صلاة الجمعة و صلاحيّة التوجيه السياسي الموحَّد
فقد اختلف في حكم صلاة الجمعة في وجوبها في زمن عدم تصدّى المعصوم للأمور في الظاهر و كما هو الحال في الغيبة، فإنّ هناك شبه تسالم- عند الأقدمين و المتقدمين و المتأخرين و متأخرى المتأخرين و متأخرى الأعصار عدا نَزر قليل- على كون الوجوب العيني و التعيينى في عقدها و لزوم السعي إليها مشروطاً بتصدّي المعصوم عليه السلام و مؤدّى هذا التسالم المستند إلى الأدلة و النصوص ينطوي على على معطيات و معاني عديدة تفيد خصائص يتميّز بها المعصوم في صلاحيّاته دون صلاحيّات النواب العامّين من الفقهاء.
و لتوضيح ذلك ينبغى الحديث عن مقامين:
الأوّل- في ماهية صلاة الجمعة و هويّتها
فإنّ صلاة الجمعة قد اشتملت على خطبتين تتضمّنان الإرشاد الدينى و السياسي كمنبر إعلامي توجيهى من الوالى للرعية كما في معتبرة عن الرضا عليه السلام قال:
إنّما جعلت الخطبة يوم الجمعة لأنّ الجمعة مشهد عام فأراد أن يكون للأمير سبب إلى موعظتهم و ترغيبهم في الطاعة و ترهيبهم من المعصية و توقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم و دنياهم و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق من الأهوال التى لهم فيها المضرّة و المنفعة ... و إنّما جعلت خطبتين ليكون واحدة للثناء على اللَّه و التمجيد و التقديس للَّه عزّ و جلّ و الأخرى للحوائج و الإعذار و الإنذار و الدعاء و لما يريد أن يُعلمهم من أمره و نهيه و ما فيه الصلاح و الفساد.[1]
فيتبين من ذلك أنّ خطبة الجمعة مخصّصة و مقررة لبيان السياسة العامّة
[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، ابواب صلاة الجمعة، ب 25، ح 6.
للدولة و الحكومة في نظام المسلمين، كما أن الحالة الجماعية من الاجتماع المقدَّر و المقرّر لصلاة الجمعة يُعطى أنّ ماهيّتها و هويّتها ممّا ينطبع فيها الظاهرة الاجتماعية السياسية المرتبطة بالتدبير و النظم للنظام العامّ ممّا يقضى بأن تدبيرها هى نافذة للسلطة و للتصرف في الشأن العامّ من الدين و الاجتماع السياسي كما هو الحال في إمارة أمير الحجّ حيث يدبّر الاجتماع العام للناس و يوقّت الموقف و الإفاضة و كذلك صلاة العيد و خطبتها و من ثمّ لم يقم النبي بتشريعها إلّا بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة حيث أسّس النظام السياسي للمسلمين و من ثمّ قد اصطلح عند الولاة في الحكومات التي توالت على المسلمين نداء (الصلاة جامعة) في كلّ مورد أرادوا أن يخطبوا مقارناً للصلاة ليبيّنوا توجيهاً سياسياً و موقفاً حكومياً.
فيظهر من ذلك أنّ ماهيّة صلاة الجمعة بلحاظ خطبتها و إن اشتملت على الجانب العبادي و الموعظى و تناول الأدبيات العقائدية إلّا أنّها تتضمن أيضاً إعلان الموقف السياسي و المسار و الرؤية السياسية التى يراد إرساؤها في نظام المسلمين أو المؤمنين.
الثاني- حيث مرّت الإشارة إلى التسالم، عدا النزر اليسير، عند الطائفة الإمامية على اشتراط تصدّى المعصوم للنظام العامّ في العلن في الوجوب العيني و التعيينى لإقامة و عقد صلاة الجمعة و وجوب السعى اليها حيث قال تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»[1]
فإنّ وجوب السعى مقتضاه الاتّباع و الانقياد و التبعية للتوجيه و الموقف السياسي الذى يُعلَن في صلاة الجمعة و من ثمّ يفسَّر الوجوب العيني و التعيينى
[1]الجمعة/ 9.
لعقد صلاة الجمعة و السعى إليها بالإضافة إلى المعصوم أنّ اتّباع الخط و المسار السياسي الذى يعيّنه المعصوم خيار تعيينى و أمر لا بدّ منه لا حِياد عنه.
و هذا بخلاف حالة عدم تصدّى المعصوم بحسب الظاهر العلَن لإدارة الأمور العامّة فإنّ في تلك الحالة أى فترة نيابة الفقهاء بنحو العموم لا سيّما في زمن الغيبة فإنّ الوجوب تخييرى سواء في عقد و إقامة الصلاة أو السعى اليها و مؤدّى الوجوب التخييرى هو التعدّدية في الولاء السياسى ضمن المسار العام للمذهب؛ فإنّ عقد و إقامة صلاة الجمعة بمثابة إقامة الكيان السياسي و بناء و عقد المشروع السياسي مِن قِبَل الفقيه في صلاحيّته النيابية و السعي إلى صلاة الجمعة بمثابة الاتّباع و الانخراط في ذلك المشروع و المسار السياسى.
و مقتضى التخيير عدم إلزام الطائفة و بمشروع سياسى موحَّد من قِبل أحد الفقهاء، بل أبقى الائمة عليهم السلام للمؤمنين و لأتباعهم الخيار في المسارات السياسية ما دامت في الإطار العام للمذهب و مدرسة أهل البيت و هذا ممّا يعنى أنّ أهل البيت لم يخوّلوا و لم يفوّضوا أحداً من الفقهاء في صلاحيّته النيابية لأنّ يستبدّ و يتفرد في رسم المسار العام للطائفة، بل جعلوا ذلك متوزعاً و بنحو المشاركة المتعدّدة لا المشروطة لنوّابهم.
و هذا كما هو لائح ظاهر في صلاة الجمعة فكذلك في مجمل المناصب النيابية التى فوّضوها للفقهاء فإنّها كما سيأتى بنحو العموم الاستغراقى لا العموم البدلى و لا العموم المجموعى و بين الصياغات الثلاث بونٌ بنيوى في صياغة هيكل نظام الطائفة كما أشرنا إليه في الفصل الثانى من كتابنا الامامة الالهية و يأتى بيانه مفصلًا.
البغى و البُغاة
1. هل إنّ عنوان البغاة اصطلاح شرعي خاصّ على من خرج على الإمام أو إنّه يعمّ قتال كلّ فئة باغية على فئة اخرى، فهل تجري أحكام البغاة على الباغية حينئذٍ أم إنّه لا تندرج في أحكام البغاة، بل تدرج في أحكام الدفاع و القصاص؟
الظاهر من تتبّع كلمات الفقهاء هو الأول.
2. لو هجم الكفّار على بلاد من أهل الخلاف، لا لأجل محو بيضة الإسلام، بل لأجل قتل و سلب أهالي تلك البلاد فهل يجوز الدفاع عنهم حينئذٍ أم لا؟ مع أن الفرض أنّه ليس من الدفاع عن النظام الجائر.
3. الغيلة و الفتك هل تحرم مطلقاً أو أنّها تستثنى في مهدور الدم نظير قصاص القاتل أو المرتدّ و سابّ النبي؟
تجد أجوبة هذه الأسئلة في ضمن البحث التالي و هو البحث عن دار الإيمان.
دار الإيمان
إنّ الدقّة في أبواب البغاة في الفقه و التاريخ تعطينا عدّة نتائج:
1. أصول السياسة المدنيّة و الأمنيّة مع المخالفين هي في كتاب جهاد أهل البغي.
2. يظهر من بعض الفروع التي ذكروها في جهاد أهل البغي أنّ المخالفين،
فضلًا عن أنظمتهم في دولة الباطل، هم من أهل البغي؛ و بعبارة أخرى: أهل البغي هم من لا يكونون تحت طاعة الإمام السياسية و إنّ عنوان البغي مسبّب و متولّد من عدم الطاعة السياسية و من عدم تولّي الإمام في الولاية السياسية و سلطان تدبيره، بخلاف عنوان المخالف أو الضالّ، فإنّه بلحاظ العقيدة و عدم الإيمان و باللحاظ الأول يحلّ للإمام عليه السلام قتال المخالفين مطلقاً ما لم يدينوا بطاعته السياسية.
3. عبّر الفقهاء عن دار الإيمان و المؤمنين بأهل العدل و عن دار التقية و المخالفين بأهل البغي.
4. و بذلك يتّضح أنّ عنوان الباغي قد ينطبق على المؤمن في ما لو خرج عن طاعة المعصوم أو أقام نظاماً غير شرعي، و بالتالي يظهر أنّ البغي و الباغي هو مطلق الحاكم الجائر، أي الذي لا يكون سلطانه و ولايته منشعبة من ولاية المعصوم.
5. يظهر من ابواب أهل البغي أصول السياسات المدنية و الحقوق السياسية للفئات المعارضة للنظام، كما في سياسة النبي صلى الله عليه و آله و سلم مع المخالفين المعروفين في زمانه صلى الله عليه و آله و سلم و سياسة أمير المؤمنين عليه السلام مع الخوارج و الخاذلين للحقّ كعبد اللَّه بن عمر.
6. دار الإسلام يعبّر عنها بالتسليم السياسي للمعتقَد.
7. في المغني لابن قدامة في كتاب البغاة:
فكلّ من ثبتت إمامته وجبت طاعته و حرم الخروج عليه.[1]
و قد اعتبر مانعي الزكاة من البغاة.[2]و ذكر:
إنّ الخوارج عند جمهور الفقهاء عندهم أنّهم فسّاق يستتاب و إلّا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم عند مالك.[3]
[1]ابن قدامة، المغنى، ج 10، ص 48.
[2]ابن قدامة، المغنى، ج 10، ص 49.
[3]ابن قدامة، المغنى، ج 10، ص 49.
و ذهب أهل الحديث عندهم إلى أنهم كفّار مرتدّون للنصوص الواردة في البخاري و الموطأ. و قد قيّد البغاة بأنّهم الجمع الذي يخرجون من قبضة الإمام بتأويل و يرومون خلعه لتأويل.
و حكي عن أحمد بن حنبل أنّه لا يصلّي على الخوارج و لا على أهل البدع و قال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم و إن ماتوا فلا تصلّوا عليهم.
و قال: الجهمية و الرافضية لا يصلّى عليهم، قد ترك النبي صلى الله عليه و آله و سلم الصلاة بأقلّ من هذا.[1]
و قال مالك: لا يصلّى على الإباضية و القدرية و سائر أتباع الأهواء.
و قال ابن عياش: لا أصلّي على الرافضي، لأنّهم زعموا أنّ عمر كافر.
و قال الفاريابي: من شتم أبا بكر فهو كافر لا يصلّى عليه.[2]
و أقول: و هذا يدلّل على أنّ بحث البغاة يرتبط بالولاية السياسية للإمام العدل الحقّ و هو يوجب ترتّب سائر الحقوق المدنية و أحكام التعايش الاجتماعي و بالتالي في تكوين دار الإيمان و ميزها عن دار الإسلام، أي المواطنة و الأخوة و الولاء بحسب الولاية السياسية للإمام.
و قال ابن قدامة:
وجه ترك الصلاة عليهم أنّهم يكفّرون أهل الإسلام و لا يصلّون عليهم، فلا يصلّى عليهم كالكفّار من أهل الذمّة.[3]
8. ثمّ إنّ عنونة باب البغي في التشريع القرآني و السنّة القطعية و الفقه الإسلامي في كافّة المذاهب مؤشّر على تأصيل هذا الباب في الفروع و هو كما اتّفق
[1]ابن قدامة، المغنى، ج 10، ص 66- 67.
[2]ابن قدامة، المغنى، ج 10، ص 67.
[3]ابن قدامة، المغنى، ج 10، ص 67.
عليه الفريقان في تعريفه: الخارج عن طاعة الإمام العدل، فهذا الباب يمثّل و يدلّل على جهة مهمة من جهات و صفحات ولاية الإمام العادل و هي الولاية السياسية له و قد روى الفريقان بطرق متعدّدة:
إنّ من مات و لم يبايع إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
و في بعض الطرق:
من مات و ليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية.[1]
و غيرها من ألفاظ الحديث النبوي و مفاده يقرّر أنّ تولّي الإمام العادل- و المقصود به عند الإمامية هو المعصوم خاصّة- سياسياً دخيل في الإيمان و صحّته و الخروج عن حدّ الكفر القلبي الأخروي، فضلًا عن معرفة ذلك الإمام و الاعتقاد بإمامته.
فالطاعة السياسية و الولاء لحاكميّة المعصوم دخيلة في صحّة إيمان المؤمن و أيّ حركة و سَكَنَة و نشاط لا يستند إلى إشراف الإمام عليه السلام و إذنه و ترخيصه و أمره، يكون خروجاً عن طاعته، و بالتالي يكون بغياً على ولايته السياسية و قد ورد التعبير عنهم عليهم السلام:
إنّ الجهاد مع إمام غير عادل كالميتة- كما في خبر بشير الدهّان[2]، بل في مصحّح أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام عن آبائه، قال أمير المؤمنين عليه السلام:
لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم و لا يُنَفِّذ في الفيء أمر اللَّه عزّ و جلّ، فإنّه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدوّنا في حبس حقّنا و الإشاطة بدمائنا و ميتته ميتة جاهلية.[3]
و مثله رواه الصدوق في الخصال في حديث أربعمائة المعروف.
[1]المجلسى، بحار الأنوار، ج 23، ص 94* احمد بن حنبل، المسند، ج 4 ص 96.
[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الجهاد، ابواب جهاد العدو، ب 12، ح 1.
[3]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، نفس الباب، ح 8.
و مفاد هذه الأحاديث ليس على الهلاك في ما إذا قُتل، بل مفادها أنّه لو وافاه الموت و الأجل- و إن لم يُقتل- على هذه الطاعة السياسية كانت ميتته ميتة جاهلية.
و نظير هذا التعبير ورد في محاجّة مؤمن الطاق مع زيد بن علي عند خروجه في الكوفة.[1]و تقرير الإمام الصادق عليه السلام له على تلك المحاجّة، حيث تضمّنت أنّ الحركة السياسية و النشاط السياسي غير المتصل بتدبير الإمام المعصوم بنفسه موجب للهلكة و إن لم يحصل القتل و إن كانت الغاية من هذا النشاط و الحركة المزبورة غاية صالحة بحسب الظاهر.
و نظير ذلك ما ورد في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام:
قال اللَّه عزّ و جلّ: لأعذبنّ كلّ رعية في الإسلام دانت بولاية كلّ إمام جائر ليس من اللَّه عزّ و جلّ و إن كانت الرعية في أعمالها برّة تقية ...[2]
و غيرها من عشرات الروايات الواردة في هذا الصدد الدالّة على أنّ المكلّف يجب عليه أن يعيش في ظلّ النظام السياسي المدبَّر من قبل المعصوم، سواء كان ذلك النظام السياسي بشكل الحكومة الرسمية العلنية، كما في عهد حكومته صلى الله عليه و آله و سلم و حكومة الأمير عليه السلام في خمس سنوات أو في ظلّ الحكومة غير الرسمية و هو العيش في ظلّ النظام الإيماني في الطائفة الاثني عشرية التي أسّسوها هُم عليهم السلام.
و من هذا القبيل ما ورد في التحاكم في القضاء إلى حاكم الجور، أي الذي لم يأخذ صلاحيّة قضائه من المعصوم، فقد ورد نظير هذا التعبير أيضاً و ذلك لأنّ القضاء و التقاضي هو أحد شعب النظام السياسي، فاللازم فيه هو الانتظام في ولاء المعصوم و العيش في ظلّ حكومته و حاكميته بأي شكل كانت تلك الحاكميّة و لو بنمط نظام الطائفة لا نظام الدولة.
[1]الكلينى، الكافى، كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجّة، ح 5.
[2]الكلينى، الكافي، كتاب الحجة، باب من دان اللَّه بغير إمام من اللَّه، ح 4.