1 فقه عقيدة الإمامة و الولاية: و نبذ التقصير في المعرفة
إنّ جملة من التساؤلات و الإشكالات و الشبهات التي تعتور فهم المعرفة بأهل البيت عليهم السلام و ولايتهم و معالم الدين بالنحو الذي هُدوا إليه هو ناشئ من مباني مُسبِقة، اعتمد عليها السائل و المستشكل و هي كأصول موضوعة اعتمد عليها في تساؤله و إشكاله و لو بنحو الارتكازي الإجمالي.
و هذا لا يخصّ علماء مذاهب أهل سنّة الخلافة و جماعة السلطان، بل ربما يقع من بعض أهل الخاصّة أيضاً و في جملة ذلك راجع إلى القصور في معرفة حقيقة الإمام و الإمامة أو إلى القصور في معرفة أصول الديانة و معالمها التي أبْلَغَها و بَيَّنَها أهل البيت عليهم السلام و لا ريب أنّ كلّ ما تظافرت الجُهود ازداد وضوح تلك المعالم و الأصول.
و لنذكر نبذة و جملة من تلك الأصول و القواعد المعرفية التي لم تتبلور من الوسط العلمي بالنحو الكافي
بل ساد القصور فيها إلى حدّ يباين الحقيقة ممّا انجرّ إلى تولّد جملة من التساؤلات و الإشكالات:
الأولى من تلك الأصول
غموض حالات و شئون المعصومين عليهم السلام و هو راجع إلى حقيقة تركّبهم من أبدان و أرواح و نفوس جزئيّة و كليّة و عقول و أنوار.
عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن علم العالم، فقال لي:
يا جابر، إنّ في الأنبياء و الأوصياء خمسة أرواح: روح القدس و روح الايمان و روح الحياة و روح القوّة و روح الشهوة.
فبروح القدوس- يا جابر- عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى.
ثمّ قال: يا جابر، إنّ هذه الأربعة أرواح يصيبها الحدثان إلّا روح القدس فإنّها لا تلهو و لا تلعب.[1]
عن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض و هو في بيته مرخى عليه ستره. فقال:
يا مفضل، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- جعل في النبي صلى الله عليه و آله و سلم خمسة أرواح:
روح الحياة، فبه دبّ و درج؛
و روح القوّة، فبه نهض و جاهد؛
و روح الشهوة، فبه أكل و شرب و أتى النساء من الحلال؛
و روح الإيمان، فبه آمن و عدل؛
و روح القدس فبه حمل النبوة؛
فإذا قبض النبي صلى الله عليه و آله و سلم انتقل روح القدس فصار إلى الإمام.
و روح القدس لا ينام و لا يغفل و لا يلهو و لا يزهو؛ و الأربعة الأرواح تنام و تغفل و تزهو و تلهو و روح القدس كان يرى به.[2]
[1]الكلينى، الكافي، ج 1، باب الأرواح التي في الأئمة عليهم السلام، ص 272، ح 2.
[2]الكلينى، الكافي، ج 1، نفس الباب، ح 3.
فهو عليه السلام يشير إلي أن المعصوم بحسب طبقات روحه و قواه المختلفة تختلف شئونه و حالاته؛ فلا يستقيم على ضوء هذا الأصل القويم و الذي قد بُيّن إلي حدٍّ ما في المباحث العقلية في العصور الأخيرة من كيفية التحام و اتحاد هذه الأرواح بعضها مع البعض في حين اختلاف أحكام كلّ مرتبة و درجة منها، بعضها مع بعض، و بهذا الأصل يمكن تفسير كثير من حالات الأنبياء و الرسل المذكورة في القرآن الكريم و إنّها لا تتنافى مع مسارهم الوحياني.
و من ثمار معرفة هذا الأصل و تلك القاعدة يتّضح وجه الجمع بين طائفتين مستفيضتين في علم الأئمة عليهم السلام في المسألة العضال المعروفة من أنّ علم الأئمة فعليّ بالأشياء كلّها أو أنّه مشيئي و إرادي؟ أي إذا شاءوا و أرادوا علموا؛ و قد صُنّفت فيها رسائل و كتب لترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى، مع أنّه بالالتفات إلى هذه القاعدة يتجلّى عدم التضارب بين مفاديهما، فإنّ العلم الفعليّ بلحاظ الأرواح العالية فيهم، كروح القدس أو ما فوقها من النور الأول؛ و العلم المشيئي بلحاظ أرواحهم الجزئية و النازلة.
و من الغفلة عن هذا الأصل ما طفح من كلمات متأخّري العصر نظير ما يوجد في كلمات العامّة من أنّ نحو علم الإمام بالأحكام الشرعية نظير علم المجتهد و الفقيه بالأحكام لا يفترق عنه من حيث هو علم إلّا بأنّه لدني و علم الفقيه عبر الأدلة و مع التماثل في العلم يتناسب حينئذٍ الصلاحيّات المفوّضة لكلٍّ منهما في إقامة الأحكام و الحال، إنّ هناك جملة من الفروق الأوّلية بين العِلْمين نذكرها لا على نحو الاستقصاء، بل على نحو المثال:
الأول: إنّ المجتهد إنّما يصل إلى النتيجة عبر جولان فكره من المجهول إلى المبادي المعلومة، ثمّ الانتقال منها إلى المطلوب، و هي حركة الفكر، بينما المعصوم حيث أنّ العلوم و المعلومات حاضرة لديه بنحو يشرف عليها، فليس يحتاج إلى حركة يصل فيها إلى أمر غائب عنه و هذا نظير ما ورد من الحديث إنّ
أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن سرعة إجابته بالبديهة، فأشار إلى أصابع يده، فقال للسائل: كم هي؟ فأجاب السائل بسرعة البديهة، إنّها خمسة. فقال: لِمَ أسرعتَ في الجواب و لم تتأمّل؟ فأجاب السائل: بأنّه أمر واضح جليّ لا يحتاج إلى بحث و تنقيب. فقال عليه السلام: إنّ الأمور لديّ بهذه المثابة من الوضوح.
الثاني: إنّ المعصوم يحيط بمجموعة منظومة العلوم بما لها من سعة مترامية و أصول هرمية على ما هي عليه في اللوح المحفوظ، بينما المجتهد لا يحيط بذلك، بل إن حسنت له التقادير فهو يحيط ببعض الفقرات و من ثمّ يكثر تشبّثه بالأحكام الظاهرية.
الثالث: إنّ المعصوم يحيط أيضاً بكلّ منظومة دلالات الأدلّة اللفظية من النص القرآني و الحديث النبوي، سواء الذي انتشر بين الناس أو الذي لم ينتشر و توارثه المعصومون عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، كصحيفة الجامعة و غيرها، فهو يحيط بكلّ دلالات الألفاظ و أحوالها من العامّ و الخاصّ و الناسخ و المنسوخ و المتشابه و كلّ الموازين المناسبة و التناسب بين الأدلّة بنحو لا يتخلّف عن إصابة الواقع، بينما لا يحيط المجتهد بكلّ مجاميع الأدلّة، فضلًا عن الاحاطة بكلّ فنون دلالاتها و محتملاتها، نظير ما يثار في العصر الحاضر من التساؤلات حول عملية الاجتهاد في مدرسة الفلسفات الألْسُنية و قراءات النص و هي و إن كانت نتائجها و مدّعياتها محلّ نظر و نقض إلّا أنّ جملة من معطياتها تشير إلى هذه الحقيقة الراهنة.
الرابع: إنّ وصول المجتهد و الفقيه إلى النتيجة لا يعدو الظن بخلاف إحاطة المعصوم بها، فإنّه بكلّ درجات اليقين من علم اليقين و حقّه و عينه.
الخامس: إنّ النتيجة التي يصل إليها الفقيه هو الحكم الظاهري في مقابل الواقعي و هو قابل للخطأ و الصواب و هو مسلك المخطّئة عند العدلية، بل قد يكون الحكم الذي وصل إليه الفقيه هو حكم تخيلي ليس بالظاهري من رأس و ذلك في ما إذا أخطأ إعمال الموازين؛ و هذا بخلاف المعصوم، فإنّ الحكم الذي لديه هو
الحكم الواقعي.
نعم قد يطلق عليه الحكم الظاهري في مقابل باطن الشريعة، كما في باب القضاء و الشهادات في حكم الموضوعات، حيث يكون المعصوم مأموراً بإعمال الموازين الظنية من أمارات كاشفة عن الموضوع أو كما في إبقائه الحكم السابق من الظهار قبل نزول الوحي الناسخ عليه لحكمه؛ و بالجملة فهذا الظاهر في مقابل باطن الشريعة يختلف من سنخ معناه عن الحكم الظاهري في مقابل الحكم الواقعي في عملية الاستنباط و تفصيل الكلام في الفرق بين المعنيين يضيق المقام عن بسطه و قد تعرّض إلى شطر من الحديث عنه المفسرون في سورة الكهف في ذيل قصّة موسى و خضر.
السادس: إنّ علم المعصوم بالأحكام الشرعية لا يتلقّاه من وراء حجاب الألفاظ، بل هو واقف على حقيقة الأحكام و التشريعات بنزول الإرادات التشريعية الإلهية الكليّة و الجزئية عليه و التي هي روح و حقيقة الحكم الاعتباري. و لك أن تقول: إنّ الأحكام المُنشَأة- سواء الوضعية أم التكليفية- التي هي اعتبارية تشكّل منظومة عالم الاعتبار، لها أرضية حقيقية و إنّ ما وراءها حقيقة تنطلق منها، و المعاني الاعتبارية من الأحكام المنشَأة الواقعية المجعولة، و القوانين المشرّعة بمثابة كواشف عن تلك الحقيقة و إن لم تكن أمارة ظنيّة بالمعنى المصطلح في التشريع و تلك الحقيقة هي التي ذكرها الفقهاء و المتكلّمون و الأصوليون و هي الإرادات الشرعية أو التشريعية، فتحتَ كلِّ حكم إرادةٌ شرعية إلهية، سواء كان الحكم كليّاً- فالإرادة التي هى قوام أرضيّته كليّة- أو جزئيا، فالإرادة التي ينطلق منها جزئية.
و بعبارة أخرى، إنّ بحذاء منظومة الأحكام الاعتبارية هناك منظومة من الإرادات التكوينية الشرعية بنحو هِرَميّ على حذو هِرم الأحكام الاعتبارية، حتى إنّ بعض علماء الأصول كالمحقّق النهاوندي صاحب تشريح الأصول و المحقّق
العراقي و غيرهما ذهب إلى أنّ حقيقة الحكم الشرعي هو الإرادة و أنّه ليس دور للانشاء القانوني إلّا إبراز و كشف تلك الإرادة و منه مَن ذهب- كالسيّد الخوئي رحمه الله- إلى أنّ المعنى الذهني التكويني القائم بالذهن هو حقيقة الحكم و على أي تقدير فللحكم الشرعي صلة وثيقة بحقيقة تكوينية هي حقيقته التي ينطلق منها، بل قد ذكر علماء الأصول و القانون و الحكمة إنّ الحاجة إلى علم الاعتبار القانوني من التقنين و التشريع، إنّما هو بسبب جهل المخاطبين بالحقيقة التكوينية للحكم، فمن ثمّ كان الخطاب القانوني بالحكم الاعتباري الإنشائي أسهل منالًا للمخاطبين من حقائق الأحكام التي لا تصل إليها أذهانهم و إدراكاتهم.
و على ضوء كلّ ذلك، فالمحيط بحقيقة الأحكام و هي مجموع الإرادات التشريعية الإلهية التكوينية- فتكوينيّتها من جهة كونها إرادة و تشريعيّتها من جهة أنّ لها نحو تعلّق وصلة بفعل الغير- يستغني عن منظومة الاعتبار القانوني للحكم، بل إنّ عالم الاعتبار ينتظم على نسق عالم التكوين للإرادات بحسب مدارجها و انشعابها بعضها عن البعض و الأهمّ منها من المهمّ، و المقدّم منها من المؤخّر، و الأشدّ من الأضعف، و ذات الأولوية من غيرها، و ذات الأمومة و الأُصولة من غيرها، و غيرها من الشئون التي لا تظهر بوضوح من اطُر القضايا الاعتبارية، فَبَيْن العِلْمين تفاوت شاسع.
و هذا العلم بمنظومة الإرادات هو الذي قد استعمل في لسان الشرع من الآيات و الروايات بلفظ و معنى الولاية و هو أحد المعاني التي يطلق عليها الولاية و قد استعملها بنفس المعنى علماء الذوق و المعنى، فإنّ لمنظومة الإرادات الإلهية أيضاً حقيقة تنطلق منها و هي ملاك الحكم من المصلحة و المفسدة الدنيوية و الأخروية من العوالم المختلفة، كما أشير إلى ذلك في علمي الأصول و الكلام، فإنّ في متعلّق الأحكام من الأفعال آثاراً دنيوية و هي النشأة الأولى و آثاراً في العُقبى من النشأة الأخرى من البرزخ و المحشر و الصراط و غيرها من مَشاهد و عوالم
الآخرة؛ فإنّ الإحاطة بتلك الحقيقة التي هي تَحقّق الأشياء فيها يحيط بالعلم المتعلّق بمنظومة الإرادات الإلهية التشريعية و علم الولاية تشمل كلّ ذلك و هو ما يصطلح عليه بباطن الشريعة الذي كان لدى الخضر في قصّته مع النبي موسى عليه السلام في سورة الكهف.
و على ضوء ذلك فلو افترض بنحو المحال أنّ المجتهد يحيط بجميع الأحكام الاعتبارية من منظومة القوانين الشرعية، فإنّه مع ذلك لا يتمكّن و لا يتأهّل من معرفة الصلة المتناسبة و أصول الروابط التي تَحكُم العلاقات فيها بينها لمعرفة المتقدّم من المتأخّر و ما هو الأصل ممّا هو فرع إلى غير ذلك من شئون الأحكام، بخلاف من لديه الولاية، فإنّه يعلم بأحكام و شئون الإرادات كما مرّ، كما أنّه يحيط علماً بالحقيقة من آثار الأشياء و ضريب تدافع المقتضيات و تزاحم المؤثّرات و سلسلة نتائجها المترابطة في مقام إقامة الأحكام.
هذا و لا بدّ من التنبيه على أنّ المراد من الإرادات الإلهية الكليّة و الجزئية ليس بمعنى أنّ الذات الإلهية تعرضها إرادة نفسانية كحالات النفس و الروح، بل المراد هي الإرادة المخلوقة كصفة للفعل المخلوق الإلهي و هي قائمة بالنفوس الشريفة المقدّسة من الملائكة المقرّبين و الأنبياء و المرسلين و الأوصياء المرضيين؛ فإرادتهم مظهر الإرادة الإلهية كما أشار إلى ذلك أهل البيت عليهم السلام في الروايات عنهم مستفيضة و التزم بذلك علماء الأصول و الكلام.
الثانية من الأصول المعرفية التي لم تتبلور
نوعية علم المعصوم و تفسير علمه اللدنّي و منابع العلم التي يَستقي منها و إنّها من نمط وحياني يغاير الوحي النبوي.
فقد اشكل هذا المبحث على كثير من علماء المذاهب الأخرى، بل قد يشاهد في الوسط الداخلي جملة من الكلمات تنطوي على القصور في فهم وجوه و شئون و أقسام علم المعصوم، سواء بقراءة حِكَمية أو كلامية أو ذوقية أو تفسيرية و حديثية.
و يزيد هذا المبحث غموضاً تعدّد أنماط علم المعصوم و اختلاف أحكام تلك الأنماط و حالاتها و طبائعها، فيعالج الباحث علمهم بمكيال واحد و قراءة و نظرة واحدة ممّا يوقع الباحث في تناقض و تهافت.
و قد اشير في القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة إلى جملة من أقسام تلك العلوم:
1. علم الكتاب و الكتاب المبين و الكتاب المكنون
كقوله تعالى:«كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ»[1]
و:«لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ»[2]
و:«إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ* لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»[3]
و:«بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»[4]
[1]الرعد/ 43.
[2]الأنعام/ 59.
[3]الواقعة/ 77- 79.
[4]العنكبوت/ 49.