السبب الظني.
السادس: إنّ الحكم الذي يُنْشِئُه المعصوم و إن أطلق عليه في بعض الموارد أنّه ظاهري، إلّا أنّ ظاهريته هي بالإضافة إلى باطن الشريعة و إلى حكم اللَّه في اللوح المحفوظ و ما يطلق عليه ظاهر الشريعة في قبال باطن الشريعة، إلّا أنّ ذلك الحكم منه عليه السلام هو واقعي بالإضافة إلى سائر الأُمّة فالحكم الظاهري الذي يستند إليه غير المعصوم، كالمجتهد و الفقيه متأخّر بمراتب عن ذلك الحكم من المعصوم و في طوله و هو من قبيل ترامي الكواشف؛ فحكم المجتهد إذا قدّر له إصابة الواقع فإنّما يصيب و يطابق حكم المعصوم؛ فإطلاق الحكم الظاهري على حكم المعصوم هو بمعنى يغاير إطلاق الحكم الظاهري على حكم المجتهد، فليسا بمعنى واحد.
فهذه جملة من الفوارق لا على سبيل الاستقصاء موجبة لعدم إطلاق الاجتهاد على الأحكام الصادرة من المعصوم و إن استندت إلى أسباب ظنّية في بعض الموارد، بخلاف الأحكام الصادرة من المجتهد.
و على ضوء ذلك، فلو سلّمنا- جَدَلًا- أنّ الولاية السياسية الاعتبارية للمعصوم،- المغايرة للولاية التكوينية التي هي من مقاماته- تلك الولاية الاعتبارية قابلة بتمام حدودها لأن يتصدّى إليها غير المعصوم، كالفقيه بلا فرق في حدود الولاية و الصلاحيّة الاعتبارية من جهة الولاية الاعتبارية نفسها، فإنّه بموجب الفوارق السابقة في إحاطة المعصوم بالأحكام الاعتبارية و عدم إحاطة المجتهد و الفقيه بها في أنحاء الفوارق الستة السابقة لا يعقل حينئذٍ تساوي ولاية المعصوم الاعتبارية مع صلاحيّة المجتهد النيابية«قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»[1]
[1]الزمر/ 9.
هذا فضلًا عمّا قرّرناه من امتناع تساوي الولاية الاعتبارية لمن له ولاية تكوينية مع من ليس له ولاية تكوينية، حيث إنّ الولاية الاعتبارية متولّدة و منشعبة في سعتها الإطلاقية عن الولاية التكوينية.
و قد بيّناه مفصلًا في كتاب نظريّة الاعتبار.
إنّ القول باتحاد ولاية و صلاحيّة غير المعصوم مع ولاية و صلاحيّات المعصوم ينطوي على عرضيّة ولايته لولاية المعصوم، إذ مقتضى التبعية أن يلزم بمتابعة المعصوم، فتكون صلاحيّاته مقيّدة بالتبعية للمعصوم و من ثمّ لم تكن حدود ولاية رسول اللَّه بعين حدود ولاية اللَّه تعالى، لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم تابع و مطيع لولاية اللَّه و أوامره و أحكامه؛ و كذلك ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ليست هي في الحدود كولاية الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم، لأنّ أمير المؤمنين عليه السلام تابع و مطيع لولاية رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم؛ و كذلك سائر الأئمة عليهم السلام في حدود ولايتهم تابعون مطيعون للَّه و رسوله و لأمير المؤمنين عليه السلام؛ فالتبعية و الطاعة تقتضي بالضرورة ضيق ولاية التابع عن ولاية المتبوع و إلّا لم يكن في البين التبعية و الطاعة و التسليم.
و من ثمّ كان استنباط الأحكام من التشريعات القرآنية و الاقتصار عليها و التجاوز للتشريعات النبوية و لبيانات المعصومين التشريعية هو خروج و مروق عن ولاية الرسول و الأئمة المعصومين عليهم السلام.
قد ورد في حسنة الميثمي عن الرضا عليه السلام أنّه قال: ...
لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم لم يكن ليحرّم ما أحلّ اللَّه و لا ليحلّل ما حرّم اللَّه و لا ليغيّر فرائض اللَّه و أحكامه، كان في ذلك كلّه متّبعاً مسلّماً مؤدّياً عن اللَّه و ذلك قول اللَّه:«إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ»[1]فكان صلى الله عليه و آله و سلم متّبعاً للَّه مؤدّياً عن اللَّه ما أمره به من تبليغ الرسالة ...
[1]الأحقاف/ 9.
فأمّا أن نستحلّ ما حرّم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم أو نحرّم ما استحلّ رسول اللَّه لا يكون ذلك أبداً، لأنّا تابعون لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم مسلّمون له، كما كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم تابعاً لأمر ربّه مسلّماً له ...[1]
[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، ب 9، ح 21.
الولاية النوعيّة
و قد يستدلّ بأمور على كون مقام الولاية- التي ثبتت للأئمّة الاثني عشر- هي ولاية نوعيّة لا تختص بهم، بل تعمّ مطلق من وصل إلى مقام قيادة الأمّة و تَأَهَّل لذلك بتوفّر الشرائط و الصفات اللازمة، و بالتالي فمقام الإمامة نوعي لا ينحصر بالعدد المحدود الاثني عشر، سواء من حيث الإمامة السياسية أم من جهة الإمامة في الهداية التكوينية-:
الأول: عموم ما دلّ من الأدلّة النقلية على فتح الباب لهذه المقامات لكلّ مَن يسير على الطريق، فيكون عارفاً واصلًا متحقّقاً بتلك المقامات، نظير قوله تعالى:
«إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً»[1]
فإنّ الآية عامّة في كلّ من اتّقى بحسب درجات تقواه، فإنّه ينال درجات من الفرقان و هو من العلم اللدنّي و التسديد الملكوتي.
و كذلك قوله تعالى:«وَ اتَّقُوا اللَّهَ»[2]
و قوله:«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ»[3]
فإنّ الكرامة التكوينية و القرب الإلهي ليس حكراً على أحد، بل هو عامّ لكلّ من اتّقى، فالباب مفتوح لكلّ فرد إنساني.
و كذا قوله:«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»[4]
و قوله:«وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ»[5]
[1]الأنفال/ 29.
[2]البقرة/ 189.
[3]الحجرات/ 13.
[4]البقرة/ 195.
[5]يوسف/ 22.
فكلّ من بلغ مقام الإحسان يزقُّ الحكمة و العلم اللدنّيان، و قد قال تعالى:
«وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً»[1]
و به يشعر قوله تعالى ليلة المعراج خطاباً لحبيبه صلى الله عليه و آله و سلم:
و ما يتقرب اليّ عبد من عبادى بشيء أحبّ اليّ ممّا افترضتُ عليه و إنّه ليتقرّب اليّ بالنافلة حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت اذاً سمعه الذى يسمع به، و بصره الذى يبصر به، و لسانه الذى ينطق به، و يده التى يبطش بها، إن سألنى أعطيته.[2]
فبقرب النوافل يكون الباري تعالى سمعاً و بصراً و يداً للعبد و أمّا بقرب الفرائض فيكون العبد اذن اللَّه، عين اللَّه، حجّة اللَّه و هذان البابان للتقرّب مفتوحان لكلّ سالك على الطريق.
و كذا قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللَّه».[3]
و يرد عليه:
إنّ التقوى و إقامة الفرائض و كذا النوافل- حدوثاً و بقاءً- لا تتحقّق بالدرجة الكاملة التامّة إلّا لدى المطهَّر من الذنوب و من الرجس، أي لدى صاحب العصمة العلمية و العصمة العملية؛ فإنّ من أكبر الفرائض هو الإيمان باللَّه و اليوم الآخر و بالأنبياء و الرسل و الأوصياء و الحجج. و الإيمان باللَّه مقوّم بمعرفته، فمِن دون المعرفة الكاملة و التامّة لا يتمّ الإيمان الكامل و لا يتمّ أداء الفريضة كما هو حقّ الأداء إلّا بالعصمة العلمية و بانتفاء الشك و الريب- الذي هو الرجس الأكبر- عن القلب و كذلك مقام الخلوص و الإخلاص، مع أنه قال تعالى:«وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ
[1]البقرة/ 269.
[2]الكلينى، الكافى، ج 2، ص 352، ح 8.
[3]الكلينى، الكافى، ج 1، ص 218، ح 3.
بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ»[1]
فقرب الفرائض و قرب النوافل و الفُرقان التامّ اللدني بمقامه الأتمّ لا يتحقّق إلّا للمطهَّر من الريب و الشكّ. و الخلوص في المعرفة و الاخلاص في العبادة لا يتحقّق إلّا بالمعرفة التامّة.
فإذا تقرّر أنّ كلّ من لم يكن معصوماً علمياً و عملياً، فلا محالة يكون ناقص التقوى و مُفَرّطاً في أداء الفرائض على وجهها الأتمّ، فلا محالة يكون ظالماً لنفسه و لو في سنين مراهقته و أوان بلوغه، بل منذ بدء ولادته. و إذا صدق عليه عنوان الظالم فيشمله عموم الآية:«لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»أي عهد الإمامة.
فكلّ مَن اعترضه الشكّ في المعرفة و اختلج قلبَه الريب و لو في آنٍ من عمره لا يصل و لا ينال المقام الأتمّ من التقوى و المقام الرفيع من الكرامة الإلهية و لا صدارة درجات الإحسان، فلا يكون خليفة اللَّه المودعة الأسماء الإلهية جميعها و لا يكون من المصطفين المختار لرسالته عزّ و جلّ، فلا يكون عين اللَّه و أذن اللَّه و لسان اللَّه و يد اللَّه و حجّة اللَّه إلّا مَن طهر قلباً و ذاتاً، روحاً و بدناً، علماً و عملًا منذ انعقاد نطفته* بل اودع الأصلاب و الأرحام المطهّرة.
هذا من حيث الحدوث فضلًا عن جانب البقاء و قد أكّد القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى:
«ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ»[2]
و مفاد هذه الآية نفي قابلية الفرد البشري للنبوة أو الحكمة في مقامها الأتمّ أو علم الكتاب اللدنّي، إذا لم يكن معصوم الذات عن الزلل بقاءً، أي فالذي لا يمتنع عليه الخطأ بقاءً يمتنع فيه قابليّة الوصول إلى تلك المقامات حدوثاً.
[1]يوسف/ 106.
[2]آل عمران/ 79.
و هذا ممّا يعزّز مفاد الآية السابقة في نيل العهد، أنّ هذه المقامات الخاصّة الإلهية يجب أن تكون لذوات خاصّة بعينها يمتنع عليها الظلم حدوثاً و بقاءً، أي مُصطفى بالاصطفاء الخاصّ و منتجَبٌ.
و كذا ما دلّ من طائفة الآيات على أنّ الإمامة هي في عقب و ذرّية إبراهيم و أنّها ذرّية بعضها من بعض، كما في قوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ»[1]
و هي استجابة لدعوته عليه السلام حيث أشار إليه قوله تعالى:
«وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»[2]
و كذلك يشير إلى إجابة الدعوة في بقاء الإمامة في عقب إبراهيم نسلًا بعد نسل إلى يوم القيامة قوله تعالى:«وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ»[3]أي كلمة التوحيد.
و يشير إلى بقاء الإمامة في خصوص عقبه في هذه الأمّة دون غيرهم قوله تعالى:
«وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ»[4]
و هذه الآية تشير إلى الامّة المسلمة في ذرّية إبراهيم التي يشير إليها قوله
[1]آل عمران/ 33- 34.
[2]البقرة/ 124.
[3]الزخرف/ 28.
[4]الحجّ/ 78.
تعالى:
«رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»[1]
ففي ذرّيته تلك الامّة المسلمة التي خُصّت بدعاء إبراهيم يجعل عهد الإمامة فيها و هي التي سمّاها إبراهيم مسلمة و هم الشهداء على الناس و الرسول عليهم شهيد و لا ريب في ضرورة كون الشهداء على الناس هم ممّن لهم صفة العصمة علماً و عملًا و إلّا لكانوا أولى بأن يُشهَد عليهم من أن يَشهدوا على جميع الناس، و أنّ هذه الأمّة المسلمة الموحّدة المعصومة الشاهدة على الناس، أبوها إبراهيم أي من ذرّيته و إلى ذلك يشير قوله تعالى:«كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»[2]أي أخرجت من عقب إبراهيم عليه السلام.
و نظير هذا المعنى في قوله تعالى:
«وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً»[3]
فهذه الأمّة ليست كلّ الأمّة الإسلامية التي فيها من لا يقبل اللَّه شهادته على بقلة خضراوات، فضلًا عن أن يشهد على جميع أعمال الناس يوم يقوم الأشهاد، بل هي الأمّة المشار إليها في دعاء إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام:«وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ»[4]
و إلى ذلك كلّه يشير قوله تعالى:
«أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ
[1]البقرة/ 128.
[2]آل عمران/ 110.
[3]البقرة/ 143.
[4]البقرة/ 128.