الفرائض الإيمان به تعالى»، و الحكم في وجوب الأمر بالمعروف كذلك، فإنّه و إن كان عقلياً إلّا أنه لا ينافي أن يكون شرعياً و لا يلزم منه الدور و التسلسل، لعدم كون المعروف وراء الأمر بالمعروف كي يلزم منه التسلسل.
فلك أن تقول: إنّ الأمر بالمعروف و إن كان معروفاً إلّا أنّ الذي يخاطب بالأمر بالمعروف المتعلّق بالأمر بالمعروف عند الآخرين هو الحاكم و الإمام حتى ينتهي ذلك إلى اللَّه الذي هو الداعي إلى دار السلام؛ إذ لا يصحّ للغير التارك للأمر بالمعروف أن يخاطب بأمر نفسه لامتثال الأمر بالمعروف بعد فرض أنّه تارك غير معتبر.
و كذلك الحال في لزوم الطاعة فإنّه و إن اشتهر أنه لا يعقل أن يكون شرعياً فهو تامّ بلحاظ المكلّف نفسه لا غيره ممن يكون له الولاية عليه، سواء ولاية الحاكم أو ولاية الأخوّة و التآخي في الإيمان أو في العقد الاجتماعي.
و تنتهي سلسلة الآمر بالطاعة و حق الطاعة إلى الباري عزّ اسمه.
الدليل العاشر إنّ النبوة و الإرشاد الديني و تبليغ الأحكام الإلهية و الهداية الربّانية أمر يختلف عن الحكومة،
فإنّ الحكومة أمر عقلائي مرتبط بالإنسان و تقييد الإنسان بغير الإنسان لا يتعقّل و لا يلائم العدالة و حقوق الإنسان؛ و من ثمّ قال تعالى:«وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ»[1]و أَخَذَ النبي صلى الله عليه و آله و سلم البيعة في العقبتين من المسلمين لتنصيبه حاكماً، فوظيفة الأنبياء البشارة و النظارة و الرسالة لا الإمامة و القيادة إلّا بنصب من الناس أنفسهم له. و كذلك الحال في الإمامة الإلهية، فإنّها بمعنى الإمامة الملكوتية و المقامات التكوينية لأداء الهداية المكمّلة و المتمّمة لدور النبوة للإرشاد و بيان العلوم و المعارف.
و أورد جملة من الآيات التي تَوَهّم حصر مقامه صلى الله عليه و آله و سلم بالنذارة و البشارة نظير قوله تعالى:«فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ»[2]و«إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ»[3]و غيرهما من الآيات.
و يرد عليه:
أولًا: إنّ المستدلّ قد أغمض العين عن الكثير من الآيات و السور الواردة في
[1]الشورى/ 38.
[2]الغاشية/ 21- 22.
[3]الأعراف/ 188.
الأحكام القضائية و السياسية و العسكرية و علاقات الصلح و الحرب بين النبي صلى الله عليه و آله و سلم و مجتمع المسلمين من جهة و جماعات أخرى من المشركين و أهل الكتاب و غيرها من أبواب تشريعات النظام الاجتماعي السياسي و جملة هذه الآيات و السور قد نزل تشريعها عند ما كوّن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم مجتمع المسلمين في المدينة و شكّل الحكومة و الأوامر بطاعة اللَّه و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، مُلِئت السور منها نظير قوله تعالى:
«فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»[1]
و قوله تعالى:
«وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً»[2]
«فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ* إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ* وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* وَ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ
[1]النساء/ 65.
[2]الأحزاب/ 36.
يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ* وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ»[1]
و غيرها من آيات الحدود و القصاص و الديات و الجهاد.
و ثانياً: إنّ بيعَتَي العقبة و الرضوان ليستا مصدر إعطاء الولاية للَّه و رسوله في الحكومة، كما سيأتي الحديث عنها مفصلًا في مبحث النيابة.
و ثالثاً: إنّ جملة الآيات نظير«لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ»[2]و«لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ»[3]و غيرها في صدد الطاعة القلبية و الإيمان الجانحي و لا ربط له بالحكومة السياسية في النظام الاجتماعي السياسي كنشأة دنيوية قبل دولة الرجعة للأئمة عليهم السلام.
فمحصّل مفاد تلك الآيات هو أنّ اللَّه تعالى خلق الإنسان مختاراً في أفعاله الجنائية و الجناحية.
تنبيه
[1]المائدة/ 42- 49.
[2]البقرة/ 256.
[3]الغاشية/ 22.
إنّ الأدلّة السابقة من مقولة العلمانية و هي فصل الدين عن السياسة متحقّقة في حاكميّة غير المعصوم مطلقاً على اختلاف درجاتها، لأنّ تحقّق و تطبيق الدين و العلم به في كلّ جهاته اليقينية علماً و عملًا بنحو الإحاطة في كلّ منها لا يمكن و لا يتصوّر إلّا في المعصوم، فكلّ حاكم- مهما بلغ شأنه في العلم و العمل- تصدّيه للحكم من دون المعصوم بالاستقلال و الاستغناء عنه فصل للدين عن السياسة و فصل للدنيا على الآخرة و من ثمّ لا يتحقّق التوحيد الكامل و الحاكميّة الكاملة للَّه عزّ و جلّ إلّا في نظرية إمامة المعصوم كما ذكرنا في الإمامة الإلهية.
حاكميّة المعصوم عليه السلام
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
إنّ هرم الحاكميّة في مكتب أهل البيت عليهم السلام تبدأ من اللَّه تعالى، فهو منشأ كلّ سلطة و حاكميّة و تنشعب منه كلّ الصلاحيّات؛ فالمعصوم في منظومة التدبير و الإدارة هو السبب المتصل بين السماء و الأرض الذى يعبّر عنه في الأدب القرآنى ب «خليفة اللَّه» في الأرض«وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»[1]و ب «الإمام»«إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً»[2]، «فهو كلمة اللَّه و حجّته و نوره و آيته، يختاره اللَّه و يجعل قلبه مكان مشيّته و يرتضيه لغيبه و يلقّنه حكمته و ينادى له بالسلطنة و يذعن له بالإمرة و يحكم له بالطاعة و كيف يفرض اللَّه على عباده طاعةَ مَن يحجب عنه ملكوت السماوات و الأرض؟ فهو خازن علم اللَّه و واحد دهره و خليفة اللَّه في نهيه و أمره».[3]
فموضوع بحثنا في هذا الفصل هو ممارسة السلطة و حاكميّة خليفة اللَّه في طول حاكميّة اللَّه و سلطته و ترسيم لِبناتها البُنْيَويّة و إطاراتها الإدارية للإجابة عن تساؤلات هامّة:
1. ما هو دور المعرفة بالإمام في رسم خطوط النظام السياسى؟
[1]البقرة/ 30.
[2]البقرة/ 124.
[3]هذه الموصوفات كلّها مأخوذة من روايات أهل البيت عليهم السلام الموجودة في كتاب الحجّة من الكافى، فراجع.