امرأً محرماً كمن قصد بوضوئه الرياء المحرم أو توضأ لاستباحة لعب القمار.
أحكام الوضوء
يجوز الاكتفاء بالوضوء الواحد لغايات متعددة بأن يصلي به صلاة الواجبة و المندوبة و يمس كتابة القرآن و غير ذلك من الغابات التي يكون واجباً لها أو مستحباً و لا يشترط في ترتبها عليه أن يلاحظ علية كل غاية له و التوصل به إليها لا تفصيلا و لا إجمالًا بل لو قصد واحدة ترتب الباقي عليه كما لو قصد بوضوئه دخول المسجد أو مس القرآن فانه يصح له بهذا الوضوء ان يقيم و يصلي و يطوف و يدخل على زوجته بل لو قصد به غاية خاصة ثمّ عدل عن إيقاعها صح أن يترتب الباقي عليه فلو قصد بوضوئه مس كتابة القرآن ثمّ بعد الوضوء عدل عنها صح له الدخول في الصلاة و الطواف و المساجد و غير ذلك من الغايات نعم في صورة النذر للوضوء لغاية خاصة يجب في سقوط النذر أن يأتي بالوضوء لتلك الغاية فلو نذر أن يتوضأ لقراءة القرآن وجب في إسقاط هذا النذر الإتيان بالوضوء لقراءة القرآن لان المنذور كان هو ذلك و يترتب عليه باقي الغايات و بهذا ظهر أن الوضوء بنية التجديد أو الاحتياط إذا انكشف فساد الوضوء الأول يباح به جميع الغايات كما ظهر ان الوضوء إذا كان واجبا لدخول وقت الصلاة و توضأ لغاية من الغايات المندوبة يكون وضوؤه صحيحاً و هكذا لو توضأ قبل الوقت قاصداً القربة لله تعالى أو أحد غايات الوضوء ثمّ دخل الوقت يكون وضوؤه صحيحاً و كذا لو توضأ بنية الندب ثمّ دخل الوقت و نوى الوجوب ببقية الأجزاء صح وضوؤه نعم وضوء الحائض للذكر و وضوء الجنب للنوم و الجماع و الأكل و الشرب و وضوء ماس الميت لجماع أهله لا يستباح به الغايات التي يمنع منها الحيض و الجنابة و مس الميت كالصلاة و مس كتابة القرآن إلا انه لو انكشف ان كل واحد منهم ليس بجنب و لا بماس للميت و لا بحائض و إنما كان محدثاً بالحدث الأصغر يكون وضوؤه يباح به جميع الغايات و لا يلزم عليه إعادته لدخول الصلاة و مس الكتابة و الطواف و نحوها.
الشكوك في الوضوء
و في حكمها الظن غير المعتبر شرعاً والوهم أما الظن المعتبر شرعا فهو في حكم اليقين و هي على أقسام:
(منها) الشك في الطهارة من الوضوء من جهة احتمال وقوع الحدث بعدها كأن شك بعد ما توضأ في انه نام أو خرج منه ريح أو بول أو نحو ذلك من موجبات الوضوء أم لا و حكمه يبني على بقاء الطهارة. نعم لو كان ظنه بالحدث من الظنون المعتبرة أو كان شكه في بقاء الطهارة من جهة خروج رطوبة مشتبه بالبول و لم يكن مستبرءا من البول بنى على الحدث
(و منها) الشك في الطهارة بعد اليقين بالحدث أو الظن المعتبر بالحدث أو الشك في الطهارة و الحدث دون أن يعلم أيهما اسبق و لم يعلم تأريخ حدوث أحدهما أو علم تأريخ الحدث وجب عليه التطهير لما كانت الطهارة شرطاً له لاستصحاب الحدث في الأول و الثالث
و الرجوع لقاعدة الاشتغال في الثاني بعد تعارض الاستصحابين فيه لو كانا جاريين. نعم لو علم تاريخ حدوث الوضوء بنى على الطهارة.
(و منها) الشك في فعل من أفعال الوضوء و قد تجاوز محله و هو في حال الوضوء و مقتضاه الإتيان بما شك فيه ثمّ بما بعده فلو شك في غسل وجهه و هو في حال غسل اليسرى غسل وجهه ثمّ يده اليمنى ثمّ اليسرى و يتم وضوؤه. و أما لو شك في شرط من شرائط الوضوء بعد تجاوز محله و هو في حال الوضوء فيمضي في وضوئه و لا يعتني بشكه فلو شك عند غسل اليسرى في الموالاة بين غسل الوجه و بين اليد اليمنى أو الترتيب بينهما أو شك في النية بقاء عند فعلها فلا يعتني بشكه و مضى في وضوئه و هكذا إذا شك في طهارة العضو أو الماء أو إضافته بعد انتقاله للعضو الآخر لا يعتني بشكه بالنسبة لما تقدم من الأفعال و أما بالنسبة إلى ما يأتي من الأفعال فيجب عليه إحراز طهارة العضو و الماء و عدم إضافته أما باليقين أو بالظن المعتبر أو بالأصل و بهذا يجمع بين صحيحة زرارة و موثقة ابن أبي يعفور بجعل الأولى مخصصة للثانية.
(و منها) الشك في حدوث شيء من نواقض الوضوء كالنوم و الريح فانه قد تقدم لا يعتني بشكه لو كان بعد الوضوء و هكذا لا يعتني بشكه فيها لو كان في أثناء الوضوء.
(و منها) الشك في شيء من أفعال الوضوء سواء كان من أجزائه أو شرائطه بعد الفراغ من الوضوء فانه لا يعتني بشكه و يبني على صحة وضوءه سواء تبدل وضعه أم لا فلو توضأ و هو جالس و شك في الوضوء بعد أن فرغ منه قبل أن يتحرك من محله فلا يعتني بشكه لأنه قد فرغ من حال التوضي و دخل في حال غيرها. و لو شك في أحد أفعال الوضوء و غفل عن كونه شاكاً فيه حتى فرغ من الوضوء أعاد وضوءه أما لو شك فيه ثمّ بعد الفراغ شك في انه أتى بالمشكوك في محله أم لا لم يعد وضوءه و لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون شكه في الفراغ من دون سبب سابق أو نشأ من سبب سابق مقارن للفعل بحيث لو كان ملتفتاً إليه حال الفعل لكان شاكاً فيه كما لو قطع بأنه لم يحرك خاتمه عند غسل يده للوضوء بعد الفراغ و لكنه احتمل وصول الماء للبشرة التي تحته أو التفت بعد الفراغ إلى وجود شيء مشكوك الحاجبية فان وضوءه صحيح و لا يجب عليه إعادته. و منه يظهر انه لو كان على أحد أعضاء وضوئه نجاسة و بعد الوضوء شك في انه طهره و توضأ أم لا بنى على صحة وضوئه و بقاء نجاسة العضو فيطهر كل ما لاقاه برطوبة أو لاقاها الماء الذي غسل موضع النجاسة به. و هكذا لو علم بنجاسة الماء ثمّ بعد وضوئه منه شك في انه طهر بالاتصال بالكر و نحوه ثمّ توضأ منه أم لا بنى على صحة وضوئه و نجاسة الماء فيغسل كل ما لاقاه ذلك الماء و يجري هذا الحكم في وضوء ذوي الأعذار أيضا فلو شك في مسح الجبيرة بعد فراغه من الوضوء كان وضوؤه صحيحا و لا يجب عليه إعادته. (و منها) شك من كثر شكه في الوضوء فانه لا يعتني بشكه سواء تعلق شكه في الأجزاء أو الشرائط أو الموانع و سواء كان حال الإتيان بالوضوء أو بعد الفراغ من الوضوء و سواء كان حال اشتغال بالمشكوك فيه أو بعد تجاوز محله فانه في جميع هذه الحالات لا يعتني بشكه أصلا إذ يرجع على التحقيق للوسوسة التي طالما عبثت بالعقول و أفسدت الأفكار و المعتقدات و هي و ان كانت قد تنشا من ضعف المعدة تارة و من ضعف الأعصاب أخرى إلا أنها قد يجعلها الشيطان وسيلة لذهاب الإيمان من معدنه و تحليق طائره عن و كره و قد ذكر لها الأطباء أنواعا من العلاجات إلا أن علاجها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فقد قال اللّه تعالى في
محكم كتابه:وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. و قد روي عن الصادق (ع) أن النبي (ص) قال لمن شكا إليه كثرة الوسوسة حتى لا يعقل ما صلى من زيادة أو نقصان:
إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك اليسرى بإصبعك الأيمن المسبحة ثمّ قل بسم اللّه و بالله توكلت على اللّه أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فانك تطرده عنك
. و في رواية أخرى إذا أحسست به فتعوذ بالله منه و اتفل على يسارك ثلاثاً و عن الصادق (ع) مر بيدك على صدرك و قل بسم اللّه و بالله محمد رسول اللّه و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم امسح عني ما أحذر يقول ذلك ثلاثا بعد أن يمر يده على بطنه فانه تعالى يذهب الوسوسة. و عن ابن عباس انه شكا إليه بعضهم الوسوسة و قال إذا وجدت في قلبك شيئاً فقل هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم.
مبحث الغسل
الغسل بضم الغين و سكون السين اسم مصدر و بفتحها مصدر (غَسَلَ يَغسِل) إذا طهر الشيء بالماء و أزال وسخه، و الفرق بين المصدر و اسمه ان اسم المصدر هو الدال على نفس الحدث مع عدم نسبته لفاعله فهو يدل على نفس الماهية في حد ذاتها بقطع النظر عن صدورها عن الفاعل. و المصدر هو الدال على الحدث باعتبار صدوره عن فاعله و انتسابه إليه. و في عرف الشرع أو المتشرعة نقل (الغسل) بضم الغين إلى أفعال مخصوصة بشرائط مخصوصة فلا يسمى عندهم غسل اليد بالغسل (بالضم) و انما يسمى بالغسل بفتحها.
فائدة الغسل
اثبت العلم ان لغسل البدن بالماء فوائد جليلة و منافع عظيمة فهو ينشط به الدورة الدموية. و تقوى به القوى الجسدية و العقلية. و يزيد الشهوة للطعام و تحسن به عملية الهضم و التنفس للمسام و يزيل الإفرازات الجلدية كالعرق و المواد الدهنية التي يكون ببقائها تلتصق الأقذار بالجسد و يتمركز الغبار على الجلد و ينسج هباء الألبسة على البشرة و لو لا أزالتها لكانت حياة الإنسان عرضة لأهم الأخطار و الإضرار لما يحدث بسبب بقائها من قشور جلدية تمنع من إفراز العرق من البدن و تحجب من تنفس المسام في الجسد.
و قد دلت التجارب العلمية ان الجلد إذا طلي بمادة تمنع من خروج إفرازاته و انسدت بها مسامه مات الإنسان كما يموت إذا منع منه الهواء فان الجلد يقوم بمساعدة الرئتين في التنفس إذا لم تنسد مسامه أضف إلى ذلك ما ينتج من بقاء الأوساخ على الجلد من التخديش و الحك و الالتهابات و البثور و الروائح الكريهة باختمار الأوساخ فيه كما أثبتت التجربة ان الغسل يخفف درجة الحرارة في الأبدان و تقوى به الأعصاب في الأجسام إلى غير ذلك من آثار الاغسال العظيمة و محاسنها الجليلة و لذا قد أوجبه الشارع الأعظم في عدة مواطن و ندب إليه في كثير من المواضع، و إليك الكلام فيها و اللّه الموفق للصواب.
الغسل الواجب
الغسل مستحب بنفسه فيصح أن يأتي به قربة إلى اللّه تعالى و لكنه قد يجب على الحي نفسه بأسباب ستة: الجنابة و الحيض و بعض أقسام الاستحاضة و النفاس و مس الأموات بعد بردهم بالموت و قبل تطهيرهم بالغسل و النذر كأن نذر الغسل للجمعة أو للعيدين و نحو ذلك