حاكميّة المعصوم عليه السلام
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
إنّ هرم الحاكميّة في مكتب أهل البيت عليهم السلام تبدأ من اللَّه تعالى، فهو منشأ كلّ سلطة و حاكميّة و تنشعب منه كلّ الصلاحيّات؛ فالمعصوم في منظومة التدبير و الإدارة هو السبب المتصل بين السماء و الأرض الذى يعبّر عنه في الأدب القرآنى ب «خليفة اللَّه» في الأرض«وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»[1]و ب «الإمام»«إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً»[2]، «فهو كلمة اللَّه و حجّته و نوره و آيته، يختاره اللَّه و يجعل قلبه مكان مشيّته و يرتضيه لغيبه و يلقّنه حكمته و ينادى له بالسلطنة و يذعن له بالإمرة و يحكم له بالطاعة و كيف يفرض اللَّه على عباده طاعةَ مَن يحجب عنه ملكوت السماوات و الأرض؟ فهو خازن علم اللَّه و واحد دهره و خليفة اللَّه في نهيه و أمره».[3]
فموضوع بحثنا في هذا الفصل هو ممارسة السلطة و حاكميّة خليفة اللَّه في طول حاكميّة اللَّه و سلطته و ترسيم لِبناتها البُنْيَويّة و إطاراتها الإدارية للإجابة عن تساؤلات هامّة:
1. ما هو دور المعرفة بالإمام في رسم خطوط النظام السياسى؟
[1]البقرة/ 30.
[2]البقرة/ 124.
[3]هذه الموصوفات كلّها مأخوذة من روايات أهل البيت عليهم السلام الموجودة في كتاب الحجّة من الكافى، فراجع.
2. ما هو دور الانصياع بالولاء السياسى للإمام و الخروج عن طاعته السياسية؟
3. ما هى أساليب الإدارة و السلطة و الحاكميّة من قبل الإمام؟
4. ما هى الحدود و الضوابط الشرعية في الحكومة؟
5. ما هو دور الأمّة في السلطة السياسية؟
1 فقه عقيدة الإمامة و الولاية: و نبذ التقصير في المعرفة
إنّ جملة من التساؤلات و الإشكالات و الشبهات التي تعتور فهم المعرفة بأهل البيت عليهم السلام و ولايتهم و معالم الدين بالنحو الذي هُدوا إليه هو ناشئ من مباني مُسبِقة، اعتمد عليها السائل و المستشكل و هي كأصول موضوعة اعتمد عليها في تساؤله و إشكاله و لو بنحو الارتكازي الإجمالي.
و هذا لا يخصّ علماء مذاهب أهل سنّة الخلافة و جماعة السلطان، بل ربما يقع من بعض أهل الخاصّة أيضاً و في جملة ذلك راجع إلى القصور في معرفة حقيقة الإمام و الإمامة أو إلى القصور في معرفة أصول الديانة و معالمها التي أبْلَغَها و بَيَّنَها أهل البيت عليهم السلام و لا ريب أنّ كلّ ما تظافرت الجُهود ازداد وضوح تلك المعالم و الأصول.
و لنذكر نبذة و جملة من تلك الأصول و القواعد المعرفية التي لم تتبلور من الوسط العلمي بالنحو الكافي
بل ساد القصور فيها إلى حدّ يباين الحقيقة ممّا انجرّ إلى تولّد جملة من التساؤلات و الإشكالات:
الأولى من تلك الأصول
غموض حالات و شئون المعصومين عليهم السلام و هو راجع إلى حقيقة تركّبهم من أبدان و أرواح و نفوس جزئيّة و كليّة و عقول و أنوار.
عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن علم العالم، فقال لي:
يا جابر، إنّ في الأنبياء و الأوصياء خمسة أرواح: روح القدس و روح الايمان و روح الحياة و روح القوّة و روح الشهوة.
فبروح القدوس- يا جابر- عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى.
ثمّ قال: يا جابر، إنّ هذه الأربعة أرواح يصيبها الحدثان إلّا روح القدس فإنّها لا تلهو و لا تلعب.[1]
عن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض و هو في بيته مرخى عليه ستره. فقال:
يا مفضل، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- جعل في النبي صلى الله عليه و آله و سلم خمسة أرواح:
روح الحياة، فبه دبّ و درج؛
و روح القوّة، فبه نهض و جاهد؛
و روح الشهوة، فبه أكل و شرب و أتى النساء من الحلال؛
و روح الإيمان، فبه آمن و عدل؛
و روح القدس فبه حمل النبوة؛
فإذا قبض النبي صلى الله عليه و آله و سلم انتقل روح القدس فصار إلى الإمام.
و روح القدس لا ينام و لا يغفل و لا يلهو و لا يزهو؛ و الأربعة الأرواح تنام و تغفل و تزهو و تلهو و روح القدس كان يرى به.[2]
[1]الكلينى، الكافي، ج 1، باب الأرواح التي في الأئمة عليهم السلام، ص 272، ح 2.
[2]الكلينى، الكافي، ج 1، نفس الباب، ح 3.
فهو عليه السلام يشير إلي أن المعصوم بحسب طبقات روحه و قواه المختلفة تختلف شئونه و حالاته؛ فلا يستقيم على ضوء هذا الأصل القويم و الذي قد بُيّن إلي حدٍّ ما في المباحث العقلية في العصور الأخيرة من كيفية التحام و اتحاد هذه الأرواح بعضها مع البعض في حين اختلاف أحكام كلّ مرتبة و درجة منها، بعضها مع بعض، و بهذا الأصل يمكن تفسير كثير من حالات الأنبياء و الرسل المذكورة في القرآن الكريم و إنّها لا تتنافى مع مسارهم الوحياني.
و من ثمار معرفة هذا الأصل و تلك القاعدة يتّضح وجه الجمع بين طائفتين مستفيضتين في علم الأئمة عليهم السلام في المسألة العضال المعروفة من أنّ علم الأئمة فعليّ بالأشياء كلّها أو أنّه مشيئي و إرادي؟ أي إذا شاءوا و أرادوا علموا؛ و قد صُنّفت فيها رسائل و كتب لترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى، مع أنّه بالالتفات إلى هذه القاعدة يتجلّى عدم التضارب بين مفاديهما، فإنّ العلم الفعليّ بلحاظ الأرواح العالية فيهم، كروح القدس أو ما فوقها من النور الأول؛ و العلم المشيئي بلحاظ أرواحهم الجزئية و النازلة.
و من الغفلة عن هذا الأصل ما طفح من كلمات متأخّري العصر نظير ما يوجد في كلمات العامّة من أنّ نحو علم الإمام بالأحكام الشرعية نظير علم المجتهد و الفقيه بالأحكام لا يفترق عنه من حيث هو علم إلّا بأنّه لدني و علم الفقيه عبر الأدلة و مع التماثل في العلم يتناسب حينئذٍ الصلاحيّات المفوّضة لكلٍّ منهما في إقامة الأحكام و الحال، إنّ هناك جملة من الفروق الأوّلية بين العِلْمين نذكرها لا على نحو الاستقصاء، بل على نحو المثال:
الأول: إنّ المجتهد إنّما يصل إلى النتيجة عبر جولان فكره من المجهول إلى المبادي المعلومة، ثمّ الانتقال منها إلى المطلوب، و هي حركة الفكر، بينما المعصوم حيث أنّ العلوم و المعلومات حاضرة لديه بنحو يشرف عليها، فليس يحتاج إلى حركة يصل فيها إلى أمر غائب عنه و هذا نظير ما ورد من الحديث إنّ
أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن سرعة إجابته بالبديهة، فأشار إلى أصابع يده، فقال للسائل: كم هي؟ فأجاب السائل بسرعة البديهة، إنّها خمسة. فقال: لِمَ أسرعتَ في الجواب و لم تتأمّل؟ فأجاب السائل: بأنّه أمر واضح جليّ لا يحتاج إلى بحث و تنقيب. فقال عليه السلام: إنّ الأمور لديّ بهذه المثابة من الوضوح.
الثاني: إنّ المعصوم يحيط بمجموعة منظومة العلوم بما لها من سعة مترامية و أصول هرمية على ما هي عليه في اللوح المحفوظ، بينما المجتهد لا يحيط بذلك، بل إن حسنت له التقادير فهو يحيط ببعض الفقرات و من ثمّ يكثر تشبّثه بالأحكام الظاهرية.
الثالث: إنّ المعصوم يحيط أيضاً بكلّ منظومة دلالات الأدلّة اللفظية من النص القرآني و الحديث النبوي، سواء الذي انتشر بين الناس أو الذي لم ينتشر و توارثه المعصومون عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، كصحيفة الجامعة و غيرها، فهو يحيط بكلّ دلالات الألفاظ و أحوالها من العامّ و الخاصّ و الناسخ و المنسوخ و المتشابه و كلّ الموازين المناسبة و التناسب بين الأدلّة بنحو لا يتخلّف عن إصابة الواقع، بينما لا يحيط المجتهد بكلّ مجاميع الأدلّة، فضلًا عن الاحاطة بكلّ فنون دلالاتها و محتملاتها، نظير ما يثار في العصر الحاضر من التساؤلات حول عملية الاجتهاد في مدرسة الفلسفات الألْسُنية و قراءات النص و هي و إن كانت نتائجها و مدّعياتها محلّ نظر و نقض إلّا أنّ جملة من معطياتها تشير إلى هذه الحقيقة الراهنة.
الرابع: إنّ وصول المجتهد و الفقيه إلى النتيجة لا يعدو الظن بخلاف إحاطة المعصوم بها، فإنّه بكلّ درجات اليقين من علم اليقين و حقّه و عينه.
الخامس: إنّ النتيجة التي يصل إليها الفقيه هو الحكم الظاهري في مقابل الواقعي و هو قابل للخطأ و الصواب و هو مسلك المخطّئة عند العدلية، بل قد يكون الحكم الذي وصل إليه الفقيه هو حكم تخيلي ليس بالظاهري من رأس و ذلك في ما إذا أخطأ إعمال الموازين؛ و هذا بخلاف المعصوم، فإنّ الحكم الذي لديه هو