المؤمنين أو أحد الأئمّة عليهم السلام أو مسح الرجلين أو الفقاع أو الجرّي أو وصف اللَّه تعالى بغير صفاته الراجعة إليه تعالى نفياً و إثباتاً و إلى أفعاله- دعوا إلى الحق و يبيّن لهم ما اشتبه عليهم بالبرهان، فإن أنابوا قبلت توبتهم و إن أبوا إلّا المجاهرة بذلك قُتلوا صبراً.[1]
و يظهر من هذه العبارة؛
أولًا: إنّ ما سيقوم به صاحب العصر عليه السلام من جهاد بقية الفِرَق هو جهاد ابتدائي نظير ما قد ابتدأ به رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم من دعوة الناس إلى الإسلام، لأنّ الدعوة إلى إمامتهم هي دعوة لحقيقة الإسلام و حيث تتمّ الدعوة إلى الحقّ و تتنجّز الحجّة فيحلّ القتال حينئذٍ كجهاد ابتدائي و أنّ الجهاد الابتدائي معهم لم يحن إلى هذا اليوم لعدم حصول الدعوة إلى الإمامة من المعصومين بعد إقامتهم الدولة و تولّيهم لزمام الأمور إذ شرط الجهاد الابتدائي هو الدعوة أولًا إلى الحقّ و إقامة الحجّة ثمّ يشرع الجهاد.
و يظهر من كلامه أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أمير المؤمنين عليه السلام حيث لم يَدعُ الناس إلى الدخول في الإيمان جهاراً بالإعلان ظاهراً بتقيّدهم بالإيمان إلّا في حقبة قصيرة، مبدؤها بيعة الغدير إلى وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و هي مدّة أشهر، فلم يقاتلا الناس على ذلك، و بعد ذلك أُبْهِمَ على الناس الشبهات و لم يجاهَر بالدعوة إلى الإمامة من قِبَل المعصوم حتى في حكومة أمير المؤمنين عليه السلام.
و المقصود من الدعوة إلى الإمامة جهاراً من قِبل المعصوم عليه السلام بعد استلامه لزمام الأمور ليس هو أصل تبليغ الإمامة الذي كان في طيلة عهد رسالة النبي صلى الله عليه و آله و سلم من يوم الدار إلى يوم وفاته صلى الله عليه و آله و سلم و في طيلة حياة المعصومين، بل المقصود من ذلك هو الدعوة إلى التقيّد بولايتهم في الظاهر و إقامة الحجّة على ذلك و من ثمّ
[1]الحلبى، الكافي في الفقه، ص 250.
الإلجاء بالجهاد على ذلك؛ نظير الفرق بين دعوة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في مكّة إلى الإسلام و الشهادتين و بين دعوته صلى الله عليه و آله و سلم إلى الإسلام بعد إقامته للدولة في المدينة المنوّرة، فإنّ الدعوة الأولى من مكّة عقائدية بحتة قائمة على الدليل و الاستدلال و أمّا الدعوة في المدينة بعد تشكيل الحكومة فهي دعوة عقائدية سياسية، أي الدعوة إلى الانتساب إلى الإسلام كنظام عقائدي سياسي في السلوك الظاهري؛ و السنخ الثاني من الدعوة لم يتحقّق إلى إمامة أهل البيت عليهم السلام إلّا في تلك الحقبة القصيرة من أواخر حياة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و ما بعدها، فإمّا لم تنجَّز الدعوة لإمامتهم عليهم السلام أو لم يستقرّوا في مسند السلطة.
و ثانياً: يظهر من كلامه في الكافي، أنّ الهدنة مع الفرق الأخرى في تلك العصور، المعبّر عنها بزمان الهدنة في الروايات و الفتاوى، هي حقيقة الحرمة بيننا و بينهم من حرمة الأموال و الدماء و الأعراض و أنّ هذه الهدنة أنشأها النبي و الوصي عليهما السلام و غايتها و منتهى أجلها ظهور الإمام الثاني عشر عليه السلام، فإنّ بظهوره و تسلّمه للقدرة و دعوته إلى الإمامة تنتهي تلك الهدنة المضروبة و المعقودة من قِبل النبي و الوصي عليهما السلام.
فحقيقة حال القوم أنّهم سلّموا بالهدنة لا بالإسلام حقيقة و من ثمّ يطلق عليهم في كلمات المتقدّمين أنّهم منتحلون له، كما في انتحال النصارى لشريعة المسيح و انتحال اليهود لشريعة موسى مع كونهم غير قائمين على دين النبي موسى و عيسى حقيقةً.
و لك أن تقول: ان لعقد الهدنة درجات أو إنّ لمتعلّقه موارد، فاختلاف هؤلاء مع الكفّار المشركين المهادنين هو باختلاف شرائط الهدنة عليهم و لهم. و من ثمّ اختلفت أحكام الذبائح و الأنكحة و الطهارة و النجاسة. ثمّ إنّ هذه الهدنة حيث إنّ عقدها باقٍ إلى ظهور الإمام- عجل اللَّه تعالى فرجه- فليس لأحد نكثها أو حلّها.
2. و قد ذكر ايضاً الحلبى في الكافى:
و إن كانوا مستسرّين به في دار الأمن، لم يعرض لهم بغير الدعوة إلى الحقّ بالحجّة، فإنّ خرجوا بتأوّلهم هذا عن دار الأمن و أظهروا السلاح و أخافوا سلطان الحقّ و متبعيه، كطلحة و الزبير و عائشة و أتباعهم و معاوية و أنصاره و أهل النهروان، فإنّ الخلال المذكورة اجتمعت فيهم من جحد إمامة الإمام العادل و استحلال دماء المسلمين و إظهار السلاح في دار الأمن و قتل أنصار الحقّ على أتباعه و خلافهم و السيرة في من جرى مجراهم بعد الدعوة و إقامة الحجّة و حصول الإصرار بمنابذتهم بالحرب و قتلهم و الحرب قائمة مقبلين و مدبرين و الإجهاز على جرحاهم.[1]
يظهر من كلامه:
أولًا: إنّ البغاة ينطبق على من قصد محاربة الطائفة الاثني عشرية و إزالة كيانهم الاجتماعي و إن لم يفرض فيه خروج على الإمام المعصوم و لا تكوّن دولة للإمام لقوله: «و قتل أنصار الحقّ على اتباعه و خلافهم».
ثانياً: يظهر من جميع كلامه أنّ جهاد البغاة هو بمنزلة خروج البغاة عن الهدنة و حرمتها فيجاهدون جهاداً دفاعياً إلّا أنّ لهم أنْ يئوبوا إلى الهدنة مرّة أخرى، كما سنّ فيه ذلك أمير المؤمنين عليه السلام.
3. و قال المفيد في المقنعة:
و إذا تمكّن الغافل مِن قِبَل أهل الضلال على ظاهر الحال من إقامة الحدود على الفجّار و إيقاع الضرر المستحقّ على أهل الخلاف، فليجتهد في إنفاذ ذلك فيهم، فإنّه من أعظم الجهاد.[2]
و يظهر من كلامه لزوم تقوية كيان أهل الإيمان و إضعاف كيان أهل الخلاف
[1]الحلبى، الكافي في الفقه، ص 251.
[2]المفيد، المقنعة، باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ص 812.
ما استطاع إلى كسب ذلك سبيلًا و مراده من إضعاف كيانهم ليس خفر حرمة الدماء و الأموال و الأعراض، بل مراده إضعاف كيانهم من جهة مذهبهم، نظير ما في شرائط الذمّة مع أهل الكتاب، فإنّ مضمون شرائط أهل الذمّة هي إضعاف لكيانهم الديني دون كيانهم المدني المعيشي.
و يظهر منه أنّ هذا حكم مستثنى تخصّصاً من عقد الهدنة معهم، فإنّ مفاد روايات من تشهّد الشهادتين الواردة عنهم عليهم السلام لا يفيد جواز اقتدار كيانهم المذهبي و إنّما غاية مفاده هو حفظ الحقوق المدنية بالاصطلاح الحديث و المصير المعيشي و هو ما يعبّر عنه بحرمة الدماء و الأعراض و الأموالِ. و حلّيةُ الذبائح و المناكحة تشير إلى التعامل المدني التجاري لا ما له لون ديني من دعوة الضلال لهم.
4. قال في التجريد:
محاربو عليّ عليه السلام كَفَرَةٌ و مخالفوه فَسَقَة.[1]
و هذا التعبير قد تكرّر عند متكلّمي الأصحاب و المتقدّمين من الفقهاء، فقد قال المفيد في كتاب الجمل:
و اجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي عليّ و لكنهم لم يخرجوه بذلك من حكم ملّة الإسلام، إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملّة و لم يكفروا ردّة عن الشرع، مع إقامتهم على الجملة منه و إظهار الشهادتين و إن كانوا بكفرهم خارجين من الإيمان مستحقّين اللعنة و الخلود في النار.
و على أيّ تقدير فتفسير هذا التفصيل (كلام الخواجة) هو أنّه بالمحاربة حيث يكونوا بغاةً و البغي يخرجهم من الهدنة، فيعود حكمهم جذعاً كجهاد
[1]الخواجة، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص 398.
الكفّار، فإنْ أبوا فيكون مخالفين مهادنين، لكنهم ليسوا على عدالة الدين.
5. و قال المفيد رحمه الله في أوائل المقالات:
و اتفقت الإمامية على أنّ أصحاب البدع كلّهم كفّار و إنّ على الإمام مَن يستتيبهم عند التمكّن بعد الدعوة لهم و إقامة البيّنات عليهم، فإن تابوا عن بدعهم و صاروا إلى الصواب و إلّا قتلهم لردّتهم من الإيمان.
ثمّ نقل عن المعتزلة أنّهم فساق و ليسوا بكفّار. و مؤدّى عبارته نظير العبارة المتقدّمة عن الحلبي في الكافي هي انّ حرمة أهل الخلاف من باب الهدنة، فإذا تمّت الدّعوى إلى حقيقة الإسلام و الإمامة و قامت عليهم الحجّة و دعوا إلى التقيّد بذلك، فإنّهم يجاهدون جهاد الابتدائي.
و قال في الكتاب المزبور أيضاً:
و اتفقت الإمامية على أنّ الناكثين و القاسطين من أهل البصرة و الشام أجمعين كفّار ضلّال بحربهم أمير المؤمنين عليه السلام و أنّهم بذلك في النار مخلّدون.
ثمّ نقل عن المعتزلة أنّهم فساق و ليسوا بكفّار؛ ثمّ حكى اتفاق الإماميّة على أنّ الخوارج المارقين عن الدين كفّار بخروجهم على أمير المؤمنين عليه السلام و أنّهم بذلك في النّار مخلّدون.
6. و في كتاب المنقذ من التقليد، قال في محاربي علي عليه السلام:
فإن قيل: لو تساوى حكم الحربيين (حرب الرسول و حرب الأمير عليه السلام) لغُنم مال كلّ واحد منهما ... قيل: الظاهر يقتضي ذلك، لكن عَلِمْنا بالدليل اختلافهما في بعض الأحكام، فأخرجناه بالدليل و بقي ما عداه، ثمّ يقال للمعتزلة: أ لستم تحكمون بكفر المجبّرة و المشبّهة، أ فيلزمكم أن يجرى عليكم حكم الكفّار من أهل الحرب؟
و بعدُ فإنّ أحكام الكفّار المختلفة أ لا ترى أنّ الحربي حكمه مخالف
لحكم الذمّي و المرتدّ يخالف حكمه حكمهما و إذا كان أحكام الكفر مختلفة لم يمتنع أن يكون أحكام البغاة مخالفة لأحكام سائر الكفّار.
و الذي ذكره مضمون ما ذكره الشيخ في الاقتصاد.
و قد روى في تفسير البرهان[1]: إنّه عليه السلام قال يوم البصرة:
و اللَّه ما قتل أهل هذه الآية حتى اليوم و تلا:«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ»[2]
و يظهر من كلمات كثير من الأصحاب أنّ المنتحل للإسلام و إنْ حكم بكفره إلّا أنّه يفترق عن الكافر الأصلي في باب الجهاد و الأموال و الأعراض؛ كما مرّ في عبارة الشيخ المفيد في كتاب الجمل.
و في البحار جواب سيد الشهداء عليه السلام لمعاوية لمّا ذكر أنّه قتل حجر بن عدي و غيره من شيعة علي عليه السلام:
لو قتلنا شيعتك ما كفّناهم و لا صلّينا عليهم و لا أقبرناهم.[3]
7. و قد ذكر في الحدائق[4]:
إنّ المتقدّمين حكموا بكفر المخالفين و نصبهم و نجاستهم خلافاً لمشهور المتأخّرين حيث ذهبوا إلى الحكم بإسلامهم و طهارتهم.
و حكى عن النوبختي في فصّ الياقوت: إنّ جمهور الأصحاب على الحكم بكفرهم إلّا جماعة فيحكمون بفسقهم و تابعه العلّامة في شرحه للكتاب معلّلًا بإنكارهم الضروري.
[1]البحرانى، البرهان في تفسير القرآن، ج 1، ص 479.
[2]المائدة/ 54.
[3]المجلسى، بحار الأنوار، ج 10، ص 130.
[4]البحرانى، الحدائق الناضرة، ج 10، ص 43.
و كذا في المنتهى كما حكى عن المقنعة في باب الميت عدم جواز تجهيز الميت منهم.
و مثله ابن البرّاج و الشيخ في التهذيب معلّلًا بأنّ المخالف للحقّ كافر تترتّب عليه أحكامه إلّا ما أخرجه الدليل.
و كذا ابن إدريس في السرائر و مذهب المرتضى معروف و كذا الفاضل المازندراني و مثله القاضي نور اللَّه و الفاضل أبي الحسن الشريف جدّ صاحب الجواهر.
لكنك عرفت أنّ القدماء في الأبواب المختلفة رتّبوا عليهم أحكام المنتحلين للإسلام، أي مقتضى مفاد عقد الهدنة، و من ثمّ سمّوا دار الإسلام أي الشهادتين باللسان دار الهدنة و تقدّم عبارة المفيد في الجمل حيث نقل إجماع الشيعة على عدم إخراجهم عن حكم ملّة الإسلام لأنّه كفر بالتأويل لا ردّة عن الشرع الظاهر و إن كانوا خارجين من الإيمان. و قد جوّز في المقنعة نكاح المخالف غير المعلن العداوة و ذبحه، و مثله الشيخ في النهاية و القاضي في نكاح المهذّب.
8. نعم في السرائر ذكر «إنّ المسلم يرث المسلم»؛ ثمّ قال:
و قد يوجد في بعض نسخ المقنعة في باب أهل الملل المختلفة و الاعتقادات المتباينة: و يرث المؤمنون أهل البدع من المعتزلة و المرجئة و الحشوية و لا ترث هذه الفرق أحداً من أهل الإيمان كما يرث المسلمون الكفّار و لا يرث الكفّار أهل الإسلام. و الأول هو المذهب و القول المأوّل عليه و المرجوع إليه و النسخة المعروفة من المقنعة هو القول بالإرث.
و ذكر في باب الذبح عدم جواز تولّي غير معتقد الحقّ إلّا المستضعف.
و كذا في المراسم في شرائط من يجوز العقد عليها قال:
و منها أن تكون المرأة مؤمنة أو مستضعفة، فإن كانت ذمّية أو
مجوسية أو معاندة لم يصحّ نكاحها غبطة.
و في المهذب للقاضي خصّ جواز التزكية بالمسلم من أهل الحقّ.
و كذا الحلبي في الكافي عند تعداد المحرم من الذبيحة قال: «أو مِن دون التسمية تديناً أو بفعل كافر كاليهودي أو النصراني أو جاحد النص». لكن هذا التخصيص- في جملة من كلماتهم في بعض الأبواب لدلالة بعض النصوص- لا يدلّ على عدم حكمهم بالإسلام الظاهري المنتحل ما دامت الدار دار إسلام و هي الهدنة لا دار إيمان، أي دولة الحقّ للمعصوم، حيث يقيم الدعوة و الحجّة على حقيقة الدين؛ فغاية الأمر ترتيب الآثار في بعض الأبواب عند بعضهم على الإسلام الواقعي و هو الإيمان كما هو الحال في مصرف الزكاة.[1]
9. و في جهاد الجواهر:
إنّ هذا الزمان المسمّى في النصوص بزمان الهدنة يجري عليهم- أي على العامّة- فيه جميع أحكام المسلمين في الطهارة و أكل الذبائح و المناكحات و حرمة الأموال حتى يظهر الحقّ فيجري عليهم حكم الكفّار الحربيين.[2]
و قوله «بجريان جميع أحكام المسلمين عليهم» قد عرفت التأمّل فيه بحسب كلمات الأصحاب في الأبواب و إنما تجري عليهم جملة من الأحكام التي هي مفاد عقد الهدنة و هي عقد استجابة لدعوته صلى الله عليه و آله و سلم إلى الشهادتين، فاللازم ترتّب الأحكام المذكورة في مفاد عقد الهدنة- أي نصوص الشهادتين- من حرمة الأموال و الدماء و الأعراض و حلّ الذبائح و المناكحات على تفصيل فيها و كذا التوارث ممّا هو من أحكام التعايش و النظام المدني.
و أمّا الحقوق المترتّبة على الديانة فلا تجري، بل قد مرّ في عبارة الشيخ
[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، أبواب مستحقي الزكاة، ب 2- 7.
[2]النجفى، الجواهر، ج 21، ص 373.