في بحث الذمّي و نظير ذلك في مَن قتل النصّاب بدون إذن المعصوم، فإنّ معصيته ليس لحرمة الناصبي، بل لعدم استئذانه من الوالي العادل الذي بيده نظم نظام المؤمنين.
16. و قال في الجواهر:
فالظاهر إلحاق المخالفين بالمشركين في ذلك- أي في الغيبة- لاتحاد الكفر الإسلامي و الإيماني فيهم، بل لعلّ هجائهم على رءوس الأشهاد من أفضل عبادة العباد ما لم تمنع التقية؛ و أولى من ذلك غيبتهم التي جرت سيرة الشيعة عليها من جميع الأعصار و الأمصار و عوامهم حتى ملئوا القراطيس منها، بل هي عندهم من أفضل الطاعات و أكمل القربات، فلا غرابة في دعوى تحصيل الإجماع كما عن بعضهم بل يمكن دعوى كون ذلك من الضروريات، فضلًا عن القطعيات.[1]
إلى أن قال:
لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تضافرت به النصوص، بل تواترت من لعنهم و سبّهم و شتمهم و كفرهم و أنّهم مجوس هذه الأُمّة و أشرّ من النصارى و أنجس من الكلاب، أنّ مقتضى التقدّس و الورع خلاف ذلك- و هو يشير إلى احتياط المقدّس[2]في غيبتهم- و صدر الآية التشبيه بأكل لحم الأخ، بل في جامع المقاصد أنّ حدّ الغيبة- على ما في الأخبار- أن يقول في أخيه ... و كيف يتصوّر الأخوة بين المؤمنين و المخالف بعد تواتر الروايات و تضافر الآيات في وجوب معاداتهم و البراءة منهم و حينئذٍ فلفظ الناس و المسلم يجب إرادة المؤمن منهما ....
[1]النجفى، الجواهر، ج 22، ص 62.
[2]أي المقدّس الأردبيلي.
و ما أبعد ما بينه و بين الخواجة نصير الدين الطوسي و العلّامة الحلّي و غيرهم ممّن يرى قتلهم و نحوه من أحوال الكفّار حتّى وقع منهم ما وقع في بغداد و نواحيها.
و بالجملة طول الكلام في ذلك كما فعله في الحدائق من تضييع العمر في الواضحات، إذ لا أقلّ من أن يكون جواز غيبتهم لتجاهرهم بالفسق، فإنّ ما هم عليه أعظم أنواع الفسق، بل الكفر و إن عوملوا معاملة المسلمين في بعض الأحكام للضرورة.[1]
و يظهر من كلامه رحمه الله عين ما تقدّم من الشيخ الأنصاري أيضاً، بل قد يستشعر منها عدم ثبوت القصاص بيننا و بينهم إلّا من جهة كونه حدّاً لا قصاصاً أو من المستضعف دون المعاند، فقد قصر ترتّب أحكام و حقوق المسلم عليهم في موارد الضرورة.
ثمّ إنّه يظهر من الآية«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ...»[2]إنّ الكفاءة في القصاص و هي الحريّة هي الناشئة من الإيمان، فكلّ من يجوز استرقاقه لا يكون كفواً في الحرية و إن حَرُم قتله كالذمّي؛ فبضميمة مفادها مع ما ورد من أنّ الحكم الأوّلي فيهم هو جواز الاسترقاق في الحرب يتّضح عدم الكفاءة في القصاص و في جملة من الحدود أيضاً و إن ورد الدليل بحرمة قتلهم أو بعدم جواز استرقاقهم نظير أهل الذمّة، لكن ذلك لا يقضي بالكفاءة في الإيمان و الحرّية.
و ما تقدّم من كلمات الأصحاب و وجوه الأدلّة المشار إليها في ضمن عبائرهم ليس مفادها يوهم عدم مراعاة الحقوق المدنية بحدّ درجتها الإنسانية، بل المراد هو عدم استحقاق الحقوق بدرجاتها الممتازة الأخرى التي هي تكريم لما
[1]النجفى، الجواهر، ج 22، ص 62.
[2]البقرة/ 178.
فوق أدنى درجات الإنسانية بسبب صفة الديانة و الإيمان، فلا يتوهّم منافاة المحصَّل من عبائرهم لما في قصّة النصراني الهرم الذي رآه أمير المؤمنين عليه السلام يستجدي أو لما في رواية الصادق عليه السلام من إحسانه إلى غير مَن هم على هذا الأمر.
و الفرق في البحث بين باب البغاة و باب تولّي ولاية الجائر أنّ الأول هو في تعامل لنظام المؤمنين مع أفراد و جماعات المخالفين، و أمّا الثاني فالبحث فيه عكس المقام، فهو مِن بحث كيفية تعامل الفرد المؤمن مع نظام المخالفين سواء السياسي أو الاجتماعي الديني.
17. و قال في الجواهر:
قال في الشرائع: نعم لو اضطرّه السلطان إلى إقامة الحدّ، جاز حينئذٍ إجابته ما لم يكن قتلًا ظلماً، فإنّه لا تقية في الدماء.[1]
في غسل الميت
18. قال المحقّق الهمداني رحمه الله:
إنّما الإشكال في ما هو المشهور بين الأصحاب من وجوب تغسيل كلّ مظهر للشهادتين من سائر فرق المسلمين، مع أنّ مقتضى الأدلة ليس إلّا وجوب تغسيل المسلم المعتقد للإمامة لا مطلقاً ....
و كيف كان فإنْ تم الاجماع (على وجوب غسل كلّ مسلم) فهو و إلّا فالمسألة في غاية الإشكال، خصوصاً بملاحظة ما صرّحوا به- بل نسبه المحقّق الثاني إلى ظاهر الأصحاب- من أنّ الواجب إنّما هو تغسيلهم غسل أهل الخلاف؛ فإنّ مقتضاه أن لا يكون مستندهم فيه إطلاقات أدلّة الغسل ... و غاية ما يمكن استفادته من تلك الأدلّة إنّما هو وجوب المعاملة معهم معاملة المسلمين صورةً من جهة المداراة
[1]النجفى، الجواهر، ج 21، ص 391.
معهم لدفع شرّهم أو جلب قلوبهم إلى الإيمان أو توقّف انتظام أمر المعاش عليه، لا أنّه يجب علينا ترتيب آثار كونهم مسلمين في الواقع و إلّا لكان الواجب علينا السعي في تغسيلهم غسل أهل الحقّ و هو خلاف ما صرّح به جملة من الأصحاب، فالإنصاف أنّ القول بوجوب غسلهم من حيث هو- لو لا الإجماع- مشكل.[1]
19. و قال في التحرير:
و المقتول من أهل البغي لا يُغسّل و لا يُكفّن و لا يُصلّى عليه.[2]
20. و قال شيخ الطائفة في التهذيب:
و لا يجوز لأحد من أهل الإيمان أن يغسل مخالفاً للحقّ في الولاية و لا يصلّي عليه إلّا أن تدعوه ضرورة إلى ذلك من جهة التقية فيغسله تغسيل أهل الخلاف ....[3]
فالوجه فيه أنّ المخالف لأهل الحقّ كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفّار إلّا ما خرج بالدليل و إذا كان غسل الكافر لا يجوز، فيلزم منه عدم جواز غسل المخالف أيضاً.
21. و قال صاحب مفتاح الكرامة:
في النهاية و المبسوط و الدروس و البيان و الذكري: إنّه (أي تغسيل المخالف) مكروه.
و في كشف الالتباس و جامع المقاصد و الذكرى: المشهور إنّه مكروه.
و في الدروس: إنّها أشهر.
[1]الهمداني، مصباح الفقيه ج 5، ص 111- 114.
[2]الحلّي، تحرير الأحكام الشرعية، ج 2، ص 236/ م 26.
[3]الطوسى، التهذيب، ج 1، ص 35.
و نصّ جماعة من هؤلاء: إنّه يغسّل تغسيل أهل الخلاف إن كان عارفاً به.
و في المقنعة و التهذيب: إنّه حرام؛ و هو خيرة حاشية المدارك و كشف اللثام؛ و يظهر من الأخير: دعوى الإجماع على أنّ المخالف كالجماد.
و في المراسم كما عن المهذّب: إنّه لا يغسل المخالف.
و في كشف اللثام: لم أرَ موافقاً للمصنّف في التنصيص على وجوب تغسيل المخالف. و يمكن تنزيل الوجوب على التقية ... و الحاصل أنّ جسد المخالف عندنا كالجماد لا حرمة له فإنْ غسل كغسل الجمادات من غير إرادة إكرام له لم يكن به بأس و عسى أن يكون مكروهاً و إن أُريد إكرامه لكونه أهلًا له .... فهو حرام.[1]
22. و قال في الجواهر:
لعلّ وجهه هو إلحاق أحكامه بعد الموت بأحكامه في الآخرة، إذ لا إشكال في كونه كالكافر بالنسبة إليها و إن حُكم بإسلامه و أُجري عليه جميع أحكام الإسلام من الطهارة و احترام ماله و نفسه و غير ذلك في الدنيا و لا تلازم بينهما ... ظهر من بعض الأخبار أنّ التغسيل احترام للميت و تكرمة له و لا يصلح له إلّا المؤمن.[2]
و يستخلص من هذه أُمور:
1. إنّ الحقوق النابعة من الإكرام و التكريم و الاحترام و التعظيم لا تثبت لأهل الخلاف و هي تغاير الحقوق و الأحكام النابعة من الحقوق الأولية للحياة و المعاش و التعايش.
[1]العاملى، مفتاح الكرامة، ج 3، ص 463- 465.
[2]النجفى، الجواهر، ج 4، ص 82.
2. إنّ قاعدة الإلزام عامّة لكلّ الأبواب و الأحكام و الحقوق.
3. إن القدر اللازم من الحقوق و الأحكام التي تراعى معه هو ما يحفظ به النظام الاجتماعي التعايشي أو موارد الخوف الفردية أو المداراة. و هذا تفسير لمعنى الهدنة الوارد في ألسنتهم عليهم السلام إنّ الدار هي دار الهدنة، أي إنّ مقدار الأحكام التي تُرَتَّب على إسلامهم الظاهري هو ما يحفظ به النظام الاجتماعي المزبور.
4. إنّ المائز بين الوظائف الدينية و وظائف دار الهدنة هو أنّ كلّ حكم يطلب فيه التعذير و التنجيز الأخروي بما هو هو، فهو من أحكام الديانة و ولاء الإيمان و كلّ ما لا يطلب فيه في نفسه ذلك بل بمجرّد اسقاط إلزام الطرف الآخر فهو من أحكام الهدنة.
5. يظهر من التهذيب في غسل الميت: أنّ مقتضى القاعدة في المخالف ترتيب أحكام الكافر (أي في أحكام الديانات أو في الحكم الذي وَصْفُ الدين فيه قيد بنحو الحيثية التعليلية أو التقييدية) إلّا ما خرج بالدليل.
6. إنّ الأحكام الأخلاقية الناشئة من حقوق الإيمان و الديانة لا تعمّ المخالفين و ليست مشمولة لقاعدة الهدنة.
عدم صحة عباداتهم
23. و في الجواهر أيضاً:
للإجماع المنقول على شرطية الإيمان في صحّة العبادات و من الأخير يعلم بطلان عبادة المخالف أيضاً و إن كانت موافقة لما عند الشيعة، إذ الظاهر أنّ المراد بالإيمان هو المعنى الأخصّ.[1]
24. و قال السيد الشاهرودي رحمه الله:
مهما قامت قرينة على كون المراد من القبول مرتبة أُخرى غير
[1]النجفى، الجواهر، ج 3، ص 39.
الصحيحة قلنا به ... و أمّا في ما نحن فيه، فلم تقم قرينة على كون المراد من القبول مرتبة أُخرى غير الصحة ... ثمّ لو سلمنا دلالتها على نفي القبول- و هي غير مرتبة الصحّة- فلا ينبغي الإشكال في الحكم بصحّة عباداته لو أتى بها على طبق مذهب أهل الحقّ مع فرض تمشّي قصد القربة منه.[1]
25. و في الحدائق:
و التحقيق المستفاد من أخبار أهل البيت عليهم السلام إنّ جميع المخالفين العارفين بالإمامة و المنكرين القول بها، كلّهم نُصّاب و كفّار و مشركون، ليس لهم في الإسلام و لا في أحكامه حظّ و لا نصيب و إنّما المسلم منهم هو الغير العارف بالإمامة و هم في الصدر الأول من زمان الأئمّة عليهم السلام أكثر كثير و يعبّر عنهم في الأخبار بأهل الضلال و غير العارف و المستضعف.
و من الأخبار الواردة بهذا الفرد توهّم متأخّرو أصحابنا الحكم بإسلام المخالف الغير المعلن بالعداوة و الحكم لعدم الإعادة هنا شامل لهذين الفردين ....
و بالجملة فإنّ المستفاد من الأخبار إنّ الناس في زمنهم عليهم السلام ثلاثة أقسام: مؤمن و هو من أقرّ بالإمامة، و ناصب كافر و هو من أنكرها، و من لم يعرف و لم ينكر، و هم أكثر الناس في ذلك الزمان، و يعبّر عنه بالمستضعَف و الضالّ.[2]
[1]الجنّاتى، تقريرات الحج، ج 1، ص 222- 226.
[2]البحرانى، الحدائق، ج 14، ص 163- 164.
النتائج:
1. يظهر من الحدائق في بحث الحجّ: التفرقة بين المستضعف و هم أهل الضلال و بين أقسام الناصب (الأربعة أو الستّة) في الأحكام، سواء بلحاظ أحكام قاعدة الهدنة أو غيرها، و يؤيّد ما قاله تفرقة جماعة من المتقدّمين و طبقة المتأخّرين في النكاح و الذبيحة بين القسمين.
2. إنّ العبادات خارجة جملةً عن أحكام الهدنة.
3. إنّ الخمس و الزكاة حيث اشترط فيهما قصد القربة و العبادة كانا من أحكام الديانة الحقيقية و كانا ضريبة ماليّة في النظام الاجتماعي الدياني الإيماني و ليسا ضريبة في النظام السياسي التعايشي كعقد اجتماعي، عقد الإقرار بالإسلام و نظير ذلك بحث الجهاد حيث إنّه عبادي بخلاف ما في القوانين الوضعية، فلذلك لا يصحّ بأقسامه من الدعوة و الدفاع إلّا بلحاظ المؤمنين و إمام المؤمنين.
عدم جواز دفع الزكاة و الخمس إليهم
26. و في الجواهر أيضاً:
لقوّة ما دلّ على اعتبار الإيمان في دفع الزكاة من النصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات حتى أنّه ورد في بعض النصوص طرحها في البحر مع عدم المؤمن و أنّ أموالنا و أموال شيعتنا حرام على أعدائنا و أنّك لا تعطيهم إلّا التراب.[1]
27. و قال السيد الخوئي رحمه الله:
و يشترط في الثلاثة الأخيرة (سهم السادات) الإيمان.
فلا يُعطى الخمس لغير المؤمن و إن كان هاشمياً فضلًا عن الكافر؛ لبدلية الخمس عن الزكاة المعتبر فيها الإيمان إجماعاً و أنّه يُعطى
[1]النجفى، الجواهر، ج 15، ص 381.