الأمر السادس: فيما يجب على المكلف عند بلوغه
يجب على المكلف المستكمل لشرائط التكليف عند بلوغه أن يأتي بجميع التكاليف التي تثبت للعبد بمجرد حصول أسبابها إذا كانت تلك الأسباب قد حصلت منه قبل البلوغ فلو مسّ ميتا قبل بلوغه وجب عليه الغسل بعد بلوغه و لو أصابت النجاسة يده قبل البلوغ وجب عليه تطهيرها بعده و لو سرق أو غصب أو أتلف شيئاً في صباه وجب عليه تفريغ ذمته منه كما انه يجب عليه الختان و ملاحظة جميع ما جرى منه من المعاملات من الأخذ و العطاء و البيع و الشراء و نحوها فما كان منه غير مطابق للواقع فرغ ذمته منه و إلا فلا.
الأمر السابع: في التوبة و شروطها
ان التوبة و هي الندم على ارتكاب الذنب السابق و العزم على ترك المعاودة إليه واجبة بحكم العقل و النقل أما العقل فلأنها دافعة للضرر الذي هو العقاب الأخروي و دفع الضرر واجب بحكم العقل و أما النقل فلقوله تعالى:وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَو قوله تعالى:وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَثمّ التوبة تارة تكون عن ذنب يتعلق به تعالى لا غير فان أمكن تداركه كترك الصلاة و الحج و الزكاة فلا بد في التوبة من تداركه و التخلص منه و ان لم يكن تداركه كشرب الخمر فهذا يكفي في التوبة عنه الندم عليه و العزم على عدم العود إليه و تارة تكون التوبة عن ذنب يتعلق بحق إنسان فان كان أخذ مالًا وجب رده لمالكه أو لوارثه و ان لم يتمكن راجع فيه الحاكم الشرعي و ان كان الذنب قصاصاً وجب أن يسلم نفسه للمجني عليه أو لوارثه ليقتص منه أو يسلم له الدية. و إن كان الذنب إضلال الغير في الدين أو الفتوى وجب إرشاده و إعلامه بالخطإ.
المطالب
أما مطالب الرسالة فأربعة الأول في العبادات و الكلام فيها في عشرة مقاصد الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و الصوم و الاعتكاف و الحج و العمرة و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قد تسمى هذه العشرة بفروع الدين و لا تقبل إلا بالولاية لأهل البيت (ع).
المقصد الأول: في كتاب الطهارة
إن الطهارة من الأقذار و النظافة من الأوساخ من ضروريات الحياة و عليها تتركز سعادة الفرد في مبدئه و منتهاه إذ بإزالة الادناس تحط أثقال النجاسة عن النفوس و بذهاب القذارة تتمتع الأرواح بخفة الأبدان و يتبع ذلك أن ترفل الأمة بأروقة الصحة و تهنأ بأبراد العافية و قد ندب لها الشرع المبين حيث قال اللّه تعالى في محكم كتابه العزيز:فِيهِ رِجالٌ
يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَو في الحديث النبوي الشريف (
بني الدين على النظافة و ان الطهور نصف الإيمان
) و عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) (
تنظفوا بالماء من الريحة المنتنة فان اللّه يبغض من عباده القاذورة
) و في الحديث الشريف عن رسول اللّه (ص) انه قال لأنس (
يا أنس أكثر من الطهور يزد اللّه في عمرك فان استطعت أن تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل فأنت إذا مت على طهارة مت شهيداً
) و عن على بن ساباط قال سمعت أبا الحسن (ع) يقول أربعة من أخلاق الأنبياء: التطيب و التنظيف و حلق الجسد بالنورة و كثرة الاطروقة.
الماء
لما كان أهم ما يقع به التطهير هو الماء لذا بدأنا الكلام به و هو أما مطلق: و هو ما يصدق عليه اسم الماء بلا تجوز و لا قرينة.
و مضاف و هو بخلافه كالمعتصر من الأجسام كماء العنب أو الممزوج بها مزجاً يسلبه الإطلاق كماء المرق و المضاف ليس بمطهر من الحدث و لا الخبث و ينجس جميعه بملاقاته للنجاسة قل أو كثر إلا إذا كان جارياً من العالي إلى السافل فإن السافل لو أصاب النجاسة لا ينجس العالي منه و هكذا لو كان يخرج بشدة من الأسفل إلى الأعلى أو يجري بشدة من المساوي إلى مساويه لا ينجس إلا ما لاقى النجاسة فقط.
الماء المطلق
الماء المطلق هو طاهر بنفسه و مطهر من الحدث و الخبث و يتنجس بجميع أنواعه و أقسامه إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بملاقاة النجاسة تغيراً حسياً كما انه يطهر جميع أنواعه و أقسامه إذا زال تغيره المذكور بالماء المعتصم كالكر و المطر و لا يلزمه المزج و لا فرق بين أنحاء الاتصال إلا إذا كان الماء المعتصم به أسفل و الماء المتنجس أعلى يجري عليه فانه لا يطهر بهذا الاتصال الماء المتنجس الأعلى.
الماء الجاري
و الماء المطلق على أقسام منها الماء الجاري و هو السائل عن نبع على الأرض و ما بحكمه و هو كل ما كان له مادة متصلة به و لا ينجس كثيره و لا قليله بملاقاة النجاسة إلا إذا غيرت أحد أوصافه الثلاثة. لونه أو طعمه أو ريحه بشرط اتصاله بالمادة فلو انقطع اتصاله بالمادة كان حكمه حكم الراكد قليله ينجس بمجرد الملاقاة للنجاسة و كثيره البالغ حد الكر لا ينجس بذلك إلا إذا غيرت النجاسة أحد أوصافه و لو تنجس الماء الجاري بتغير أحد أوصافه الثلاثة بملاقاة النجاسة فهو يطهر بزوال التغيير و لو من نفسه ما دام متصلًا بالمادة.
ماء الحمام و ماء الحنفيات
و منها ماء الحمام و هو بمنزلة الجاري يطهر بعضه بعضاً إذا كان له مادة و منه الموجود في الحياض الصغار المتصلة بالخزانة البالغة قدر الكر فانه لا تنجس بملاقاة النجاسة إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بملاقاتها. و مثله ماء الحنفيات المستعملة هذا اليوم في البيوت و المحلات العامة فانه طاهر مطهر إلا إذا غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة و هكذا ماء الحياض أو الأواني المتصل بماء الحنفية فإن حكمه حكم الجاري.
ماء المطر
و منها ماء المطر و هو الجاري من السماء بحد يصدق عليه المطر عرفاً سواء جرى على وجه الأرض أو من الميزاب أم لا و لا ينجس حال نزوله مطلقاً قليلًا كان أو كثيراً ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة بملاقاة النجاسة.
ماء البئر
و منها ماء البئر النابع عن مادة دون العاري عن النبع و دون المجتمع فيه المياه من المطر و غيره وسمي بئراً و هو بمنزلة الجاري عاصم معتصم لا ينفعل بملاقاة النجاسة إلا بالتغير المذكور سواء كان بقدر الكر أو اقل و إذا تنجس بالتغير المذكور ثمّ زال تغيره و لو من قبل نفسه طهر لأن له مادة و لا يحكم بنجاسته بمجرد قربه من البالوعة.
الكر
و منها الماء البالغ كراً و هو طاهر مطهر لا ينجس هو و لا أي طرف منه بملاقاة النجاسة إلا إذا غيرت أحد أوصافه المذكورة و لا يطهر إذا زال تغيره من نفسه و لو بتصفيق الرياح أو بوقوع أجسام طاهرة موجبة لزوال تغيره و إنما يطهر إذا اتصل بماء كر أو بأحد المياه المتقدمة مع زوال تغيره بالنجاسة.
و الكر ألف و مائتا رطل بالعراقي. و الرطل مائة و ثلاثون درهماً و الدرهم ستة دوانق و الدانق ثمان حبات من أوسط حب الشعير و هو بحسب العيار الاسلامبول اثنتا عشر وزنة و أربع حقق و نصف حقة و بحسب البقالي عبارة عن ثلاث وزنات و نصف و أربع حقق إلا أوقية و بحسب العطاري إحدى عشر وزنة و تسع حقق.
و لا فرق في الاكتفاء بهذا الوزن بين خفيف الماء و ثقيله و لا بين الصافي و الخليط بغيره من الطين و نحوه إلا إذا كان خليطاً غير معتاد بحيث كان فرداً من الماء غير متعارف. أما مساحته فهي ثلاث أشبار و نصف عرضاً في ثلاث أشبار و نصف عمقاً فيكون المجموع اثنين و أربعين شبراً و سبعة أثمان الشبر بشبر مستوي الخلقة.
الماء القليل
و منها الماء القليل الذي لم يبلغ الكر و لم يتصل بالمادة و ينجس جميعه و لو بملاقاة طرفه للنجاسة فإذا لاقى طرفه العالي النجاسة تنجس السافل أيضا و بالعكس. و يستثنى من ذلك أمور منها إذا كان الماء القليل جارياً من الأعلى إلى الأسفل فان الأعلى لا ينجس بملاقاة الأسفل أو كان جارياً بدفع و قوة فان طرفه المدفوع نحوه إذا لاقى نجاسة لا ينجس الطرف الآخر منه و منها ماء الاستنجاء المستجمع للشرائط فانه طاهر كما سيجيء إن شاء اللّه و منها الماء المتخلف على المحل المغسول بعد الغسل أو العصر فانه طاهر كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
الماء المستعمل في رفع الحدث و الخبث
الماء سواء كان كثيراً أو قليلًا المستعمل في الوضوء واجباً كان أو مندوباً طاهر مطهر من الخبث و من الحدث الأصغر و الأكبر و هكذا المستعمل في كل غسل طاهر سواء كان على وجه القربة كغسل اليد من الطعام أو عنه أو لم يكن كغسل البدن الطاهر أو غسل الثوب الطاهر أو الآنية الطاهرة من الأوساخ و هكذا المستعمل في الأغسال المندوبة أو الواجبة إذا لم
يكن على البدن نجاسة و إلا تنجس الماء إذا كان قليلًا دون ما إذا كان كراً و لا فرق في ذلك بين غسل الجنابة و الحيض و النفاس و الاستحاضة و مس الميت و الغسل الذي وجب بنذر و نحوه نعم الماء المستعمل في غسل الأموات إذا كان قليلًا لا يصح استعماله لنجاسته.
و أما الماء المستعمل لرفع الخبث فإن تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة فلا إشكال في نجاسته و عدم رفعه للحدث سواء كان كثيراً معتصماً أو لا و ان لم يتغير أحد الأوصاف الثلاثة فلا يخلو أما أن يكون كثيراً معتصماً فلا إشكال في طهارته و رفعه للحدث و الخبث و إن كان قليلًا و لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة فالمستعمل منه لإزالة النجاسة نجس فإذا أصاب شيئاً و كان فيه عين النجاسة كان حكمه حكم المتنجس بها و إن لم يكن فيه عين النجاسة اكتفي بتطهيره بغسله مرة واحدة و أما المستعمل لطهارة المحل بعد إزالة النجاسة فهو ليس بنجس فإذا أصاب غير محل النجاسة لم يتنجس به و المتخلف منه في محل النجاسة طاهر فلو غسل الإنسان أحد أجزاء بدنه ثمّ تقاطر من الغسلة المطهرة قطرات على بدنه أو ثوبه لم يتنجس و هكذا لو كان طرف الباب الأعلى نجس فما يصيب أسفل الباب من الغسلة المطهرة لا يوجب نجاسته.
و أما الماء المستعمل في الاستنجاء من البول و الغائط فالمعتصم منه كالجاري و الكر طاهر مطهر من الحدث و الخبث ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة و أما القليل منه فهو طاهر بالنسبة إلى المستنجي و غيره و تطهر اليد بتبعه و إن كان مزيلًا لعين النجاسة و لا فرق بين ما كان ماء استنجاء الصبي أو المجنون أو بين غيرهما و لا بين سبق الماء إلى المحل و بين سبق اليد ما لم يتحقق الاعراض بحيث تعد نجاسة اليد نجاسة خارجية و لا بين أن يخرج مع ما يستنجي منه أو بعده بعض الأجسام الطاهرة كالوذي و الحصى و الدود و نحوها أو لم يخرج معه شيء و لا بين تعدي النجاسة عن المحل المعتاد و بين غيره ما لم يخرج عن صدق اسم الاستنجاء عليه عرفاً من دون تسامح و لا بين المسلوس و المبطون و غيره و لا بين ما كان من المخرج الطبيعي و بين غيره إذا صدق على غسله اسم الاستنجاء عرفاً كما إذا صار معتاداً. هذا كله بشرط عدم تغيره بأحد أوصاف النجاسة و بشرط عدم تنجس المحل أو الماء بنجاسة أخرى كالدم و المني و نحوهما و بشرط عدم بقاء عين ما يستنجي منه حساً في ماء الاستنجاء بعد الانفصال كأن يكون موضع التخلي غير موضع الاستنجاء كما في حسنة الأحول (أخرج من الخلاء فاستنجي) و بشرط عدم نجاسة الأرض التي استنجى فيها.
الاسآر
أسئار الحيوانات كلها طاهرة ما عدا سؤر نجس العين كالكلب و الخنزير و يكره سؤر كل ما لا يؤكل لحمه ما عدا المؤمن و الهرة و في مضمرة سماعة (هل يشرب سؤر شيء من الدواب أو يتوضأ منه قال (ع) أما الإبل و الغنم و البقر فلا بأس) و الحائض يكره استعمال سؤرها في الوضوء إذا كانت غير مأمونة من مباشرة النجاسات. هذا كله إذا خلا موضع الملاقاة عن النجاسة و إلا كان السؤر نجساً مطلقاً.
النجاسات
و قبل الخوض فيها نذكر ما روي عن أبي عبد اللّه (ع) فيما يخصها تبركاً ففي المحكى عن الاختصاص عن محمد بن عبد اللّه عن بعض أصحابه قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) لم حرم اللّه الخمر و الميتة و الدم و لحم الخنزير فقال ان اللّه تبارك و تعالى لم يحرم ذلك على
عباده و أحل لهم ما سواه من رغبة منه فيما حرم عليهم و لا رهبة مما احل لهم و لكنه خلق الخلق و علم ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم فاحل لهم و أباحه تفضلًا منه عليهم لمصلحتهم و علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرمه عليهم ثمّ أباحه للمضطر و احل له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به فأمر أن ينال منه بقدر البلغة لا غير. ثمّ قال (ع) أما الميتة فانه لا يدنو منها أحد و لا يأكل منها إلا ضعف بدنه و نحل جسمه و ذهبت قوته و انقطع نسله و لا يموت إلا فجأة. و أما الدم فانه يورث أكله الماء الأصفر و يبخر الفم و ينتن الريح و يسيء الخلق و يورث الكلب و القسوة للقلب و قلة الرأفة و الرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده و والديه و لا يؤمن على حميمه و على من صحبه. و أما لحم الخنزير فان اللّه مسخ قوماً في صور شتى شبه الخنزير و القرد و الدب. و أما الخمر فانه حرمها لفعلها و فسادها و قال ان مدمن الخمر كعابد وثن تورثه الارتعاش و تذهب بقوته و تهدم مروءته و تحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء و ركوب الزنا و لا يأمن إذا سكر أن يثب على محارمه. و إليك
أعيان النجاسات.
البول و الغائط
(الأول و الثاني) من النجاسات البول و العذرة سواء كانا خارجين من الموضع المعتاد أم لا من كل حيوان نجس العين أو كان غير مأكول اللحم كالإنسان و غيره صغيراً كان أو كبيرا برياً أو بحرياً و لا فرق في حرمة أكله بين أن تكون بالأصالة أو بالعرض كالجلال و موطأ الإنسان لكن بشرط ان يكون ذا نفس سائله و المراد بالنفس (السائلة) الدم الذي يجتمع في العروق و يخرج إذا قطع منها بقوة و دفع و يقابله ما لا نفس له سائلة كالسمك و هو ما يخرج دمه عند القطع رشحاً و يستثنى من ذلك بول الطيور و خرؤها و ان كانت غير مأكولة اللحم حتى الخفاش منها فانهما طاهران و هكذا الحيوان الذي يحرم أكله لداء قد صار فيه كما لو أصاب الشاة داء يوجب سمية لحمها بحيث يهلك من أكله فانه و ان صار مما يحرم أكله قطعاً إلا انه لا يحكم عليه بنجاسة بوله و عذرته و مثله ما حرم أكله بغصب أو نذر أو عهد و أما البول و الغائط مما يؤكل لحمه فطاهران حتى الحمار و البغل و الخيل و الدجاج و هكذا تكون طاهرة فضلات كل حيوان ليس له نفس كالوزغة و السمك المحرم.
و لو شك في شيء انه بول أو عذرة أو غيرهما من الأشياء الطاهرة كما لو رأى بللًا على الأرض و لم يدرِ انه بول أو ماء فهو طاهر. و مثله ما لو رأى بولًا أو عذرة و شك في انها من حيوان مأكول اللحم أو من حيوان محرم اللحم فهو أيضا طاهر كما إذا لم يعلم ان هذا البول بول إنسان أو حمار، و مثله ما إذا شك في بول أو عذرة من انها من ذي النفس السائلة أم لا كما لو شك في ان هذه الفضلة فضلة فأرة أو خنفساء فإنها طاهرة أيضا و مثله ما لو تردد الحيوان بين كونه مأكول اللحم أم لا كما لو تردد الحيوان بين كونه غنماً أو خنزيراً لبعض العوارض الخارجية كظلمة أو جهل فإن بوله أو خرأه طاهر. و مثله ما لو تردد بين كونه ذا نفس سائلة أم لا كالحية التي لا يعلم انها لها نفس سائلة أم لا.
المني
(الثالث) من النجاسات المني من كل حيوان ذي نفس سائلة آدمياً كان أو غيره حلالا كان أكله أو حراماً ذكراً كان أو أنثى و يلحق به البلل المشتبه قبل الاستبراء كما سيجيء إن شاء اللّه. و أما مني ما لا نفس له سائلة فهو طاهر و أما المذي. و الودي. و الوذي الذي لم يخالطه دم. و رطوبة الفرج. و الدبر و القي و البلغم فهي طاهرة إلا إذا كانت من نجس العين.
المذي و الودي و الوذي
و المذي: الماء الرقيق الخارج عند الملاعبة أو التقبيل أو النظر بلا دفق أو فتور و هو في النساء اكثر من الرجال و في الحديث ان المذي ما يخرج قبل المني.
و الودي: هو ماء ثخين ابيض يخرج من الذكر بعد البول، و الوذي: هو الماء الخارج عقيب إنزال المني و في الحديث هو ما يخرج من الأدواء بالدال المهملة جمع داء و هو المرض و الجميع طاهرة كما تقدم.
و لو خرج منه بلل و شك في انه مني أم لا فان كان بدفق و شهوة و فتور فهو مني ان كان الشخص الخارج منه صحيحاً. و إن كان مريضاً أو امرأة كفت الشهوة و هي الهيجان المستتبع لحركة أعضاء التناسل نحو العمل الذي يعقبه عادة الفتور و ليس هو مجرد الشوق الشديد نعم يستثنى من هذا صورة ما إذا كان الرجل المجنب بالإنزال قد اغتسل قبل أن يستبرىء بالبول فان البلل الخارج منه المشتبه يحكم عليه بأنه مني و أما المرأة فلا يحكم على البلل الخارج منها بعد الغسل قبل أن تستبرئ بأنه مني. هذا كله إذا علم الحال اما مع جهل الحال بان كان البلل لم يعلم انه حال خروجه جامعاً للصفات المذكورة أم لا فان تردد بين المني و البول فهو نجس و عليه غسل الجنابة و الوضوء للصلاة إن لم يعلم الحالة السابقة و له أن يكتفي مطلقاً بالغسل الواحد للكون على الطهارة و ان تردد بين البول و المني و شيء طاهر كالمذي فلا شيء عليه إذا كان قد استبرأ.
الدم
(الرابع) من النجاسات الدم من كل حيوان نجس العين أو ذي نفس سائلة حل اكله أو حرم صغيراً كان أو كبيراً قليلًا كان أو كثيراً برياً أو بحرياً أو طائراً عدا المتخلف في الذبيحة المذكاة. و الدم المتكون في كل حيوان كذلك نجس كالعلقة. و كذا الدم المتكون لا في حيوان كدم البيضة للحيوان المذكور و أما دم ما لا نفس له سائلة كالسمك و البراغيث و البق فهو طاهر. و أما الدم المتخلف في الذبيحة المذكاة فهو طاهر بشرط خروج ما تعارف خروجه من مثلها و بشرط ان يكون متخلفاً في ذبيحة مأكول اللحم كالمعز و الضأن و الإبل و البقر دون غير مأكول اللحم كالسبع و نحوه و بشرط أن يكون متخلفاً في الجزء المحلل اكله منها دون المحرم كالطحال و بشرط أن لا يخالطه شيء من الدم المسفوح بالرجوع إليه بعد الخروج كما لو كان رأس الحيوان في مكان مرتفع يوجب رجوع الدم الخارج إليه و اختلاطه بالمتخلف أو جذب المذبوح نفسه جذبا موجبا لرجوع الدم الخارج منه إلى باطنه على خلاف العادة و بشرط ان يغسل الدم المسفوح منها و المنحر و يد الذابح و آلته لئلا تلاقي المتخلف فتنجسه.
و ليس من الدم المتخلف في الذبيحة دم الجنين الذي يكون في بطنها و كانت ذكاته بذكاتها و انما دمه محكوم بالنجاسة.
و لو شك في مائع انه دم أو غيره من الأجسام الطاهرة بنى على طهارته و لو علم بأنه دم و شك في انه من ذي النفس السائلة أم من غيرها مما لا نفس له كما لو رأى دماً في ثوبه و شك انه من الرعاف أو البق أو البرغوث فهو أيضا محكوم بالطهارة و مثله ما لو شك في الدم من جهة الشك في الحيوان المعلوم حقيقته في انه من ذي نفس سائلة أم لا كالحية و التمساح إذا شك في دمهما كذلك و منه يظهر طهارة ما يخرج من الجروح و الدماميل من
المائع الأصفر إذا شك في انه دم أم لا و مثله في الطهارة ما إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في انها دم أو قيح.
الميتة
(الخامس) من النجاسات الميتة سواء كانت بالقتل أو حتف الأنف أو الذبح على وجه غير شرعي من حيوان نجس العين أو طاهرها بشرط ان يكون من ذي النفس السائلة بريا كان أو بحريا مأكول اللحم أو لا حتى الإنسان قبل تغسيله سواء كان قبل برده أو بعده إلا إذا اغتسل قبل موته برجم أو قود أو نحوهما و مثله الشهيد بين يدي النبي (ص) أو الإمام (ع) أو نائبه بل كل من قتل في سبيل اللّه في كل جهاد بحق و لو في حال الغيبة كما لو دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام فان جميع ذلك طاهر لا يجب التطهير بمسه بخلاف المقتول في حرب قطاع الطريق أو عن ماله أو عرضه فانه ليس بعد جهادا و محاماة عن الدين فيكون حكمه حكم ميتة الإنسان و في حكم المغسل بعد الموت من حيث الطهارة الميمم بعد الغسل أو المحرم المغسل أو الذي غسله الكافر عند فقد المماثل أو الذي غسل بلا مزج الخليطين لتعذرهما أو اقتصر فيه عن الأقل من الغسلات الثلاث لأعواز الماء و لا يطهر شيء من بدن الميت مما حل فيه الروح إلا بعد إكمال غسله فلو مسه قبل إكمال غسله وجب عليه الغسل (بالضم). و الميتة النجسة من الإنسان و غيره حالها كحال سائر النجاسات لا يتنجس ملاقيها إلا برطوبة مسرية.
أجزاء الحيوان
و كلما ينجس من صنوف الحيوان بموته فما انقطع عن جسده و انفصل عنه و كان مما تحله الحياة فهو نجس حيّاً كان ذلك الحيوان المقطوع منه أم ميتاً كما لو قطع من الإنسان أو سائر الحيوانات يده أو رجله دمن الأجزاء غير المعقد بها المبانة من الحي التي تعد من فضلات البدن و أوساخه كالبثور و الثالوث و ما يعلو الجراحات و الدماميل و غيرها عند البرء و ما يحصل في الأظفار و ما يتطاير من القشور عند الحك و ما يعلو على الشفة و نحو ذلك فان جميع ذلك طاهر. و مثلها الأعضاء إذا يبست عند اتصالها بالبدن ثمّ انفصلت بعد ان برأ محلها فإنها ليست بنجسة و مثلها التي خرجت منها الروح كأعضاء المفلوج و بعض أعضاء من كان في حال النزع فما دام متصلة بالبدن فهي من توابعه تكون طاهرة ما دام البدن حيّاً و تنجس بموته أو بالانفصال عنه إذا لم تعد من فضلات البدن. و أما ما كان من أجزاء الحيوان مما لم تحله الحياة كالعظم و الشعر و القرن و السن و المنقار و الظفر و الحافر و الظلف و الصوف و الوبر و الريش فهو طاهر سواء كان الحيوان المفصول عنه حيا أو ميتا. نعم ما كان منها ملاقٍ للميتة برطوبة مسرية يغسل منه موضع الملاقاة لتنجسه بها. و أما ما خرج من ميتة الحيوان مما لا يعد من أجزائه و أعضائه فهو طاهر كالبيض من الدجاجة الميتة إذا اكتست القشر الغليظ و كالانفحة من بطن الجدي الميت. و كاللبن الذي يحلب من الشاة الميتة كل ذلك فيما إذا كان الحيوان ليس بنجس العين و إلا فجميع ذلك نجس منه.
السقط و الجنين
أما السقط و الجنين فان كان قبل ولوج الروح فهو طاهر عيناً يتنجس بملاقاة النجاسة كما لو خرج من بطن أمه و أمه ميتة. و عليه فالسقط من الإنسان قبل ولوج الروح فيه لا يوجب
مسه الغسل على الماس و لا يجب التطهير عليه إذا لم يكن متنجساً و هكذا السقط من الحيوان نعم السقط بعد ولوج الروح فيه إذا مات فهو ميتة فيكون حكمه حكمها.
ميتة ما لا نفس له
و أما ميتة ما لا نفس له سائلة حتى الوزغ و العقرب نعم يستحب استحباباً مؤكداً التجنب عما وقعا فيه فقد ورد في الوزغ انه لا ينتفع بما يقع فيه و في العقرب بإراقة الماء الذي ماتت فيه و يمكن استفادة استحباب التجنب عن كل ما وقع فيه ميتة طاهرة ثبت استحباب النزح لها لو وقعت في ماء البئر.
هذا و لو شك في شيء انه من أجزاء الحيوان أم أجنبي عن الحيوان كما لو تردد شيء بين انه لحم حيوان أو مطاط فهو طاهر و كذا لو علم انه من أجزائه و شك في انه من ذي النفس السائلة أم لا كما لو تردد الجلد بين كونه من ذي النفس السائلة أم لا فهو طاهر و عليه فما يؤخذ من بلاد الكفر إذا احتمل فيه انه من غير ذي النفس السائلة فهو طاهر.
الكلب و الخنزير
(السادس و السابع) من النجاسات الكلب و الخنزير البريان دون البحريين فان البريين نجسان عيناً و لا فرق في الكلب بين كونه كلب صيد أو ماشية أو الحائط أو غيرها كما لا فرق بين أجزاء الكلب و الخنزير في النجاسة بين ما تحله الحياة و بين غيرها فكما ان لحم الكلب نجس فهكذا شعره و عظمه و ظفره كما انه لا فرق بين أجزائهما حال اتصالها بهما أم حال انفصالها عنهما و هكذا رطوبتهما و فضلاتهما. و لو شك في حيوان انه منهما أو من الحيوانات الطاهرة فهو طاهر.
و قد اثبت الفن ان في لحم الخنزير دودة لا يتجاوز طولها 3 ملمترات تقيم في عضلات هذا الحيوان فعند ما يأكل الإنسان لحم الخنزير و تهضمه معدته يخرج منه هذا الدود ثمّ يتزاوج و تبيض كل أنثى مئات البيض ثمّ ينمو هذا البيض إلى ديدان صغيرة تخترق جدران الأمعاء و تذهب إلى عضلات جسم الإنسان خاصة عضلات الصدر و الظهر و الرقبة و عند ذا يبتلي الإنسان بسوء الهضم و فقدان الشهية و الغثيان و القيء و الإسهال ثمّ يشعر المريض بآلام مبرحة في العضلات و يعسر منه التنفس و يخشن الصوت و تصطك الأسنان بحيث يعسر تحريكها و تجمد العينان و يتشنج الذراعان و الساقان و يصاب المريض بحمى يصحبها عرق غزير ثمّ تسوء حالة المريض و يموت بين الأسبوع الرابع أو السادس.
المسكرات
(الثامن) من النجاسات الخمر و كل شراب مسكر فالعصير المتخذ من الكرم. و النقيع المتخذ من الزبيب. و البتع المتخذ من العسل. و المزر المتخذ من الشعير. و النبيذ المتخذ من التمر و نحوها من الاشربة المسكرة نجسة منجسة قد أمر الشارع بالتجنب عنها لأنها أم الويلات و الإحن و الإضرار و المحن و مصدر الأمراض المزمنة و الآلام المرهقة قد عم بلاؤها المال و النسب و شمل وبالها العرض و الشرف طالما أقامت فتناً خرساء عمياء فرقت بها شمل الأحبة و الأصدقاء و حولت بها نفوس الأخلاء إلى أشد الأعداء أقفرت و أفقرت بفعلها الدار و الديار و التهبت بنارها الدرهم و الدينار و كثيراً ما أصيب عشاقها من جرائها بعسر الهضم المزمن نتيجة لما تحدثه فيهم من النزلات المعدية و المعوية و يصاب الكبد منها بتشحم غير قابل للعلاج و بخراجات تزداد بزيادة المشروبات و يصاب القلب بالسكتات القلبية و المخ بالضمور بسبب