(الثاني) الطواف الذي هو فريضة فانه يعتبر في صحته الطهارة دون المندوب ففي صحيح محمد بن مسلم قال أحدهما (ع) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور قال (ع) يتوضأ و يعيد طوافه و ان كان تطوعاً توضأ و صلى ركعتين.
(الثالث) مس كتابة القرآن الشريف فانه لا يجوز مسها الا للمطهرين سواء كانت مجتمعة أو متفرقة و سواء كتبت بالحروف العربية أو غيرها من الحروف كالسريانية و الكوفية و سواء كانت على القراطيس أو على غيرها من الصخور و الدراهم و الدنانير و نحوها. و يجوز للصبيان و المجانين مس كتابة القرآن بلا طهارة كما يجوز كذلك مس تفسيره و كتابة ترجمته بلغة أخرى كما يجوز أيضا مس الكلمات المشتركة بين القرآن الشريف و غيره إذا كتبت لا بقصد القرآن و إلا حرم مسها بدون طهارة. و أما باقي الكتب المنزلة كالتوراة و الإنجيل فيجوز مسها.
(الرابع) الإقامة للصلاة فانه يشترط فيها الطهارة فلا تصح بدونها دون الأذان فانه يصح من المحدث و لا بد ان نلحق بمباحث الوضوء فوائد تتميماً للحاجة و إليك ببيانها:
ما يستحب في الوضوء
ان ما يستحب إتيانه في الوضوء أمور كثيرة من جملتها التسمية عند وضع اليد في الماء أو صبه عليها و المضمضة و الاستياك بأي شيء كان و لو بالإصبع و الاستنشاق ثلاثاً و قراءة الأدعية المأثورة و ان يبدأ الرجل بظاهر الذراع و المرأة بباطنه و قراءة سورة القدر.
ما يستحب له الوضوء
ان الوضوء مستحب بنفسه فيصح الإتيان به قربة إلى اللّه تعالى من دون توصل لغاية من الغايات. نعم يتأكد استحبابه إذا أتى به لغاية من غاياته و هي كثيرة و منها دخول المساجد و صلاة الأموات و سجود الشكر و النوم و ورود المسافر على أهله و دخول الزوج على الزوجة أو الزوجة على الزوج و مقاربة الحامل و الكون على الطهارة و أكل الجنب و شربه.
ما يكره في الوضوء
من جملتها الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة و من الآنية المفضضة أو التي فيها التماثيل و بماء البئر إذا وقعت فيه نجاسة و لم ينزح المقدم منه و قد ورد النهي عن الوضوء بالماء الذي تسخنه الشمس معللًا ذلك بأنه يورث البرص كما قد ورد النهي عن الوضوء بالماء الآجن أي الذي قد تغير لونه و طعمه.
ما يكره له الوضوء
و المراد بالكراهة هي الكراهة التي توجد في سائر العبادات و الوضوء الذي يؤتى به بقصد استباحة الأمور المكروهة كالوضوء الذي جيء به لاستباحة الصلاة المكروهة فانه إذا أتى به لذلك كان الوضوء مكروهاً بكراهتها.
ما يحرم في الوضوء
قد تقدم بعض ما يحرم في الوضوء أو أتى به بقصد المشروعية و منه الغسلة الثالثة فقد ورد انها بدعة فيأثم الآتي بها لو أتى بها بقصد المشروعية أما لو لم يقصد بها المشروعية فلا أثم عليه و لكنه يبطل وضوءه لو مسح بمائها لأنه ليس ببلة الوضوء. و هكذا الكلام في تكرار
المسح إلا انه لو كرره لم يبطل وضوؤه لصدق المسح ببلة ماء الوضوء نعم لا بأس بصب الماء على مواضع الغسل ثلاثا أو اكثر لأجل تحقق الغسل أو تكرار المسح احتياطاً.
ما يحرم له الوضوء
و هو كل ما قصد به استباحة أمر لم يجعله الشارع لذلك كما لو قصد بوضوئه استباحة الصلاة التي كان وقتها مضيقاً بحيث لا يسع الوقت لها مع الوضوء. و منه ما لو قصد بالوضوء امرأً محرماً كمن قصد بوضوئه الرياء المحرم أو توضأ لاستباحة لعب القمار.
أحكام الوضوء
يجوز الاكتفاء بالوضوء الواحد لغايات متعددة بأن يصلي به صلاة الواجبة و المندوبة و يمس كتابة القرآن و غير ذلك من الغابات التي يكون واجباً لها أو مستحباً و لا يشترط في ترتبها عليه أن يلاحظ علية كل غاية له و التوصل به إليها لا تفصيلا و لا إجمالًا بل لو قصد واحدة ترتب الباقي عليه كما لو قصد بوضوئه دخول المسجد أو مس القرآن فانه يصح له بهذا الوضوء ان يقيم و يصلي و يطوف و يدخل على زوجته بل لو قصد به غاية خاصة ثمّ عدل عن إيقاعها صح أن يترتب الباقي عليه فلو قصد بوضوئه مس كتابة القرآن ثمّ بعد الوضوء عدل عنها صح له الدخول في الصلاة و الطواف و المساجد و غير ذلك من الغايات نعم في صورة النذر للوضوء لغاية خاصة يجب في سقوط النذر أن يأتي بالوضوء لتلك الغاية فلو نذر أن يتوضأ لقراءة القرآن وجب في إسقاط هذا النذر الإتيان بالوضوء لقراءة القرآن لان المنذور كان هو ذلك و يترتب عليه باقي الغايات و بهذا ظهر أن الوضوء بنية التجديد أو الاحتياط إذا انكشف فساد الوضوء الأول يباح به جميع الغايات كما ظهر ان الوضوء إذا كان واجبا لدخول وقت الصلاة و توضأ لغاية من الغايات المندوبة يكون وضوؤه صحيحاً و هكذا لو توضأ قبل الوقت قاصداً القربة لله تعالى أو أحد غايات الوضوء ثمّ دخل الوقت يكون وضوؤه صحيحاً و كذا لو توضأ بنية الندب ثمّ دخل الوقت و نوى الوجوب ببقية الأجزاء صح وضوؤه نعم وضوء الحائض للذكر و وضوء الجنب للنوم و الجماع و الأكل و الشرب و وضوء ماس الميت لجماع أهله لا يستباح به الغايات التي يمنع منها الحيض و الجنابة و مس الميت كالصلاة و مس كتابة القرآن إلا انه لو انكشف ان كل واحد منهم ليس بجنب و لا بماس للميت و لا بحائض و إنما كان محدثاً بالحدث الأصغر يكون وضوؤه يباح به جميع الغايات و لا يلزم عليه إعادته لدخول الصلاة و مس الكتابة و الطواف و نحوها.
الشكوك في الوضوء
و في حكمها الظن غير المعتبر شرعاً والوهم أما الظن المعتبر شرعا فهو في حكم اليقين و هي على أقسام:
(منها) الشك في الطهارة من الوضوء من جهة احتمال وقوع الحدث بعدها كأن شك بعد ما توضأ في انه نام أو خرج منه ريح أو بول أو نحو ذلك من موجبات الوضوء أم لا و حكمه يبني على بقاء الطهارة. نعم لو كان ظنه بالحدث من الظنون المعتبرة أو كان شكه في بقاء الطهارة من جهة خروج رطوبة مشتبه بالبول و لم يكن مستبرءا من البول بنى على الحدث
(و منها) الشك في الطهارة بعد اليقين بالحدث أو الظن المعتبر بالحدث أو الشك في الطهارة و الحدث دون أن يعلم أيهما اسبق و لم يعلم تأريخ حدوث أحدهما أو علم تأريخ الحدث وجب عليه التطهير لما كانت الطهارة شرطاً له لاستصحاب الحدث في الأول و الثالث
و الرجوع لقاعدة الاشتغال في الثاني بعد تعارض الاستصحابين فيه لو كانا جاريين. نعم لو علم تاريخ حدوث الوضوء بنى على الطهارة.
(و منها) الشك في فعل من أفعال الوضوء و قد تجاوز محله و هو في حال الوضوء و مقتضاه الإتيان بما شك فيه ثمّ بما بعده فلو شك في غسل وجهه و هو في حال غسل اليسرى غسل وجهه ثمّ يده اليمنى ثمّ اليسرى و يتم وضوؤه. و أما لو شك في شرط من شرائط الوضوء بعد تجاوز محله و هو في حال الوضوء فيمضي في وضوئه و لا يعتني بشكه فلو شك عند غسل اليسرى في الموالاة بين غسل الوجه و بين اليد اليمنى أو الترتيب بينهما أو شك في النية بقاء عند فعلها فلا يعتني بشكه و مضى في وضوئه و هكذا إذا شك في طهارة العضو أو الماء أو إضافته بعد انتقاله للعضو الآخر لا يعتني بشكه بالنسبة لما تقدم من الأفعال و أما بالنسبة إلى ما يأتي من الأفعال فيجب عليه إحراز طهارة العضو و الماء و عدم إضافته أما باليقين أو بالظن المعتبر أو بالأصل و بهذا يجمع بين صحيحة زرارة و موثقة ابن أبي يعفور بجعل الأولى مخصصة للثانية.
(و منها) الشك في حدوث شيء من نواقض الوضوء كالنوم و الريح فانه قد تقدم لا يعتني بشكه لو كان بعد الوضوء و هكذا لا يعتني بشكه فيها لو كان في أثناء الوضوء.
(و منها) الشك في شيء من أفعال الوضوء سواء كان من أجزائه أو شرائطه بعد الفراغ من الوضوء فانه لا يعتني بشكه و يبني على صحة وضوءه سواء تبدل وضعه أم لا فلو توضأ و هو جالس و شك في الوضوء بعد أن فرغ منه قبل أن يتحرك من محله فلا يعتني بشكه لأنه قد فرغ من حال التوضي و دخل في حال غيرها. و لو شك في أحد أفعال الوضوء و غفل عن كونه شاكاً فيه حتى فرغ من الوضوء أعاد وضوءه أما لو شك فيه ثمّ بعد الفراغ شك في انه أتى بالمشكوك في محله أم لا لم يعد وضوءه و لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون شكه في الفراغ من دون سبب سابق أو نشأ من سبب سابق مقارن للفعل بحيث لو كان ملتفتاً إليه حال الفعل لكان شاكاً فيه كما لو قطع بأنه لم يحرك خاتمه عند غسل يده للوضوء بعد الفراغ و لكنه احتمل وصول الماء للبشرة التي تحته أو التفت بعد الفراغ إلى وجود شيء مشكوك الحاجبية فان وضوءه صحيح و لا يجب عليه إعادته. و منه يظهر انه لو كان على أحد أعضاء وضوئه نجاسة و بعد الوضوء شك في انه طهره و توضأ أم لا بنى على صحة وضوئه و بقاء نجاسة العضو فيطهر كل ما لاقاه برطوبة أو لاقاها الماء الذي غسل موضع النجاسة به. و هكذا لو علم بنجاسة الماء ثمّ بعد وضوئه منه شك في انه طهر بالاتصال بالكر و نحوه ثمّ توضأ منه أم لا بنى على صحة وضوئه و نجاسة الماء فيغسل كل ما لاقاه ذلك الماء و يجري هذا الحكم في وضوء ذوي الأعذار أيضا فلو شك في مسح الجبيرة بعد فراغه من الوضوء كان وضوؤه صحيحا و لا يجب عليه إعادته. (و منها) شك من كثر شكه في الوضوء فانه لا يعتني بشكه سواء تعلق شكه في الأجزاء أو الشرائط أو الموانع و سواء كان حال الإتيان بالوضوء أو بعد الفراغ من الوضوء و سواء كان حال اشتغال بالمشكوك فيه أو بعد تجاوز محله فانه في جميع هذه الحالات لا يعتني بشكه أصلا إذ يرجع على التحقيق للوسوسة التي طالما عبثت بالعقول و أفسدت الأفكار و المعتقدات و هي و ان كانت قد تنشا من ضعف المعدة تارة و من ضعف الأعصاب أخرى إلا أنها قد يجعلها الشيطان وسيلة لذهاب الإيمان من معدنه و تحليق طائره عن و كره و قد ذكر لها الأطباء أنواعا من العلاجات إلا أن علاجها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فقد قال اللّه تعالى في
محكم كتابه:وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. و قد روي عن الصادق (ع) أن النبي (ص) قال لمن شكا إليه كثرة الوسوسة حتى لا يعقل ما صلى من زيادة أو نقصان:
إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك اليسرى بإصبعك الأيمن المسبحة ثمّ قل بسم اللّه و بالله توكلت على اللّه أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فانك تطرده عنك
. و في رواية أخرى إذا أحسست به فتعوذ بالله منه و اتفل على يسارك ثلاثاً و عن الصادق (ع) مر بيدك على صدرك و قل بسم اللّه و بالله محمد رسول اللّه و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم امسح عني ما أحذر يقول ذلك ثلاثا بعد أن يمر يده على بطنه فانه تعالى يذهب الوسوسة. و عن ابن عباس انه شكا إليه بعضهم الوسوسة و قال إذا وجدت في قلبك شيئاً فقل هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم.
مبحث الغسل
الغسل بضم الغين و سكون السين اسم مصدر و بفتحها مصدر (غَسَلَ يَغسِل) إذا طهر الشيء بالماء و أزال وسخه، و الفرق بين المصدر و اسمه ان اسم المصدر هو الدال على نفس الحدث مع عدم نسبته لفاعله فهو يدل على نفس الماهية في حد ذاتها بقطع النظر عن صدورها عن الفاعل. و المصدر هو الدال على الحدث باعتبار صدوره عن فاعله و انتسابه إليه. و في عرف الشرع أو المتشرعة نقل (الغسل) بضم الغين إلى أفعال مخصوصة بشرائط مخصوصة فلا يسمى عندهم غسل اليد بالغسل (بالضم) و انما يسمى بالغسل بفتحها.
فائدة الغسل
اثبت العلم ان لغسل البدن بالماء فوائد جليلة و منافع عظيمة فهو ينشط به الدورة الدموية. و تقوى به القوى الجسدية و العقلية. و يزيد الشهوة للطعام و تحسن به عملية الهضم و التنفس للمسام و يزيل الإفرازات الجلدية كالعرق و المواد الدهنية التي يكون ببقائها تلتصق الأقذار بالجسد و يتمركز الغبار على الجلد و ينسج هباء الألبسة على البشرة و لو لا أزالتها لكانت حياة الإنسان عرضة لأهم الأخطار و الإضرار لما يحدث بسبب بقائها من قشور جلدية تمنع من إفراز العرق من البدن و تحجب من تنفس المسام في الجسد.
و قد دلت التجارب العلمية ان الجلد إذا طلي بمادة تمنع من خروج إفرازاته و انسدت بها مسامه مات الإنسان كما يموت إذا منع منه الهواء فان الجلد يقوم بمساعدة الرئتين في التنفس إذا لم تنسد مسامه أضف إلى ذلك ما ينتج من بقاء الأوساخ على الجلد من التخديش و الحك و الالتهابات و البثور و الروائح الكريهة باختمار الأوساخ فيه كما أثبتت التجربة ان الغسل يخفف درجة الحرارة في الأبدان و تقوى به الأعصاب في الأجسام إلى غير ذلك من آثار الاغسال العظيمة و محاسنها الجليلة و لذا قد أوجبه الشارع الأعظم في عدة مواطن و ندب إليه في كثير من المواضع، و إليك الكلام فيها و اللّه الموفق للصواب.
الغسل الواجب
الغسل مستحب بنفسه فيصح أن يأتي به قربة إلى اللّه تعالى و لكنه قد يجب على الحي نفسه بأسباب ستة: الجنابة و الحيض و بعض أقسام الاستحاضة و النفاس و مس الأموات بعد بردهم بالموت و قبل تطهيرهم بالغسل و النذر كأن نذر الغسل للجمعة أو للعيدين و نحو ذلك
و يجب على الحي لغيره كغسل الأموات و يتأكد استحبابه في موارد كثيرة سيجيء إن شاء اللّه تعالى الإشارة إليها.
غسل الجنابة
الجنابة بفتح الجيم لغة البعد و نقلت في عرف الشرع أو المتشرعة إلى نزول المني أو ما بحكمه كإدخال الحشفة في الفرج بلا إنزال من باب نقل اسم السبب للمسبب لانه بهما يحصل البعد عن العبادة و المراد في السنة الفقهاء برفع الجنابة هو رفع أثرها و هو البعد المذكور الحاصل بسببها.
[تحصل الجنابة بأمرين]
الأمر الأول الموجب للجنابة
ثمّ ان الجنابة تحصل عند الشرع بأمرين (أحدهما) نزول المني من الرجل إلى خارج البدن سواء كان من الموضع الذي يعتاد خروجه منه أو من غيره و سواء كان بالوطي أو بغيره و سواء كان قليلا أو كثيراً و سواء كان بالاختيار أو بدونه و سواء كان عند النوم أو بدونه و سواء كان مع الشهوة و الدفق و الفتور أو بدونها و في حكمه البلل المشتبه الخارج بعد غسل الجنابة مع عدم الاستبراء بالبول فلو خرج مني الرجل من غيره كما لو خرج مني الرجل من فرج المرأة بعد غسلها لم يجب عليها الغسل و انما يجب عليها التطهير للموضع الذي أصابه. و هكذا لو تحرك المني من محله و لم يخرج لم يجب الغسل و أما المرأة لو أمنت فالظاهر استحباب الغسل عليها مؤكداً و تطهر ما أصابه منها.
الشك في الجنابة
إذا شك الإنسان في جنابته لم يجب عليه الغسل و لا يحكم بجنابته كما لو رأى المني على ثوبه أو فراشه و نحو ذلك و احتمل انه من غيره أو من جنابة سابقة قد اغتسل لها أو احتمل انه جامع و لم يغتسل أو رأى شيئا على بدنه أو ما يخصه و احتمل انه ليس بمني فانه في جميع ذلك لا يجب عليه الغسل و لا يحكم بجنابته و كذا لو احتمل بأنه جامع و أمنى ثمّ استيقظ و لم يرَ شيئا على بدنه فانه ليس عليه الغسل و لا يحكم بجنابته و لو رأى المني على بدنه و قطع بأنه خارج منه و لكنه شك في انه من جنابة سابقة على غسله باقية بعد غسله أو أنها جنابة جديدة وجب عليه الغسل للجنابة لانه يعلم إجمالا أما بفساد غسله من الجنابة السابقة أو وجوب غسل جديد عليه و لو رأى المني على ثوبه أو فراشه و علم انه من جنابته و لكنه شك في أنها كانت من جنابته التي اغتسل منها أو جنابة حدثت بعد الغسل فليس عليه الغسل و هو محكوم بالطهارة من الحدث الأكبر. و أما بعده فان جهل تاريخ الغسل و الجنابة اغتسل للجنابة بنية الاحتياط و توضأ بنية الاحتياط للصلاة و يمكنه ان يكتفي بغسلة واحدة قربة إلى اللّه تعالى للكون على الطهارة و أما لو علم تأريخ أحدهما بنى عليه و رتب الآثار عليه و أما الصلاة الواقعة منه في الأثناء فان كان الشك المذكور حصل بعدها فلا يجب عليه أعادتها و يستثنى من ذلك أمور:
(أحدها) إذا كان شكه في الجنابة مسبوقاً بالعلم بها بأن كان يعلم بأنه أجنب و شك في الاغتسال منها فانه يحكم بجنابته و ان كانت الصلاة الواقعة بين جنابته و بين شكه المذكور صحيحة بأن كان الشك المذكور حدث بعد الصلاة (ثانيها) إذا خرج منه البلل المشتبه بعد غسل الجنابة مع عدم استبرائه منها بالبول فانه يحكم بجنابته (ثالثها) إذا كان البلل قد خرج منه بشهوة و دفق و فتور جسد حتى لو كان احمراً أو اصفراً كما لو اكثر من التفخيذ فانه يحكم بجنابته إذا كان صحيح الجسم و أما إذا كان مريضاً فيحكم بجنابته إذا خرج منه البلل بشهوة و عليه فلو
تجرد البلل المشتبه عن الشهوة و الفتور في الرجل الصحيح لم يكن البلل جنابة. و لو تجرد البلل المشتبه في الرجل المريض عن الشهوة لم يجب الغسل. و أما المرأة فيحكم بكون النازل منها منيّاً إذا نزل بشهوة لكنك قد عرفت عدم وجوب الغسل عليها و لكن عليها ان تطهر ما أصابه.
(رابعها) البلل الخارج بعد الاحتلام فانه ان كان المحتلم صحيحاً يحكم بجنابته ان كان البلل المذكور كثيراً. و أما ان كان قليلًا لم يحكم بجنابته و لو خرج البلل المشتبه بعد الاحتلام و لكنه كان خروجه بعد الانتباه من النوم و لم يكن بشهوة و دفق و فتور الجسد فهو ليس بجنابة. هذا إذا كان المحتلم صحيحاً و أما إذا كان مريضاً فيحكم بجنابته حتى لو كان البلل الخارج قليلا و حتى لو خرج بعد الانتباه من النوم.
الأمر الثاني الموجب للجنابة
(الأمر الثاني الموجب للجنابة) الجماع و ان لم ينزل قبلًا أو دبراً للمرأة و هو يتحقق بإدخال الحشفة في القبل أو الدبر بحيث تغيب فيه فانه بذلك يجب الغسل على الرجل و المرأة و يكون كل منهما يترتب عليه أحكام الجنابة فلو وضع ذكره على قُبل المرأة أو دبرها لم يجب عليه و لا على المرأة الغسل إذا لم يتحقق الإدخال. و مقطوع الحشفة إذا أدخل آلته وجب عليه و على المرأة الغسل. كما ان من قطعت بعض حشفته إذا ادخل باقيها بحيث تكون قد غابت في الفرج وجب الغسل. و لا فرق في وجوب الغسل على الواطي بين كونه صغيراً أو كبيراً عاقلًا أو مجنوناً. مختاراً أو مكرهاً ادخل تمام الذكر أو بعضه بحيث تغيب الحشفة ادخله ملفوفاً بخرقة أو مطاط أو نحوهما أو غير ملفوف. و لا فرق في وجوب الغسل على المرأة الموطوءة بين ان تكون حية أو ميتة صغيرة أو كبيرة مكرهة أو مختارة مجنونة أو عاقلة فانه يجب الغسل عليها. نعم الصبي و الصبية و المجنون و المجنونة يجب الغسل عليهم إذا اجتمعت فيهم شرائط التكليف هذا في الجماع للمرأة.
و أما الوطء للغلام بالإدخال في دبره فمع خروج المني من الواطئ أو الموطوء يجب الغسل على الخارج منه و أما مع عدم خروج المني من أحدهما فيجب الغسل على من أمنى و على من لم يخرج منه المني الاحتياط بالجمع بين الغسل و الوضوء إذا كان قبل الوطء محدث بالحدث الأصغر و أما إذا كان محدث بالحدث الأكبر فيكفيه الغسل. و أما ان كان قبل الوطء غير محدث لا بالأصغر و لا بالأكبر بان كان متطهراً منهما فبعد الوطء الاحوط هو الغسل فقط و هكذا إذا وطئ البهيمة فانه مع خروج المني يجب عليه الغسل و مع عدم خروجه فالاحوط الجمع بين الغسل و الوضوء إذا كان قبل الوطء محدثاً بالحدث الأصغر و أما إذا كان محدث بالحدث الأكبر فالاحوط عليه هو الغسل و أما ان كان طاهراً قبل الوطء فبعد الوطء الاحوط عليه الغسل فقط و يمكن ان يكتفي في جميع الصور بغسل واحد يأتي به للكون على الطهارة لما قررناه من كفاية الغسل عن الوضوء الواجب.
أحكام الجنابة
(الأول) انه يحرم على المجنب قراءة آية السجدة من كل واحدة من سور العزائم و هي أربعة: سورة اقرأ و سورة النجم و سورة حم تنزيل من الرحمن المسماة بسورة السجدة أو. و سورة الم تنزيل الكتاب المسماة بسورة السجدة أيضا.
(الثاني) الاحوط للمجنب عدم مس كتابة المصحف الشريف و اسم اللّه تعالى و سائر أسمائه و صفاته المختصة به و أسماء الأنبياء (ص) و الأئمة (ع) المختصة بهم و أما غير المختصة فكذلك إذا قصد باستعمالها ذاتهم
الشريفة.
(الثالث) يحرم على المجنب وضع شيء في المساجد و يجوز له أخذ شيء منها كما يحرم عليه الجلوس في المساجد و المكث فيها و يجوز له اجتيازها بالدخول من باب و الخروج من أخرى إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول (ص) فانه يحرم عليه ذلك. و الاحوط عدم دخوله المشاهد المشرفة.
(الرابع) إذا زالت آثار المسجدية زالت أحكامها فيجوز للمجنب المكث فيها و هكذا فيما شك في كونه جزءاً للمسجد لم يرتب عليه آثار المسجدية.
(الخامس) انه يجوز للإنسان أن يأتي أهله و ان لم يجد الماء و كان الوقت للصلاة قد دخل فيصح منه التيمم و لا كذلك الوضوء فلا يجوز للمكلف أن يبطل وضوءه باختيار إذا كان الوقت قد دخل و لم يجد الماء
(السادس) انه تحرم الصلاة على المجنب واجبة كانت أو مستحبة أداءً أو قضاءً و هكذا تحرم عليه صلاة الاحتياط. و الاحوط عدم إتيان سجدتي السهو مع الجنابة. نعم لا تضر الجنابة في صلاة الأموات و لا في سجود السهو و كيف كان فعلى المجنب لو أراد الصلاة أو صلاة الاحتياط أو سجدتي السهو الغسل و ان لم يتمكن فيتيمم.
(السابع) حرمة الطواف. (الثامن) حرمة الصوم عليه و سيجيء إن شاء اللّه بيان ذلك في كتاب الصوم.
ما يكره للمجنب
يكره للمجنب أمور (منها) الآكل و الشرب حتى يتوضأ و لا اقل من أن يغسل يديه و يتمضمض و يستنشق و يغسل وجهه فانه يخاف عليه من البرص و الفقر لو لم يفعل ذلك و (منها) قراءة ما زاد على سبع آيات من القرآن الشريف و (منها) مس المصحف عدا كتابته و (منها) النوم على الجنابة دون أن يغتسل أو يتوضأ أو يتيمم عند عدم وجدان الماء و (منها) أن يختضب و هو جنب أو يجنب و هو مختضب و في بعض الأخبار ان الحناء إذا أخذت مأخذها لا يكره أن يجامع. و في المروي عن مجالس الصدوق و خصاله و كره أن يغشى الرجل المرأة و قد احتلم يغتسل من احتلامه الذي رأى فان فعل و خرج الولد مجنوناً فلا يلومن إلا نفسه.
كيفية الغسل
و لغسل الجنابة كيفيتان (إحداهما) و تسمى بالترتيب و الأولى فيها و الاحوط أن يبدأ بغسل الرأس مع الرقبة ثمّ غسل الجانب الأيمن مع الرقبة و السرة و العورة قبلًا و دبراً ثمّ غسل الجانب الأيسر مع الرقبة و السرة و العورة قبلًا و دبراً أيضا ناوياً بذلك كله تحصيل الغسل المطلوب لله تعالى تقرباً لله تعالى و لو خالف في ذلك بأن قدم غسل الأيمن على غسل الرأس أعاد غسل الأيمن و هكذا لو قدم غسل الأيسر على الأيمن فالاحوط إعادة غسل الأيسر و لا يلزم على المجنب أن يبدأ بغسل العضو من أعلاه إلى أسفله بل يجوز أن يغسله منكوساً فله في غسل رأسه أن يبدأ بغسلة من أي مكان كان من أسفله أو وسطه أو أعلاه نعم الاحوط أن يؤخر غسل الرقبة عن غسل الرأس. و هكذا في غسل الجانب الأيمن أو الأيسر فان له أن يبدأ في كل منهما من الأسفل أو الأوسط أو الأعلى. و لا يجب على المجنب الموالاة بين غسل الأعضاء فله أن يؤخر غسل جانبه الأيمن عن غسل رأسه بعد جفافه بمدة من الزمن و له كذلك أن يؤخر غسل جانبه الأيسر بعد جفاف الأيمن بمدة من الزمن. نعم عليه أن يكمل غسله عند أداء ما يتوقف على الطهارة من الجنابة كالصلاة و الطواف و نحوهما.
و لو ارتمس في الماء ناوياً به غسل العضو صح كأن ارتمس في الماء ناوياً غسل رأسه صح و هكذا يصح ذلك في كل من الجانبين. و لو كان في الماء ثمّ أخذ كفاً من الماء و غسل رأسه و رقبته ثمّ ارتمس في الماء ناوياً غسل جانبه الأيمن ثمّ ارتمس ناوياً غسل جانبه الأيسر أجزأه ذلك و كان غسلًا ترتيبياً كما أن له أن يغط رأسه في الماء إلى رقبته ناوياً به غسل رأسه ثمّ يغط بدنه إلى شحمي أذنيه و يحرك بدنه ناوياً غسل جانبه الأيمن ثمّ يحرك بدنه ناوياً غسل جانبه الأيسر فانه يصح منه ذلك الغسل ترتيباً و يصح ذلك حتى لو كان في ماء اقل من الكر و أما صاحب الجبيرة أو الحاجب الذي يعسر زواله فانه يجزيه المسح عليها أو عليه كما تقدم سابقاً. (الكيفية الثانية) لغسل الجنابة الارتماس في الماء و هو عبارة عن تغطية بدنه بأجمعه في الماء و لو تدريجاً بأن يرمس كل عضو عضو في الماء حتى يستولي الماء على جميع بدنه و يكون ابتداء الغسل رمس أول عضو منه و آخر الغسل هو رمس العضو الذي به يستولي الماء على جميع بدنه. و عليه فابتداء النية للغسل الارتماسي من رمس أول عضو منه في الماء و انتهائها برمس آخر عضو منه الذي يتحقق به رمس جميع البدن في الماء. و لا يضر في الغسل أن يقع في أثنائه تخليل الماء لبشرة العضو التي لم يصل إليها الماء كما لا يضر بالغسل التصاق باطن القدم على ارض قعر الماء نعم الواجب هو تغطية سطح الماء لبدنه بعد أن أوصل الماء لظاهر بشرة كل جزء منه بحيث لو تبين بعد خروجه من الماء عدم وصول الماء لبعض البشرة أعاد الغسل مرة ثانية. و لا يضر في الارتماس كون الماء المرتمس فيه اقل من كر و لا يكون الغسل ارتماسياً بالوقوف تحت ماء المطر الغزير أو تحت الدوش الكبير و ان استوعب البدن و لو كان تحت الماء و أراد الغسل الارتماسي حرك بدنه للغسل تحت الماء بحيث يصدق عليه عرفاً انه قد صدر منه الغسل الارتماسي و صاحب الجبيرة أو الحاجب الذي يعسر زواله يكفيه الارتماس.
ما يعتبر في غسل الجنابة
يعتبر في غسل الجنابة سواء كان ارتماسيا أو ترتيبياً أمور (الأول) نية التقرب به لله تعالى من ابتداء الغسل إلى منتهاه بان تكون مرتكزة في نفسه و لا يلزم استحضارها لكنه لو التفت لرأى نفسه انه قاصد القربة بغسله هذا لله تعالى و قد تقدم في نية الوضوء سابقاً ما ينفعك هنا.
(الثاني) إيصال الماء لبشرة البدن بإزالة الحواجز و الموانع و تخليل الشعر و نحوه إذا منع وصول الماء إلى البشرة. و لا يجب الفحص عن الحاجب بل مجرد احتمال عدمه كاف في صحة الغسل.
نعم لو شك في حاجبية الموجود كالسوار على المرأة و الخاتم في يد الإنسان وجب تحصيل اليقين برفع حاجبيته و الاحوط غسل الشعر على البدن مع بشرته النابت عليها و لا يجب غسل البواطن كباطن الأنف و نحوه.
و الاحوط غسل ما شك في كونه من الظواهر أو من البواطن و ان كان الحق عدم وجوب غسله لكونه من قبيل دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و الغسل و الوضوء و التيمم هي المطلوبة لا ان المطلوب أمر معنوي و هذه محصلاته. و أما صاحب الجبيرة أو صاحب الحاجب الذي يعسر زواله فيجزيه المسح عليها أو عليه كما تقدم سابقاً.