محكم كتابه:وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. و قد روي عن الصادق (ع) أن النبي (ص) قال لمن شكا إليه كثرة الوسوسة حتى لا يعقل ما صلى من زيادة أو نقصان:
إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك اليسرى بإصبعك الأيمن المسبحة ثمّ قل بسم اللّه و بالله توكلت على اللّه أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فانك تطرده عنك
. و في رواية أخرى إذا أحسست به فتعوذ بالله منه و اتفل على يسارك ثلاثاً و عن الصادق (ع) مر بيدك على صدرك و قل بسم اللّه و بالله محمد رسول اللّه و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم امسح عني ما أحذر يقول ذلك ثلاثا بعد أن يمر يده على بطنه فانه تعالى يذهب الوسوسة. و عن ابن عباس انه شكا إليه بعضهم الوسوسة و قال إذا وجدت في قلبك شيئاً فقل هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم.
مبحث الغسل
الغسل بضم الغين و سكون السين اسم مصدر و بفتحها مصدر (غَسَلَ يَغسِل) إذا طهر الشيء بالماء و أزال وسخه، و الفرق بين المصدر و اسمه ان اسم المصدر هو الدال على نفس الحدث مع عدم نسبته لفاعله فهو يدل على نفس الماهية في حد ذاتها بقطع النظر عن صدورها عن الفاعل. و المصدر هو الدال على الحدث باعتبار صدوره عن فاعله و انتسابه إليه. و في عرف الشرع أو المتشرعة نقل (الغسل) بضم الغين إلى أفعال مخصوصة بشرائط مخصوصة فلا يسمى عندهم غسل اليد بالغسل (بالضم) و انما يسمى بالغسل بفتحها.
فائدة الغسل
اثبت العلم ان لغسل البدن بالماء فوائد جليلة و منافع عظيمة فهو ينشط به الدورة الدموية. و تقوى به القوى الجسدية و العقلية. و يزيد الشهوة للطعام و تحسن به عملية الهضم و التنفس للمسام و يزيل الإفرازات الجلدية كالعرق و المواد الدهنية التي يكون ببقائها تلتصق الأقذار بالجسد و يتمركز الغبار على الجلد و ينسج هباء الألبسة على البشرة و لو لا أزالتها لكانت حياة الإنسان عرضة لأهم الأخطار و الإضرار لما يحدث بسبب بقائها من قشور جلدية تمنع من إفراز العرق من البدن و تحجب من تنفس المسام في الجسد.
و قد دلت التجارب العلمية ان الجلد إذا طلي بمادة تمنع من خروج إفرازاته و انسدت بها مسامه مات الإنسان كما يموت إذا منع منه الهواء فان الجلد يقوم بمساعدة الرئتين في التنفس إذا لم تنسد مسامه أضف إلى ذلك ما ينتج من بقاء الأوساخ على الجلد من التخديش و الحك و الالتهابات و البثور و الروائح الكريهة باختمار الأوساخ فيه كما أثبتت التجربة ان الغسل يخفف درجة الحرارة في الأبدان و تقوى به الأعصاب في الأجسام إلى غير ذلك من آثار الاغسال العظيمة و محاسنها الجليلة و لذا قد أوجبه الشارع الأعظم في عدة مواطن و ندب إليه في كثير من المواضع، و إليك الكلام فيها و اللّه الموفق للصواب.
الغسل الواجب
الغسل مستحب بنفسه فيصح أن يأتي به قربة إلى اللّه تعالى و لكنه قد يجب على الحي نفسه بأسباب ستة: الجنابة و الحيض و بعض أقسام الاستحاضة و النفاس و مس الأموات بعد بردهم بالموت و قبل تطهيرهم بالغسل و النذر كأن نذر الغسل للجمعة أو للعيدين و نحو ذلك
و يجب على الحي لغيره كغسل الأموات و يتأكد استحبابه في موارد كثيرة سيجيء إن شاء اللّه تعالى الإشارة إليها.
غسل الجنابة
الجنابة بفتح الجيم لغة البعد و نقلت في عرف الشرع أو المتشرعة إلى نزول المني أو ما بحكمه كإدخال الحشفة في الفرج بلا إنزال من باب نقل اسم السبب للمسبب لانه بهما يحصل البعد عن العبادة و المراد في السنة الفقهاء برفع الجنابة هو رفع أثرها و هو البعد المذكور الحاصل بسببها.
[تحصل الجنابة بأمرين]
الأمر الأول الموجب للجنابة
ثمّ ان الجنابة تحصل عند الشرع بأمرين (أحدهما) نزول المني من الرجل إلى خارج البدن سواء كان من الموضع الذي يعتاد خروجه منه أو من غيره و سواء كان بالوطي أو بغيره و سواء كان قليلا أو كثيراً و سواء كان بالاختيار أو بدونه و سواء كان عند النوم أو بدونه و سواء كان مع الشهوة و الدفق و الفتور أو بدونها و في حكمه البلل المشتبه الخارج بعد غسل الجنابة مع عدم الاستبراء بالبول فلو خرج مني الرجل من غيره كما لو خرج مني الرجل من فرج المرأة بعد غسلها لم يجب عليها الغسل و انما يجب عليها التطهير للموضع الذي أصابه. و هكذا لو تحرك المني من محله و لم يخرج لم يجب الغسل و أما المرأة لو أمنت فالظاهر استحباب الغسل عليها مؤكداً و تطهر ما أصابه منها.
الشك في الجنابة
إذا شك الإنسان في جنابته لم يجب عليه الغسل و لا يحكم بجنابته كما لو رأى المني على ثوبه أو فراشه و نحو ذلك و احتمل انه من غيره أو من جنابة سابقة قد اغتسل لها أو احتمل انه جامع و لم يغتسل أو رأى شيئا على بدنه أو ما يخصه و احتمل انه ليس بمني فانه في جميع ذلك لا يجب عليه الغسل و لا يحكم بجنابته و كذا لو احتمل بأنه جامع و أمنى ثمّ استيقظ و لم يرَ شيئا على بدنه فانه ليس عليه الغسل و لا يحكم بجنابته و لو رأى المني على بدنه و قطع بأنه خارج منه و لكنه شك في انه من جنابة سابقة على غسله باقية بعد غسله أو أنها جنابة جديدة وجب عليه الغسل للجنابة لانه يعلم إجمالا أما بفساد غسله من الجنابة السابقة أو وجوب غسل جديد عليه و لو رأى المني على ثوبه أو فراشه و علم انه من جنابته و لكنه شك في أنها كانت من جنابته التي اغتسل منها أو جنابة حدثت بعد الغسل فليس عليه الغسل و هو محكوم بالطهارة من الحدث الأكبر. و أما بعده فان جهل تاريخ الغسل و الجنابة اغتسل للجنابة بنية الاحتياط و توضأ بنية الاحتياط للصلاة و يمكنه ان يكتفي بغسلة واحدة قربة إلى اللّه تعالى للكون على الطهارة و أما لو علم تأريخ أحدهما بنى عليه و رتب الآثار عليه و أما الصلاة الواقعة منه في الأثناء فان كان الشك المذكور حصل بعدها فلا يجب عليه أعادتها و يستثنى من ذلك أمور:
(أحدها) إذا كان شكه في الجنابة مسبوقاً بالعلم بها بأن كان يعلم بأنه أجنب و شك في الاغتسال منها فانه يحكم بجنابته و ان كانت الصلاة الواقعة بين جنابته و بين شكه المذكور صحيحة بأن كان الشك المذكور حدث بعد الصلاة (ثانيها) إذا خرج منه البلل المشتبه بعد غسل الجنابة مع عدم استبرائه منها بالبول فانه يحكم بجنابته (ثالثها) إذا كان البلل قد خرج منه بشهوة و دفق و فتور جسد حتى لو كان احمراً أو اصفراً كما لو اكثر من التفخيذ فانه يحكم بجنابته إذا كان صحيح الجسم و أما إذا كان مريضاً فيحكم بجنابته إذا خرج منه البلل بشهوة و عليه فلو
تجرد البلل المشتبه عن الشهوة و الفتور في الرجل الصحيح لم يكن البلل جنابة. و لو تجرد البلل المشتبه في الرجل المريض عن الشهوة لم يجب الغسل. و أما المرأة فيحكم بكون النازل منها منيّاً إذا نزل بشهوة لكنك قد عرفت عدم وجوب الغسل عليها و لكن عليها ان تطهر ما أصابه.
(رابعها) البلل الخارج بعد الاحتلام فانه ان كان المحتلم صحيحاً يحكم بجنابته ان كان البلل المذكور كثيراً. و أما ان كان قليلًا لم يحكم بجنابته و لو خرج البلل المشتبه بعد الاحتلام و لكنه كان خروجه بعد الانتباه من النوم و لم يكن بشهوة و دفق و فتور الجسد فهو ليس بجنابة. هذا إذا كان المحتلم صحيحاً و أما إذا كان مريضاً فيحكم بجنابته حتى لو كان البلل الخارج قليلا و حتى لو خرج بعد الانتباه من النوم.
الأمر الثاني الموجب للجنابة
(الأمر الثاني الموجب للجنابة) الجماع و ان لم ينزل قبلًا أو دبراً للمرأة و هو يتحقق بإدخال الحشفة في القبل أو الدبر بحيث تغيب فيه فانه بذلك يجب الغسل على الرجل و المرأة و يكون كل منهما يترتب عليه أحكام الجنابة فلو وضع ذكره على قُبل المرأة أو دبرها لم يجب عليه و لا على المرأة الغسل إذا لم يتحقق الإدخال. و مقطوع الحشفة إذا أدخل آلته وجب عليه و على المرأة الغسل. كما ان من قطعت بعض حشفته إذا ادخل باقيها بحيث تكون قد غابت في الفرج وجب الغسل. و لا فرق في وجوب الغسل على الواطي بين كونه صغيراً أو كبيراً عاقلًا أو مجنوناً. مختاراً أو مكرهاً ادخل تمام الذكر أو بعضه بحيث تغيب الحشفة ادخله ملفوفاً بخرقة أو مطاط أو نحوهما أو غير ملفوف. و لا فرق في وجوب الغسل على المرأة الموطوءة بين ان تكون حية أو ميتة صغيرة أو كبيرة مكرهة أو مختارة مجنونة أو عاقلة فانه يجب الغسل عليها. نعم الصبي و الصبية و المجنون و المجنونة يجب الغسل عليهم إذا اجتمعت فيهم شرائط التكليف هذا في الجماع للمرأة.
و أما الوطء للغلام بالإدخال في دبره فمع خروج المني من الواطئ أو الموطوء يجب الغسل على الخارج منه و أما مع عدم خروج المني من أحدهما فيجب الغسل على من أمنى و على من لم يخرج منه المني الاحتياط بالجمع بين الغسل و الوضوء إذا كان قبل الوطء محدث بالحدث الأصغر و أما إذا كان محدث بالحدث الأكبر فيكفيه الغسل. و أما ان كان قبل الوطء غير محدث لا بالأصغر و لا بالأكبر بان كان متطهراً منهما فبعد الوطء الاحوط هو الغسل فقط و هكذا إذا وطئ البهيمة فانه مع خروج المني يجب عليه الغسل و مع عدم خروجه فالاحوط الجمع بين الغسل و الوضوء إذا كان قبل الوطء محدثاً بالحدث الأصغر و أما إذا كان محدث بالحدث الأكبر فالاحوط عليه هو الغسل و أما ان كان طاهراً قبل الوطء فبعد الوطء الاحوط عليه الغسل فقط و يمكن ان يكتفي في جميع الصور بغسل واحد يأتي به للكون على الطهارة لما قررناه من كفاية الغسل عن الوضوء الواجب.
أحكام الجنابة
(الأول) انه يحرم على المجنب قراءة آية السجدة من كل واحدة من سور العزائم و هي أربعة: سورة اقرأ و سورة النجم و سورة حم تنزيل من الرحمن المسماة بسورة السجدة أو. و سورة الم تنزيل الكتاب المسماة بسورة السجدة أيضا.
(الثاني) الاحوط للمجنب عدم مس كتابة المصحف الشريف و اسم اللّه تعالى و سائر أسمائه و صفاته المختصة به و أسماء الأنبياء (ص) و الأئمة (ع) المختصة بهم و أما غير المختصة فكذلك إذا قصد باستعمالها ذاتهم
الشريفة.
(الثالث) يحرم على المجنب وضع شيء في المساجد و يجوز له أخذ شيء منها كما يحرم عليه الجلوس في المساجد و المكث فيها و يجوز له اجتيازها بالدخول من باب و الخروج من أخرى إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول (ص) فانه يحرم عليه ذلك. و الاحوط عدم دخوله المشاهد المشرفة.
(الرابع) إذا زالت آثار المسجدية زالت أحكامها فيجوز للمجنب المكث فيها و هكذا فيما شك في كونه جزءاً للمسجد لم يرتب عليه آثار المسجدية.
(الخامس) انه يجوز للإنسان أن يأتي أهله و ان لم يجد الماء و كان الوقت للصلاة قد دخل فيصح منه التيمم و لا كذلك الوضوء فلا يجوز للمكلف أن يبطل وضوءه باختيار إذا كان الوقت قد دخل و لم يجد الماء
(السادس) انه تحرم الصلاة على المجنب واجبة كانت أو مستحبة أداءً أو قضاءً و هكذا تحرم عليه صلاة الاحتياط. و الاحوط عدم إتيان سجدتي السهو مع الجنابة. نعم لا تضر الجنابة في صلاة الأموات و لا في سجود السهو و كيف كان فعلى المجنب لو أراد الصلاة أو صلاة الاحتياط أو سجدتي السهو الغسل و ان لم يتمكن فيتيمم.
(السابع) حرمة الطواف. (الثامن) حرمة الصوم عليه و سيجيء إن شاء اللّه بيان ذلك في كتاب الصوم.
ما يكره للمجنب
يكره للمجنب أمور (منها) الآكل و الشرب حتى يتوضأ و لا اقل من أن يغسل يديه و يتمضمض و يستنشق و يغسل وجهه فانه يخاف عليه من البرص و الفقر لو لم يفعل ذلك و (منها) قراءة ما زاد على سبع آيات من القرآن الشريف و (منها) مس المصحف عدا كتابته و (منها) النوم على الجنابة دون أن يغتسل أو يتوضأ أو يتيمم عند عدم وجدان الماء و (منها) أن يختضب و هو جنب أو يجنب و هو مختضب و في بعض الأخبار ان الحناء إذا أخذت مأخذها لا يكره أن يجامع. و في المروي عن مجالس الصدوق و خصاله و كره أن يغشى الرجل المرأة و قد احتلم يغتسل من احتلامه الذي رأى فان فعل و خرج الولد مجنوناً فلا يلومن إلا نفسه.
كيفية الغسل
و لغسل الجنابة كيفيتان (إحداهما) و تسمى بالترتيب و الأولى فيها و الاحوط أن يبدأ بغسل الرأس مع الرقبة ثمّ غسل الجانب الأيمن مع الرقبة و السرة و العورة قبلًا و دبراً ثمّ غسل الجانب الأيسر مع الرقبة و السرة و العورة قبلًا و دبراً أيضا ناوياً بذلك كله تحصيل الغسل المطلوب لله تعالى تقرباً لله تعالى و لو خالف في ذلك بأن قدم غسل الأيمن على غسل الرأس أعاد غسل الأيمن و هكذا لو قدم غسل الأيسر على الأيمن فالاحوط إعادة غسل الأيسر و لا يلزم على المجنب أن يبدأ بغسل العضو من أعلاه إلى أسفله بل يجوز أن يغسله منكوساً فله في غسل رأسه أن يبدأ بغسلة من أي مكان كان من أسفله أو وسطه أو أعلاه نعم الاحوط أن يؤخر غسل الرقبة عن غسل الرأس. و هكذا في غسل الجانب الأيمن أو الأيسر فان له أن يبدأ في كل منهما من الأسفل أو الأوسط أو الأعلى. و لا يجب على المجنب الموالاة بين غسل الأعضاء فله أن يؤخر غسل جانبه الأيمن عن غسل رأسه بعد جفافه بمدة من الزمن و له كذلك أن يؤخر غسل جانبه الأيسر بعد جفاف الأيمن بمدة من الزمن. نعم عليه أن يكمل غسله عند أداء ما يتوقف على الطهارة من الجنابة كالصلاة و الطواف و نحوهما.
و لو ارتمس في الماء ناوياً به غسل العضو صح كأن ارتمس في الماء ناوياً غسل رأسه صح و هكذا يصح ذلك في كل من الجانبين. و لو كان في الماء ثمّ أخذ كفاً من الماء و غسل رأسه و رقبته ثمّ ارتمس في الماء ناوياً غسل جانبه الأيمن ثمّ ارتمس ناوياً غسل جانبه الأيسر أجزأه ذلك و كان غسلًا ترتيبياً كما أن له أن يغط رأسه في الماء إلى رقبته ناوياً به غسل رأسه ثمّ يغط بدنه إلى شحمي أذنيه و يحرك بدنه ناوياً غسل جانبه الأيمن ثمّ يحرك بدنه ناوياً غسل جانبه الأيسر فانه يصح منه ذلك الغسل ترتيباً و يصح ذلك حتى لو كان في ماء اقل من الكر و أما صاحب الجبيرة أو الحاجب الذي يعسر زواله فانه يجزيه المسح عليها أو عليه كما تقدم سابقاً. (الكيفية الثانية) لغسل الجنابة الارتماس في الماء و هو عبارة عن تغطية بدنه بأجمعه في الماء و لو تدريجاً بأن يرمس كل عضو عضو في الماء حتى يستولي الماء على جميع بدنه و يكون ابتداء الغسل رمس أول عضو منه و آخر الغسل هو رمس العضو الذي به يستولي الماء على جميع بدنه. و عليه فابتداء النية للغسل الارتماسي من رمس أول عضو منه في الماء و انتهائها برمس آخر عضو منه الذي يتحقق به رمس جميع البدن في الماء. و لا يضر في الغسل أن يقع في أثنائه تخليل الماء لبشرة العضو التي لم يصل إليها الماء كما لا يضر بالغسل التصاق باطن القدم على ارض قعر الماء نعم الواجب هو تغطية سطح الماء لبدنه بعد أن أوصل الماء لظاهر بشرة كل جزء منه بحيث لو تبين بعد خروجه من الماء عدم وصول الماء لبعض البشرة أعاد الغسل مرة ثانية. و لا يضر في الارتماس كون الماء المرتمس فيه اقل من كر و لا يكون الغسل ارتماسياً بالوقوف تحت ماء المطر الغزير أو تحت الدوش الكبير و ان استوعب البدن و لو كان تحت الماء و أراد الغسل الارتماسي حرك بدنه للغسل تحت الماء بحيث يصدق عليه عرفاً انه قد صدر منه الغسل الارتماسي و صاحب الجبيرة أو الحاجب الذي يعسر زواله يكفيه الارتماس.
ما يعتبر في غسل الجنابة
يعتبر في غسل الجنابة سواء كان ارتماسيا أو ترتيبياً أمور (الأول) نية التقرب به لله تعالى من ابتداء الغسل إلى منتهاه بان تكون مرتكزة في نفسه و لا يلزم استحضارها لكنه لو التفت لرأى نفسه انه قاصد القربة بغسله هذا لله تعالى و قد تقدم في نية الوضوء سابقاً ما ينفعك هنا.
(الثاني) إيصال الماء لبشرة البدن بإزالة الحواجز و الموانع و تخليل الشعر و نحوه إذا منع وصول الماء إلى البشرة. و لا يجب الفحص عن الحاجب بل مجرد احتمال عدمه كاف في صحة الغسل.
نعم لو شك في حاجبية الموجود كالسوار على المرأة و الخاتم في يد الإنسان وجب تحصيل اليقين برفع حاجبيته و الاحوط غسل الشعر على البدن مع بشرته النابت عليها و لا يجب غسل البواطن كباطن الأنف و نحوه.
و الاحوط غسل ما شك في كونه من الظواهر أو من البواطن و ان كان الحق عدم وجوب غسله لكونه من قبيل دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و الغسل و الوضوء و التيمم هي المطلوبة لا ان المطلوب أمر معنوي و هذه محصلاته. و أما صاحب الجبيرة أو صاحب الحاجب الذي يعسر زواله فيجزيه المسح عليها أو عليه كما تقدم سابقاً.
(الثالث) الاحوط في صحة الغسل تطهير المحل من النجاسة حين غسله و لا يجب تطهير البدن من النجاسة قبل الشروع في الغسل بل يجوز له أن يطهر كل عضو قبل غسله و لا يضر بصحة الغسل تنجس المحل بعد غسله. فلو تنجس رأسه بعد غسله بالغسل الترتيبي لا يعيد غسل رأسه بل يمضي في غسله.
(الرابع) يشترط في الماء الذي يغتسل به ما يشترط في ماء الوضوء من الإطلاق و الطهارة. و عدم الضرر في استعماله ضرراً موقعاً في التهلكة و إذا حصل له الخوف من ذلك صح تيممه بدل الغسل. و إباحة الماء و إباحة الإناء الذي يقع فيه الغسل كالحوض الذي يرتمس فيه أو يغسل فيه غسلًا ترتيبياً بحيث يتحد التصرف في الإناء مع فعل الغسل. و عدم استعمال الماء في رفع الخبث إذا كان اقل من كر كما تقدم في الماء المستعمل في الوضوء.
(الخامس) سعة الوقت للغسل و الصلاة. و لو شك في سعة الوقت بل و حتى لو خاف فوته كان عليه الغسل للاستصحاب.
نعم في صورة ما إذا لم يكن عنده الماء و خاف فوت الوقت لو طلب الماء كان عليه التيمم لصحيحة زرارة.
(السادس) إباحة المكان الذي يغتسل فيه إذا اتحد التصرف في المكان مع فعل الغسل.
(السابع) المباشرة للغسل بنفسه لا بواسطة الغير كما تقدم في الوضوء الا عند الاضطرار أو الحرج فانه يجوز أن يتولى غيره غسله.
أحكام غسل الجنابة
(أحدها) ان غسل الجنابة يجزي عن الوضوء فلا يجب معه الوضوء لا قبله و لا بعده. بل الظاهر ان كل غسل الواجب منه و المندوب كغسل الجمعة يجزي عن الوضوء.
(ثانيها) ان الغسل الترتيبي قد يتعين بأمر عارض يقتضي تعينه كما في الصوم و كما إذا لم يرض مالك الماء بالارتماس فيه و نحو ذلك كما ان الارتماسي قد يتعين بأمر عارض كما في ضيق الوقت أو عدم رضاء صاحب الماء بالغسل الترتيبي فيه و نحو ذلك.
(ثالثها) الماء القليل يجوز أن يغتسل فيه ارتماساً و ترتيباً و أن يتوضأ منه بعد الاغتسال فيه كل ذلك ما لم يتنجس بإصابته للنجاسة كالمني و نحوه.
(رابعها) لو شك في وقوع الغسل منه بنى على عدم وقوعه منه. و لو علم بوقوعه منه و بعد الفراغ منه شك في وقوعه على الوجه الصحيح بنى على صحته. و إذا شك في وقوع غسل رأسه أو في شرط من شرائطه و قد دخل في غسل غيره أو شك في وقوع غسل الشق الأيمن أو في شرط من شرائطه و قد دخل في غيره بنى على وقوعه و صحته بل و لو شك في غسل الأيسر و قد دخل في غيره و كان من عادته أن لا يرتكب ذلك الغير إلا بعد أن يوقع غسل الطرف الأيسر على نحو الصحة بنى على وقوعه و صحته كما إذا كان من عادته لبس ثيابه النظيفة بعده. و أما لو شك في أحدها قبل الدخول في غيره أتى به.
ثمّ انه لو شك في وقوع الغسل منه بعد ان صلى بنى على صحة صلاته و اغتسل للصلاة الأخرى و لو شك في أثناء الصلاة في وقوع الغسل منه فالاحوط إتمام صلاته ثمّ يغتسل ثمّ يعيد صلاته و ان كان الظاهر انه يتم صلاته و يغتسل للصلاة الآتية لأن الحق ان الشرط للصلاة هو نفس الغسل أو نفس الوضوء و الشك في أحدهما في أثناء الصلاة شك بعد تجاوز المحل لهما من قبيل الشك في الشرط المتقدم نعم لو كان الشرط هو الطهارة و قلنا انها
أمر معنوي مسبب عن الغسل و الوضوء لا انها عبارة عن نفس الغسل و الوضوء كان عليه إعادة الصلاة لأن الشك فيهما يكون شكا في محله لا بعد تجاوز محله.
(خامسها) انه لو اغتسل باعتقاد سعة الوقت ثمّ ظهر له ضيقه و ان وظيفته التيمم فان كان قصد بالغسل التقرب لله تعالى من جهة مطلوبيته المطلقة صح منه الغسل و أما لو قصد امتثال المطلوبية الغيرية للغسل بحيث لو لم تكن هذه المطلوبية الغيرية لم يفعل الغسل كان الغسل باطلًا. و لو تيمم باعتقاد ضيق الوقت فبان سعته أعاد صلاته لعدم مشروعية التيمم. نعم في صورة ما إذا لم يكن عنده الماء و خاف فوت الوقت بطلب الماء كان عليه التيمم و لا إعادة عليه لو ظهر الخلاف لأن مشروعية التيمم هو خوف فوت الوقت كان متحققا.
(سادسها) انه لو احدث أثناء غسل الجنابة بالحدث الأصغر أتم الغسل و لا يجب عليه إعادته كما انه لا يجب عليه أن يتوضأ لما يشترط فيه الطهارة كالصلاة و نحوها إلا إذا احدث بعد الغسل. و أما إذا احدث في أثناء غسل الجنابة بحدث الجنابة استأنف الغسل و هكذا كل حدث تخلل أثناء رافعه و أما إذا احدث في أثنائه بحدث اكبر غير الجنابة جاز له رفع اليد عن الغسل الذي بيده و يأتي بغسل جديد لهما كما سيجيء في الأمر السابع من كيفية النية للاغسال المتعددة و لا يحتاج إلى الوضوء لما عرفت من كفاية الغسل الواجب و المستحب عنه.
(سابعها) ان غسل الجنابة يجزي عن غيره من الاغسال الواجبة و المستحبة كما يجزي عن الوضوء فلو اغتسل للجنابة ناوياً لغسله عن لجنابة أجزأه غسله عن غسل الجمعة و عن غسل مس الميت و رؤية المصلوب و عن كل غسل ثبت في حقه واجباً كان أو مستحباً و كذا المرأة لو اغتسلت للجنابة ناوية لغسلها عن الجنابة أجزأها عن غسل حيضها و نفاسها و جمعتها و عن كل غسل واجب أو مستحب بل يجوز لمن اجتمع عليه اغسال متعددة سواء كانت جميعها مستحبة أو بعضها مستحبة أن يغتسل غسلًا واحداً ينويه لكل واحد منها تفصيلًا كأن ينوي ان غسله هذا للجنابة و للجمعة و لمس الميت و غير ذلك و يجوز له ان ينوي لكل واحد منها إجمالا كأن ينوي ان هذا غسله لما تحقق في حقه من الأسباب التي تقتضي الغسل على إجمالها من دون تشخيص لها. و هكذا يجوز له ان ينوي بغسله رفع الحدث عنه أو استباحة ما يشترط فيه الطهارة عن الحدث كالصلاة. و كذا يجوز ان ينويه قربة إلى اللّه تعالى فانه يجزي عن الجميع و لا يلزم عليه ان ينويه عن الجنابة كما انه يجزي غسله المذكور عن الوضوء و ان لم تكن عليه جنابة فيما ثبت عليه من الاغسال لما عرفت من كفاية الغسل الواجب و المستحب عن الوضوء.
(ثامنها) انه إذا كانت عليه جنابات متعددة أجزأه غسل واحد عنها ينويه عنها تفصيلًا أو إجمالا بل لو نواه عن الأخيرة أيضا يجزيه عن الباقي.
(تاسعها) إذا علم ان عليه اغسالًا واجبة إجمالا يجزيه ان يأتي بغسل واحد ينويه عما في ذمته من الاغسال و ان لم يعينها.
مستحبات غسل الجنابة
(أحدها) الاستبراء للرجل بالبول سواء أنزل أو أجنب بالاحتلام أو بالإدخال و ان لم ينزل و ذلك بأن يبول قبل الغسل فانه إن لم يبل و خرج منه بلل مشتبه بالمني وجب عليه إعادة الغسل و لا يجب عليه إعادة الصلاة الصادرة منه بعد الغسل و قبل خروج البلل. و لو خرج من المرأة بلل مشتبه تحتمل غير البول و المني لم يجب عليها الغسل و هو طاهر لأصالة الطهارة و إذا علمت ان الخارج منها مني أو بول بان تردد بينهما غسلت ما أصاب بدنها منه. و حكي
الاستحباب للمرأة أن تستبرئ بالبول قبل الغسل و مع عدم البول فبالاجتهاد و لو شك في اصل خروج البلل لم يجب عليه الفحص و لا يجب عليه الغسل. و لو بال الرجل قبل الغسل بدون أن يستعمل الخرطات ثمّ بعد الغسل خرج منه بلل فان لم يحتمل انه بول فلا شيء عليه و ان احتمل انه مني. و أما ان احتمل انه بول تطهر منه و توضأ للصلاة الآتية و لا يعيد ما سبق عليه من الصلاة و نحوها. و لو علم إجمالا بان الخارج منه أما بول و أما مني و لم يحتمل انه مذي أو غير ذلك فان كان الخارج المذكور بعد الغسل و كان قد استبرأ بالبول و الخرطات قبله فعليه ان يجمع بين الوضوء و الغسل و ان كان الخارج المذكور بعد الغسل احتياطاً و يكفيه الغسل وحده للكون على الطهارة و لكن لم يستبرىء بالبول قبله فعليه الغسل فقط و ان كان الخارج المذكور بعد الغسل و لكن قد استبرأ بالبول دون الخرطات كان عليه الوضوء فقط. و أما لو كان الخارج المذكور بعد الوضوء و قد استبرأ قبله من البول بالخرطات فيجب عليه أيضا الجمع بين الغسل و الوضوء. و لو كان الخارج المذكور بعد حدث الجنابة قبل الغسل فعليه الغسل فقط. و لو كان الخارج المذكور بعد الحدث الأصغر قبل الوضوء كان عليه الوضوء فقط. و لو كانت عادته الاستبراء قبل عمل و قد أتي بالغسل بعد ذلك العمل ثمّ شك بعد الغسل في وقوع الاستبراء منه فالظاهر البناء على وقوعه. و ان كان الاحوط الاستبراء و اعادة الغسل.
(ثانيها) غسل اليدين ثلاثاً قبل الغسل و الأولى ان يكون من المرفقين.
(ثالثها) المضمضة بالماء و الاستنشاق منه قبل الغسل و بعد غسل اليدين و الأولى الإتيان بهما ثلاثاً كغسل اليدين.
(رابعها) استحباب ان يكون الماء في الغسل الترتيبي بمقدار صاع. و الصاع أربعة إمداد و المد رطلان و ربع بالعراقي. و الرطل مائة و ثلاثون درهماً. و كل درهم نصف مثقال و ربع عشرة بالصيرفي فيكون الصاع بالصيرفي ستمائة و أربعة عشر مثقالا و ربع المثقال.
(خامسها) انه لما كان يجتزي بالغسل بمس الماء للجسد و صبه عليه و جريانه عليه كان إمرار اليد على الأعضاء و تخليل الحاجب غير المانع من وصول الماء لزيادة استظهار وصول الماء لسائر البدن مستحباً.
(سادسها) التسمية قبل الغسل و الأولى أن يقول بسم اللّه الرحمن الرحيم.
(سابعها) الدعاء في حال الاشتغال بالغسل بالمأثور و هو اللهم طهر قلبي و تقبل سعيي و اجعل ما عندك خيراً لي اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين.
الحيض
من موجبات الغسل الحيض و هو لغة السيل مطلقاً أو بقوة و قد صرحت كتب اللغة بإطلاقه على الدم السائل من الرحم أيضا. و كونه على سبيل الحقيقة أو المجاز محل كلام و الحق هو الأول لوجود امارة الحقيقة فيه و الأصل عدم النقل. و كيف كان فالحيض الذي هو محل الكلام هو الدم الذي خلقه اللّه تعالى لتربية الولد نظير تربية الزرع بالماء يستمد به الولد من أمه الغذاء بواسطة سرته كما تستمد المزروعات الماء من عروقها فإذا وضعت الحامل حملها انقلب ذلك الدم إلى اللبن لاغتذاء الحمل منه فإذا خلت الحامل من الحمل و الرضاع بقي ذلك الدم بلا مصرف فيستقر في مكانه بحسب استعداد مزاجها للحرارة. و دم الحيض أمر معروف كالبول و المني و له صفات مخصوصة يعرف بها في الشرع عند الاشتباه و هي انه حار عبيط أي (خالص طري) اسود أو احمر يميل للسواد يخرج من الرحم بدفع و حرارة و حرقة منتن أي (ذي رائحة كريهة) و يسمى بالبحراني نسبة إلى البحر و هو اسم لقعر