بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 143

و قال:

«قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا»[1]

فبيّن تعالى أنّ مودّة ذوي القربى و ولايتهم هي السبيل إليه و المسلك إلى رضوانه.

هذا فضلًا عن الأحاديث النبوية المتواترة بين الفريقين، مثل الحديث المتواتر:

إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب اللَّه و عترتي أهل بيتي.

و كذلك حديث:

إنّ الخلفاء اثني عشر كلّهم من قريش.

إنّه لا يزال أمر هذا الدين عزيزاً منيعاً قائماً.

و كذلك حديث السفينة:

مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى و من تخلّف عنها غرق.

علمانية بعض الأقوال

و عليه إذا كانت الفقاهة و العدالة شرطاً لانضباط التدبير السياسى على الجادّة المستقيمة بخلاف الحاكم غير الفقيه و غير العادل، فبنفس المناط بنحو الأولوية الأشدّ بما لا يقاس اللازم في الحاكم توفّر العصمة العلمية و العملية و إلّا لما كان هناك فرق بين الفقيه و العامي و القانوني الوضعي و بين العادل الأمين و الفاسق الخئون.

بل إنّ الفارق بين أمانة المعصوم بالعصمة العملية مع العادل هو الفرق بين الثرى و الثريا، و كذلك الحال في الفرق بين الفقيه و المعصوم بالعصمة الفعلية، بخلاف الفرق بين العامي ذى الخبرة القانونية الوضعية مع الفقيه، أو الفاسق مع

[1]الفرقان/ 57.


صفحه 144

العادل، فإنّ الفارق ليس بمثابة الفارق الأول و كذلك اشتراط الأعلمية في الحاكم سواء في الفقاهة أو في التدبير أو الأعلمية في التدبير و المهارة في إدارة الأمور بكافّة مجالاتها ليس منشأ اشتراطها إلّا لتأثير العلم النظري و العملي في كفاءة الحاكم، فكيف بالمعصوم علماً و عملًا و بالمعصوم في كمالاته و مهاراته، فبنفس المناط و الدليل الذي اشترط منه الأعلمية هو بنفسه دالّ على شرط العصمة في الحاكم.

و اعلم إنّ اشتراط الكفاءة العلمية و الأمانة العملية و التدبيرية، إنّما هي لأجل التدبير الصائب و الصالح و من البيّن أنّ الفرد البشري مهما بلغ علمه الكسبي و تهذيبه النفسي و مهاراته المجرّبة، فإنّه لن يحيط بكلّ وجوه الأمور و لن يستيقظ لكلّ دقائق الأشياء و حيثياتها، فتغيب عنه بقدر محدوديّة علمه و مهارته، و بالتالي يخفق في الوصول إلى الصواب و هذا معنى ضرورة العصمة بالعلم اللدنّي المحيط و الكفاءة العملية المسدّدة من ربّ العالمين.

و بعبارة أخرى: إنّ أصل اشتراط الفقاهة و العدالة يتناقض مع دعوى عدم الفرق بين صلاحيّات المعصوم و صلاحيّات الفقيه و عينيّة الولاية، لأنّ الولاية و الصلاحيّة المسندة للفقيه إن كانت لأجل حاكميّة الفقيه و التشريع و العدل و الأمانة فاختلافها بسبب تشكيكية درجات العلم بالتشريع و الأمن في العدالة لا بدَّ منه، أي إنّ الولاية و الصلاحيّة لا محالة تكون تشكيكية بتبع تشكيكية العلم و العدل و الأمانة.

و الغريب في الالتزام بأنّ العدالة اللازمة في الفقيه أشدّ درجة من الثابتة في القاضي و أنّ العدالة الثابتة في القاضي أشدّ درجة من الثابتة في الشاهد في المنازعات و هي أشدّ درجة من العدالة الثابتة في إمام الجماعة، فكيف لا تتفاوت العدالة التي في الفقيه مع العصمة العملية في المعصوم و بالتالي فكيف لا تتفاوت ولاية المعصوم مع صلاحيّة المسندة للفقيه؟


صفحه 145

هذا لو كنّا نحن و الحكم العقلي و العقلائي و إلّا فأدلّة مذهب الإمامية على حصر الولاية بالمعصوم بشخص المعصوم دون غيره متظافرة في الآيات و الروايات و الأدلّة العقلية الأخرى، نظير قوله تعالى:

«إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ»[1]

و كذلك آية التطهير و آية مسّ الكتاب و حصر مسّ الكتاب للمطهّرين، و غيرها من الآيات و كذلك الروايات كحديث السفينة و الثقلين الدالّين على الإمامة السياسية و الإمامة التشريعية و الإلهية التكوينية؛ فلا يعقل ثبوت ولايتهم عليهم السلام بعينها للفقهاء و دعوى عدم دخل مقاماتهم التكوينية و علمهم اللدنّي في إمامتهم السياسية نظير دعوى العلمانية بعدم دخل الفقاهة و العدالة في الحكومة.

فدعوى عدم شرطية العصمة في الإمامة السياسية علمانية مفرطة و ترجع إلى عزل حاكميّة اللَّه تعالى عن التدبير السياسي، لأنّ الذي تتنزّل عليه إرادات اللَّه و مشيئاته هو المعصوم دون غيره في موارد التدبير السياسي.

[1]المائدة/ 55.


صفحه 146

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 147

الولاء السياسي تابع للولاء العقائدي

إنّه من الأصول المقرّرة في علم القانون تبعية النظام السياسي للنظام القانوني و تبعية النظام القانوني لنظام المعرفة و الاعتقاد، فالتفكيك بين هذه الأنظمة غير متصوّر و كلّ حلقة من حلقات أيّ نظام مرتبطة بمجموعة منظومة ذلك النظام و تَتْبَع بتبعية ذلك النظام إلى النظام المتبوع؛ فأيّ إطار و موقف و لونٍ من الولاء السياسي يعكس الإطار القانوني و يكشف عنه و ذلك الإطار القانوني يكشف عن الإطار العقائدي و هذه التبعية بين النظامات الثلاثة ليس يقرّها علم القانون فقط و علوم مدارس المعارف المختلفة، بل قام عليها البرهان العقلي و الفلسفي أيضاً؛ إذ هذه النظامات الثلاثة هي محاذية لجهاز خلقة روح الإنسان و بدنه، فإنّ إذعان الإنسان يتصدر التحكّم في بقيّة قوى الإنسان، فإنّها تابعة لكيفية نوع الإذعانات التي لدى الإنسان و من ثمّ تتولّد فيه الصفات الخُلُقية و هي بدورها تولّد أنماط الفعل و تدبير الإنسان لأفعاله، فكلّ فعل وليد خُلُق و كاشف عنه، كما أنّ كلّ خُلُق وليد إذعان و كاشف عنه، فَتَلازمُ هذه الأمور الثلاثة بعضها مع بعض ضروري لا محالة.

و من ثمّ صحّت هذه المقولة القائلة بأنّ أكثر المذاهب الاعتقادية كانت وليدة سياسات وقتية و نزاع القُوى المتصارعة، فإنّ هذه المقولة المذكورة في العلوم


صفحه 148

الاجتماعية و كتب التراجم قد تفسّر بعدّة تفاسير و على أيّ تفسير منها فإنّها متضمّنة لبيان التلازم بين هذه الأمور الثلاثة، فإنّ مَن يريد أن يُشَرْعِنَ خطواته السياسية مضطرّ لتبريرها بخَلْفية قانونية و أطر تشريعية، كما أنّ تَبَنّي الأطر التشريعية و القانونية المبتدعة و المستحدثة يستدعي تبنّي أطر و رُؤى عقائدية منسجمة مع تلك الإطارات التشريعية الجديدة؛ فعملية التغيير العقائدي قد تبدو من المواقف السياسية و طبيعة التحالفات السياسية لتكتسب صبغة قانونية، ثمّ تكتسب تلك القوانين صبغة عقائدية و هذا التداعي بين الأمور الثلاثة في موارد التغيير مُؤشّر على توالد الأمور الثلاثة بعضها من بعض و تأثيرها على بعضها الآخر.

و منه يظهر مدى الخطورة في الولاء السياسي و التحالف في المواقف السياسية و انعكاسها على المتبنيّات القانونية الفقهية و بالتالي على المسار العقائدي لدى أيّ طائفة. و من هذا يظهر أنّ الولاية بكلّ درجاتها لها التأثير البالغ في أركان العقيدة و معالم التشريع الديني، سواء الولاية السياسية أم الولاية التشريعية الفقهية أم الولاية المعرفية الاعتقادية، كما ورد في الروايات المستفيضة إنّ الاسلام بنى على خمس: إحداهنّ الولاية و أنّها أفضلهنّ و أنّه لم ينادِ بشيء كما نودي بالولاية.[1]

و قد أشير إليه في جملة من الآيات الكريمة أيضاً كقوله تعالى:

«فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»[2]

فربط بين الطاعة و الولاء السياسي و بين الايمان.

و قال تعالى:

[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الطهارة، أبواب مقدمات العبادات، ب 1.

[2]النساء/ 65.


صفحه 149

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا* أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً»[1]

و قال تعالى:

«فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى»[2]

فبيّنت الآيات أنّ التحاكم و الاحتكام سواء في النزاع أو الاختلاف و في القضاء أو في المال أو في الحرب أو السلم أو بقية الأسئلة السياسية، فضلًا عن الاحتكام التشريعي لا بدّ أن يكون إلى اللَّه و رسوله و إلى من يتنزّل عليهم الأمر ليلة القدر بتوسط الروح و الملائكة، أي المطهّرون الذين يمسّون الكتاب النازل في ليلة القدر، فالولاء السياسي لا بدّ أن يكون منتسباً إليهم و هو وليد الايمان باللَّه و برسوله و أولي الأمر من عترته و أنّ بناء الولاء و الانتماء و الانتساب و التضامن و التحالف السياسي المطلق مع غيرهم هو من التحاكم إلى الطاغوت و من الايمان به و الايمان بالجبت و من الضلال البعيد.

و قد قرّر الفقهاء أنّ التحاكم إلى من لا يستمدّ صلاحيّته القضائية و السياسية من أئمّة أهل البيت عليهم السلام هو حاكم جور و طاغوت و يحرم التحاكم إليه و هو من الكبائر العظيمة و قد قال تعالى:

«وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ»[3]

[1]النساء/ 59- 60.

[2]البقرة/ 256.

[3]هود/ 113.


صفحه 150

و«كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ»[1]

كما أنّه قرّر في الفقه لدى كافّة المذاهب أنّ الخارج عن طاعة إمام العدل و إمام الحق باغٍ، بل قد روى الفريقان أنّ من ليس في عنقه بيعة و ولاء السياسي لإمام زمانه يموت ميتة جاهلية[2]و هذا المقام لا يصلح عقلًا و نقلًا إلّا للمعصوم عليه السلام.

و من الجانب الآخر هناك جملة من الآيات المتضمنة للتقريع الشديد و النكير البالغ على التولّي السياسي لمن حادّ اللَّه و رسوله كقوله تعالى:

«لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[3]

و الآية هذه في سياق آيات قبلها، حيث قال تعالى:

«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لا مِنْهُمْ وَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ»[4]

ثمّ تصفهم الآيات الأخرى بصفات النفاق و تقول:

«اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ»[5]

فهذه الآيات تبيّن لنا أنّ الولاء السياسي نحو تحزّب و مناصرة و مؤازرة، فإن

[1]التوبة/ 119.

[2]المجلسى، بحار الانوار، ج 23، ص 94 و ج 28، ص 256* احمد بن حنبل، المسند، ج 4 ص 96.

[3]المجادلة/ 22.

[4]المجادلة/ 13.

[5]المجادلة/ 19.