و مفاد هذه الأحاديث ليس على الهلاك في ما إذا قُتل، بل مفادها أنّه لو وافاه الموت و الأجل- و إن لم يُقتل- على هذه الطاعة السياسية كانت ميتته ميتة جاهلية.
و نظير هذا التعبير ورد في محاجّة مؤمن الطاق مع زيد بن علي عند خروجه في الكوفة.[1]و تقرير الإمام الصادق عليه السلام له على تلك المحاجّة، حيث تضمّنت أنّ الحركة السياسية و النشاط السياسي غير المتصل بتدبير الإمام المعصوم بنفسه موجب للهلكة و إن لم يحصل القتل و إن كانت الغاية من هذا النشاط و الحركة المزبورة غاية صالحة بحسب الظاهر.
و نظير ذلك ما ورد في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام:
قال اللَّه عزّ و جلّ: لأعذبنّ كلّ رعية في الإسلام دانت بولاية كلّ إمام جائر ليس من اللَّه عزّ و جلّ و إن كانت الرعية في أعمالها برّة تقية ...[2]
و غيرها من عشرات الروايات الواردة في هذا الصدد الدالّة على أنّ المكلّف يجب عليه أن يعيش في ظلّ النظام السياسي المدبَّر من قبل المعصوم، سواء كان ذلك النظام السياسي بشكل الحكومة الرسمية العلنية، كما في عهد حكومته صلى الله عليه و آله و سلم و حكومة الأمير عليه السلام في خمس سنوات أو في ظلّ الحكومة غير الرسمية و هو العيش في ظلّ النظام الإيماني في الطائفة الاثني عشرية التي أسّسوها هُم عليهم السلام.
و من هذا القبيل ما ورد في التحاكم في القضاء إلى حاكم الجور، أي الذي لم يأخذ صلاحيّة قضائه من المعصوم، فقد ورد نظير هذا التعبير أيضاً و ذلك لأنّ القضاء و التقاضي هو أحد شعب النظام السياسي، فاللازم فيه هو الانتظام في ولاء المعصوم و العيش في ظلّ حكومته و حاكميته بأي شكل كانت تلك الحاكميّة و لو بنمط نظام الطائفة لا نظام الدولة.
[1]الكلينى، الكافى، كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجّة، ح 5.
[2]الكلينى، الكافي، كتاب الحجة، باب من دان اللَّه بغير إمام من اللَّه، ح 4.
ففي قوله تعالى:
«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»[1]
دلالة على أنّ الطاعة السياسية لغير المعصوم- المعبّر عنه بالطاغوت- هو كفر في مقابل الإيمان لا مقابل ظاهر الإسلام و بالتالي فطاعة نظام التدبيري السياسي للمعصوم إيمان، سواء في حقل القضاء أو النشاط السياسي كالجهاد أو حقل الفتوى و التشريع.[2]
و قد ورد في معتبرة أبي خديجة، قال أبو عبد اللَّه عليه السلام:
إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه.[3]
و هذا الخطاب منه عليه السلام للشيعة من عصره و إن كان مفاده يقرّر للأزمنة اللاحقة أيضاً بتقريب مذكور في محلّه. و قد ورد في أبواب اخرى يجدها المتتبّع.
و منه يتحصّل أنّ كتاب البغي و البغاة و هذا الباب له تأثير في المرتبة الطولية المتقدّمة و هيمنة و إشراف على بقية الأبواب و الأحكام المترتّبة و المذكورة فيها و إنّه حلقة الوصل بين بحث الإمامة في الاعتقادات و الأبواب الفقهية في الفروع.
و سيأتي في كلمات فقهاء الفريقين بيان ترتّب الآثار في سائر الأبواب على هذا الباب، كما في ما حكاه ابن قدامة في المغني عن مالك و ابن حنبل و يشير إلى أهميّة الولاء السياسي للمعصوم و الطاعة و الانقياد لحكومته، سواء العلنية الرسمية أم غير المعلنة، كما في النظام السياسي ضمن الطائفة الإمامية في عصر
[1]النساء/ 60.
[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، ب 1.
[3]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، ب 1، ح 5.
الغيبة زائداً عن المعرفة و الاعتقاد ما ورد في مستفيض روايات الرجعة، أنّ رجوع المؤمنين في الرجعة لكي يتمّ و يستكمل إيمانهم بحصول مبايعتهم السياسية للمعصوم.
و منه يظهر أنّ انتماء المكلّف لأيّ نظام اجتماعي سياسي لا بدّ أن يكون تحت ظلّ نظام المؤسَّس من قبله عليه السلام سواء في عصر حضورهم و ظهورهم أو في عصر الغيبة و سواء في ذلك حالة تقلّدهم للحكومة العلنية أم لا.
و من ذلك يحتمل من مفاد قوله تعالى:
«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً»[1]
إنّ إكمال الدين حصل بالبيعة السياسية لأمير المؤمنين عليه السلام و إلّا فأخذ المعرفة بإمامته و الإقرار بها من حصول الإيمان قد تمّ في الآيات العديدة قبل ذلك.
و قال أبو بكر القاساني في بدائع الصنائع في كتاب القضاء:
إنّ العدالة ليست شرطاً في القاضي، بل شرط كمال و كذلك في المفتي فيجوز اتّباع فتوى المفتي الفاسق مع أنّه اعترف ان القضاء من الولايات العظمى و الأمانات الكبرى على الدماء و الفروج و الأعراض و الأموال.[2]
كلمات الفقهاء في ذلك
1. قد ذكر الحلبى في الكافى في الفقه:
و إن كانوا متأولين- و هم الذين يتظاهرون بجحد بعض الفروض و استحلال بعض المحرّمات المعلومة بالاستدلال كإمامة أمير
[1]المائدة/ 3.
[2]القاسانى، بدائع الصنائع، ج 7، ص 3.
المؤمنين أو أحد الأئمّة عليهم السلام أو مسح الرجلين أو الفقاع أو الجرّي أو وصف اللَّه تعالى بغير صفاته الراجعة إليه تعالى نفياً و إثباتاً و إلى أفعاله- دعوا إلى الحق و يبيّن لهم ما اشتبه عليهم بالبرهان، فإن أنابوا قبلت توبتهم و إن أبوا إلّا المجاهرة بذلك قُتلوا صبراً.[1]
و يظهر من هذه العبارة؛
أولًا: إنّ ما سيقوم به صاحب العصر عليه السلام من جهاد بقية الفِرَق هو جهاد ابتدائي نظير ما قد ابتدأ به رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم من دعوة الناس إلى الإسلام، لأنّ الدعوة إلى إمامتهم هي دعوة لحقيقة الإسلام و حيث تتمّ الدعوة إلى الحقّ و تتنجّز الحجّة فيحلّ القتال حينئذٍ كجهاد ابتدائي و أنّ الجهاد الابتدائي معهم لم يحن إلى هذا اليوم لعدم حصول الدعوة إلى الإمامة من المعصومين بعد إقامتهم الدولة و تولّيهم لزمام الأمور إذ شرط الجهاد الابتدائي هو الدعوة أولًا إلى الحقّ و إقامة الحجّة ثمّ يشرع الجهاد.
و يظهر من كلامه أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أمير المؤمنين عليه السلام حيث لم يَدعُ الناس إلى الدخول في الإيمان جهاراً بالإعلان ظاهراً بتقيّدهم بالإيمان إلّا في حقبة قصيرة، مبدؤها بيعة الغدير إلى وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و هي مدّة أشهر، فلم يقاتلا الناس على ذلك، و بعد ذلك أُبْهِمَ على الناس الشبهات و لم يجاهَر بالدعوة إلى الإمامة من قِبَل المعصوم حتى في حكومة أمير المؤمنين عليه السلام.
و المقصود من الدعوة إلى الإمامة جهاراً من قِبل المعصوم عليه السلام بعد استلامه لزمام الأمور ليس هو أصل تبليغ الإمامة الذي كان في طيلة عهد رسالة النبي صلى الله عليه و آله و سلم من يوم الدار إلى يوم وفاته صلى الله عليه و آله و سلم و في طيلة حياة المعصومين، بل المقصود من ذلك هو الدعوة إلى التقيّد بولايتهم في الظاهر و إقامة الحجّة على ذلك و من ثمّ
[1]الحلبى، الكافي في الفقه، ص 250.
الإلجاء بالجهاد على ذلك؛ نظير الفرق بين دعوة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في مكّة إلى الإسلام و الشهادتين و بين دعوته صلى الله عليه و آله و سلم إلى الإسلام بعد إقامته للدولة في المدينة المنوّرة، فإنّ الدعوة الأولى من مكّة عقائدية بحتة قائمة على الدليل و الاستدلال و أمّا الدعوة في المدينة بعد تشكيل الحكومة فهي دعوة عقائدية سياسية، أي الدعوة إلى الانتساب إلى الإسلام كنظام عقائدي سياسي في السلوك الظاهري؛ و السنخ الثاني من الدعوة لم يتحقّق إلى إمامة أهل البيت عليهم السلام إلّا في تلك الحقبة القصيرة من أواخر حياة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و ما بعدها، فإمّا لم تنجَّز الدعوة لإمامتهم عليهم السلام أو لم يستقرّوا في مسند السلطة.
و ثانياً: يظهر من كلامه في الكافي، أنّ الهدنة مع الفرق الأخرى في تلك العصور، المعبّر عنها بزمان الهدنة في الروايات و الفتاوى، هي حقيقة الحرمة بيننا و بينهم من حرمة الأموال و الدماء و الأعراض و أنّ هذه الهدنة أنشأها النبي و الوصي عليهما السلام و غايتها و منتهى أجلها ظهور الإمام الثاني عشر عليه السلام، فإنّ بظهوره و تسلّمه للقدرة و دعوته إلى الإمامة تنتهي تلك الهدنة المضروبة و المعقودة من قِبل النبي و الوصي عليهما السلام.
فحقيقة حال القوم أنّهم سلّموا بالهدنة لا بالإسلام حقيقة و من ثمّ يطلق عليهم في كلمات المتقدّمين أنّهم منتحلون له، كما في انتحال النصارى لشريعة المسيح و انتحال اليهود لشريعة موسى مع كونهم غير قائمين على دين النبي موسى و عيسى حقيقةً.
و لك أن تقول: ان لعقد الهدنة درجات أو إنّ لمتعلّقه موارد، فاختلاف هؤلاء مع الكفّار المشركين المهادنين هو باختلاف شرائط الهدنة عليهم و لهم. و من ثمّ اختلفت أحكام الذبائح و الأنكحة و الطهارة و النجاسة. ثمّ إنّ هذه الهدنة حيث إنّ عقدها باقٍ إلى ظهور الإمام- عجل اللَّه تعالى فرجه- فليس لأحد نكثها أو حلّها.
2. و قد ذكر ايضاً الحلبى في الكافى:
و إن كانوا مستسرّين به في دار الأمن، لم يعرض لهم بغير الدعوة إلى الحقّ بالحجّة، فإنّ خرجوا بتأوّلهم هذا عن دار الأمن و أظهروا السلاح و أخافوا سلطان الحقّ و متبعيه، كطلحة و الزبير و عائشة و أتباعهم و معاوية و أنصاره و أهل النهروان، فإنّ الخلال المذكورة اجتمعت فيهم من جحد إمامة الإمام العادل و استحلال دماء المسلمين و إظهار السلاح في دار الأمن و قتل أنصار الحقّ على أتباعه و خلافهم و السيرة في من جرى مجراهم بعد الدعوة و إقامة الحجّة و حصول الإصرار بمنابذتهم بالحرب و قتلهم و الحرب قائمة مقبلين و مدبرين و الإجهاز على جرحاهم.[1]
يظهر من كلامه:
أولًا: إنّ البغاة ينطبق على من قصد محاربة الطائفة الاثني عشرية و إزالة كيانهم الاجتماعي و إن لم يفرض فيه خروج على الإمام المعصوم و لا تكوّن دولة للإمام لقوله: «و قتل أنصار الحقّ على اتباعه و خلافهم».
ثانياً: يظهر من جميع كلامه أنّ جهاد البغاة هو بمنزلة خروج البغاة عن الهدنة و حرمتها فيجاهدون جهاداً دفاعياً إلّا أنّ لهم أنْ يئوبوا إلى الهدنة مرّة أخرى، كما سنّ فيه ذلك أمير المؤمنين عليه السلام.
3. و قال المفيد في المقنعة:
و إذا تمكّن الغافل مِن قِبَل أهل الضلال على ظاهر الحال من إقامة الحدود على الفجّار و إيقاع الضرر المستحقّ على أهل الخلاف، فليجتهد في إنفاذ ذلك فيهم، فإنّه من أعظم الجهاد.[2]
و يظهر من كلامه لزوم تقوية كيان أهل الإيمان و إضعاف كيان أهل الخلاف
[1]الحلبى، الكافي في الفقه، ص 251.
[2]المفيد، المقنعة، باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ص 812.
ما استطاع إلى كسب ذلك سبيلًا و مراده من إضعاف كيانهم ليس خفر حرمة الدماء و الأموال و الأعراض، بل مراده إضعاف كيانهم من جهة مذهبهم، نظير ما في شرائط الذمّة مع أهل الكتاب، فإنّ مضمون شرائط أهل الذمّة هي إضعاف لكيانهم الديني دون كيانهم المدني المعيشي.
و يظهر منه أنّ هذا حكم مستثنى تخصّصاً من عقد الهدنة معهم، فإنّ مفاد روايات من تشهّد الشهادتين الواردة عنهم عليهم السلام لا يفيد جواز اقتدار كيانهم المذهبي و إنّما غاية مفاده هو حفظ الحقوق المدنية بالاصطلاح الحديث و المصير المعيشي و هو ما يعبّر عنه بحرمة الدماء و الأعراض و الأموالِ. و حلّيةُ الذبائح و المناكحة تشير إلى التعامل المدني التجاري لا ما له لون ديني من دعوة الضلال لهم.
4. قال في التجريد:
محاربو عليّ عليه السلام كَفَرَةٌ و مخالفوه فَسَقَة.[1]
و هذا التعبير قد تكرّر عند متكلّمي الأصحاب و المتقدّمين من الفقهاء، فقد قال المفيد في كتاب الجمل:
و اجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي عليّ و لكنهم لم يخرجوه بذلك من حكم ملّة الإسلام، إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملّة و لم يكفروا ردّة عن الشرع، مع إقامتهم على الجملة منه و إظهار الشهادتين و إن كانوا بكفرهم خارجين من الإيمان مستحقّين اللعنة و الخلود في النار.
و على أيّ تقدير فتفسير هذا التفصيل (كلام الخواجة) هو أنّه بالمحاربة حيث يكونوا بغاةً و البغي يخرجهم من الهدنة، فيعود حكمهم جذعاً كجهاد
[1]الخواجة، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص 398.
الكفّار، فإنْ أبوا فيكون مخالفين مهادنين، لكنهم ليسوا على عدالة الدين.
5. و قال المفيد رحمه الله في أوائل المقالات:
و اتفقت الإمامية على أنّ أصحاب البدع كلّهم كفّار و إنّ على الإمام مَن يستتيبهم عند التمكّن بعد الدعوة لهم و إقامة البيّنات عليهم، فإن تابوا عن بدعهم و صاروا إلى الصواب و إلّا قتلهم لردّتهم من الإيمان.
ثمّ نقل عن المعتزلة أنّهم فساق و ليسوا بكفّار. و مؤدّى عبارته نظير العبارة المتقدّمة عن الحلبي في الكافي هي انّ حرمة أهل الخلاف من باب الهدنة، فإذا تمّت الدّعوى إلى حقيقة الإسلام و الإمامة و قامت عليهم الحجّة و دعوا إلى التقيّد بذلك، فإنّهم يجاهدون جهاد الابتدائي.
و قال في الكتاب المزبور أيضاً:
و اتفقت الإمامية على أنّ الناكثين و القاسطين من أهل البصرة و الشام أجمعين كفّار ضلّال بحربهم أمير المؤمنين عليه السلام و أنّهم بذلك في النار مخلّدون.
ثمّ نقل عن المعتزلة أنّهم فساق و ليسوا بكفّار؛ ثمّ حكى اتفاق الإماميّة على أنّ الخوارج المارقين عن الدين كفّار بخروجهم على أمير المؤمنين عليه السلام و أنّهم بذلك في النّار مخلّدون.
6. و في كتاب المنقذ من التقليد، قال في محاربي علي عليه السلام:
فإن قيل: لو تساوى حكم الحربيين (حرب الرسول و حرب الأمير عليه السلام) لغُنم مال كلّ واحد منهما ... قيل: الظاهر يقتضي ذلك، لكن عَلِمْنا بالدليل اختلافهما في بعض الأحكام، فأخرجناه بالدليل و بقي ما عداه، ثمّ يقال للمعتزلة: أ لستم تحكمون بكفر المجبّرة و المشبّهة، أ فيلزمكم أن يجرى عليكم حكم الكفّار من أهل الحرب؟
و بعدُ فإنّ أحكام الكفّار المختلفة أ لا ترى أنّ الحربي حكمه مخالف