الثانية من الأصول المعرفية التي لم تتبلور
نوعية علم المعصوم و تفسير علمه اللدنّي و منابع العلم التي يَستقي منها و إنّها من نمط وحياني يغاير الوحي النبوي.
فقد اشكل هذا المبحث على كثير من علماء المذاهب الأخرى، بل قد يشاهد في الوسط الداخلي جملة من الكلمات تنطوي على القصور في فهم وجوه و شئون و أقسام علم المعصوم، سواء بقراءة حِكَمية أو كلامية أو ذوقية أو تفسيرية و حديثية.
و يزيد هذا المبحث غموضاً تعدّد أنماط علم المعصوم و اختلاف أحكام تلك الأنماط و حالاتها و طبائعها، فيعالج الباحث علمهم بمكيال واحد و قراءة و نظرة واحدة ممّا يوقع الباحث في تناقض و تهافت.
و قد اشير في القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة إلى جملة من أقسام تلك العلوم:
1. علم الكتاب و الكتاب المبين و الكتاب المكنون
كقوله تعالى:«كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ»[1]
و:«لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ»[2]
و:«إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ* لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»[3]
و:«بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»[4]
[1]الرعد/ 43.
[2]الأنعام/ 59.
[3]الواقعة/ 77- 79.
[4]العنكبوت/ 49.
و:«وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ»[1]
و:«ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ»[2]
و:«ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا»[3]
2. علم التأويل
كما في قوله تعالى:«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»[4]
و قوله تعالى:«وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ»[5]
3. رؤية الأعمال و الشهادة عليها
كقوله تعالى:«وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ»[6]
و قوله تعالى:«وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ»[7]
و قوله تعالى:«وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ»[8]
[1]يس/ 12.
[2]الأنعام/ 38.
[3]فاطر/ 32.
[4]آل عمران/ 7.
[5]يوسف/ 21.
[6]البراءة/ 105.
[7]الحج/ 78.
[8]النحل/ 89.
4. الوحي التسديدي
كما في قوله تعالى:«وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ»[1]
5. علم القضاء و القدر
كما في قوله تعالى:«حم* وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ»[2]
و قوله تعالى:«إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ»[3]
و:«يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ»[4]
و:«يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ»[5]
6. العلم الالهامي و النقر في القلوب و الأسماع
كما أشير إليه في قوله تعالى:«وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ»[6]
7. مواريث الأنبياء و ميراث سيد الأنبياء
كما في قوله تعالى:«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
[1]الأنبياء/ 73.
[2]الدخان/ 1- 4.
[3]القدر/ 1- 5.
[4]النحل/ 2.
[5]غافر/ 15.
[6]الشورى/ 51.
وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»[1]
و قوله تعالى:«فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»[2]
و:«فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ»[3]
8. العلم اللدني
كما في قوله تعالى:«فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً»[4]
و قوله تعالى:«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ»[5]
9. علم الأسباب و التمكين
كقوله تعالى:«إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً»[6]
10. علم الملكوت و علم اليقين و عين اليقين
كما في قوله تعالى:«وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ»[7]
و قوله تعالى:«كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ»[8]
[1]النمل/ 16.
[2]مريم/ 5- 6.
[3]البقرة/ 248.
[4]الكهف/ 65.
[5]البقرة/ 247.
[6]الكهف/ 84.
[7]الأنعام/ 75.
[8]التكاثر/ 5- 7.
11. التوسّم و الفراسة
كقوله تعالى:«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ»[1]
و قوله تعالى:«وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ»[2]
12. علم أصحاب الأعراف
كقوله تعالى:«وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ»[3]
و قوله تعالى:«يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ»[4]
13. علم الاستنباط
كما في قوله تعالى:«وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ»[5]
و المراد به الاستخراج الحقيقي للحكم و الأمر، أي إخراج حقيقة الشيء كما هو الأصل في معناه لغة، لا عملية الاجتهاد الظنية التي يطلق عليها في العرف الخاص بالاستنباط.
14. الحكمة
كما في قوله تعالى:«يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ»[6]
و قوله تعالى:«وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً»[7]
[1]الحجر/ 75.
[2]محمد/ 30.
[3]الأعراف/ 46.
[4]الرحمن/ 41.
[5]النساء/ 83.
[6]البقرة/ 269.
[7]البقرة/ 269.
و قوله تعالى:«وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ»[1]
و:«فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ»[2]
و:«وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ»[3]
و:«لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ»[4]
و:«وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ»[5]
كما في قوله تعالى:«ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى* أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى* وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى* عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى* ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى* لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى»[6]
و كذلك قد أشير إلى اختلاف هذه الأنماط من علم المعصوم من الروايات كما تقدّم في صحيحة الحلبي.
و إذا اتضح تعدّد أنماط علومهم و منابعها، يتضح اندفاع كثير من التساؤلات التى ستذكر:
منها: ما اعترض على مفاد الحديث النبوي مضموناً
و هو: أنا مدينة العلم و هي الحكمة و أنت يا علي بابها. و في طريق آخر عند الفريقين: أنا مدينة الفقه.
و الاعتراض المتوهّم هو أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد بثّ حديثه الشريف إلى كلّ الصحابة، فكيف يُحصر أخذ العلم بعليّ عليه السلام؟ مع أنّ علياً عليه السلام قد يكون غاب عن بعض مواطن النبي صلى الله عليه و آله و سلم. حيث إنّ مفاد الحديث بأنّه باب مدينة علم النبي و
[1]البقرة/ 251.
[2]النساء/ 54.
[3]النساء/ 113.
[4]لقمان/ 12.
[5]ص/ 20.
[6]النجم/ 11- 18.
حكمته إنّه من غير المقدور الاقتراف من ذلك العلم إلّا بوسيلته. و وجه الاندفاع يظهر ممّا تقدّم من أقسام العلوم التي لعليّ عليه السلام قد اختص بها و ولده المطهّرين دون بقية الامّة. فمَن يحيط بعلم الكتاب المبين في اللوح المحفوظ أو بعلم تأويل الكتاب؟ و مَن يتنزّل عليه علم ليلة القدر؟ إلى غير ذلك من أقسام العلم و يحسبون أنّ ما ظهر من علم النبي صلى الله عليه و آله و سلم بذلك المقدار كاف للبقاء على الشريعة و الدين و للتمسّك بالقرآن مع أنّ الدين إنّما يبقى و يستقيم و يستمر بما يتواصل و يظهر من التأويل له و ما يتنزّل من حقيقة الكتاب في ليلة القدر، و بتوسط استمرار ظهور ذلك يمكن البقاء على التمسّك بما قد سبق ظهوره من النبي صلى الله عليه و آله و سلم أو المعصومين السابقين عليهم السلام، كما هو الحال من الفِرق التي انحرفت من الشيعة، فإنّهم تركوا التمسّك بالباقي من العترة ظناً منهم أنّهم متمسّكون بالسابقين من العترة، فكما أنّ متاركة العترة متاركة للقرآن بحسب الحقيقة، كذلك المتاركة لأحد المعصومين من العترة هو متاركة لكلّ العترة و للقرآن أيضاً بحسب الحقيقة و إن لم يتنبّه إلى ذلك بحسب الظاهر.
فهذه الضرورة للعلوم المختصة بالأئمة لبقاء الدين لا تقف على أمير المؤمنين عليه السلام وحده، بل هي مستمرة إلى الإمام الثاني عشر- عجل اللَّه فرجه- كذلك و مستمرة باستمرار حياة الإمام الثاني عشر عليه السلام؛ فالمتاركة لولايته بقاءً و إن تُمسّك بولايته حدوثاً لا يُغني و لا يحقّق التمسّك بالثقلين و البقاء على الدين.
و منها: ما قاله ابن تيمية في منهاج السنة:
كُذب على جعفر الصادق أكثر ممّا كذب على مَن قبله، فالآفة وقعت من الكذّابين عليه لا منه و لهذا نسب إليه أنواع من الأكاذيب، مثل كتاب البطاقة و الجفر و الهفت و الكلام في النجوم ......
حتى نقل عنه أبو عبد الرحمن في حقائق التفسير من الأكاذيب ما نزّه
اللَّه جعفراً عنه و حتى إن كان من أراد أن ينفق أكاذيبه نسبها إلى جعفر، حتى إنّ طائفة من الناس يظنّون أنّ رسائل أخوان الصفا مأخوذة عنه و هذا من الكذب المعلوم، فإنّ جعفراً توفّى سنة 148 و هذه الرسائل وضعت بعد ذلك بنحو مأتي سنة.[1]
و هذا مبنى على أنّ علومهم كسبية و لم يشمّ ابن تيمية رائحة علم الكتاب و أنى له بذلك و هو لم يتدبّر الآيات المتقدّمة و أنواع العلوم و أقسامها المشار إليها من الآيات؛ فادّارك علمه عن العلوم الغيبية وَزَن الأمور بميزان ضحالة علمه.
و الغريب أنّ هذه العبارات في الإشكالات يجدها المتتبّع من تضعيفات النجاشي لأمثال مفضل و جابر و غيرهما من أصحاب السرّ و رواة المعارف ممّا يظهر منه سقم ميزان الجرح لديه.
و منها: من يحسب أنّ علم الأئمة كرواة حديث،
كلّ منهم ينقل عن أبيه في سلسلة متّصلة بسماع حسي، فَمِن ثمّ يحكم على علمهم بأنّه علم روائي حسّي، فَمِن ثمّ يتطرّق عليه آفات العلم الحسّي و ربما يصل الأمر عند بعض هؤلاء أنّ النبي و الأئمة عليهم السلام من قبيل ناقل الألفاظ!، فالإبلاغ عندهم و تبليغ الدين هو سماع أصوات و حفظها، ثمّ إيصالها إلى الامة و أنّ عصمتهم في التبليغ هو أن لا ينسوا تلك الألفاظ و أمّا غور المعاني و بطونها، بل الحقائق التكوينية التي وراء المعاني، فلا يتطرقون للحديث عنها و كأن المعصوم ساعي بريد محفوظ عن التفريط في ما يرسَل إليه؛ ثمّ يتلقّى ذلك الصحابة و السادة المجتهدون من المعصوم، فلربما يكون لهم عقل المعاني و الاهتداء إلى الحقائق ما لم يهتدي إليه الناقل و كلّ هذا النسيج لبيت العنكبوت ناشئ من القصور في معرفة وجوه علم المعصوم، فادّارَك علمهم بعلم الإمام و نشأ من ذلك جملة من التصورات و الأحكام الخاطئة في
[1]ابن تيميّة، منهاج السنة، ج 4، ص 54.