بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 19

إشارة

من الواضح أنّ الأسس التشريعية القانونية لأيّ مدرسة من المدارس- الاعتقادية أم السياسية- لا تكفي بمفردها لإعطاء صورة و شكل للنظام في أيّ حقل من الحقلات؛ سواء كان النظام السياسي أو النظام القضائي أو الحقوقي أو غيرها من الأنظمة، بل لا بدّ علاوة على تلك الأصول التشريعية الأولية الفوقية، من آليّات صياغية لأطر تتنزّل فيها تلك التشريعات على واقع بيئة الموضوعات في ذلك الحقل؛ فتكون الصياغات القانونية متجاوبة و متناغمة مع البيئة الموضوعية الراهنة؛ و تكون تلك الأطر و الأشكال و مسارها التطبيقي إلى تلك الأصول التشريعية. فالنظام التقنيني في أيّ حقل لا يشترط ثباته مثل ما هو الحال من الأصول التشريعية و إنما هو مواكبة من الأسس القانونية للجانب المتغيّر في أطوار المعاش البشري و مسار التمدّن الإنساني.

و على ضوء ذلك فيطرح السؤال بدرجة من الصراحة عن معالمِ نظامٍ سياسي على وفق الأسس الاعتقادية و التشريعية في مذهب أهل البيت عليهم السلام و أتباعهم من الطائفة الإمامية الاثنى عشرية و لِعطاء نبذة عن ذلك- و التفصيل و البسط سيطالعه القارئ في أبواب و فصول الكتاب- نشير بنحو الاقتضاب:

إنّ النظام السياسي المرسوم من قِبل أئمة أهل البيت عليهم السلام في فترة عدم تصدّى


صفحه 20

المعصوم على المكشوف العلنى للسلطة السياسية يتكوّن مِن منظومة من الأركان؛ و قد أشير إلى معالم هذا النظام من العمل بنحو الإجمال في جملة من الروايات عنهم عليهم السلام كما في التوقيع الشريف من الناحية المقدسة:

فإنّا نحيط علماً بأنبائكم و لا يعزب عنا شيئاً من أخباركم و معرفتنا بالإذلال الذى أصابكم، مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً و نبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم، كأنّهم لا يعلمون، إنّا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لو لا ذلك لنزل بكم اللأواء و اصطلمكم الأعداء، فاتقوا اللَّه جلّ جلاله و ظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم، يهلك فيها من حمّ أجله و يحمى عنها من أدرك أمله و هى إمارة لأزوف حركتنا و مباثّتكم بأمرنا و نهينا، و اللَّه متمّ نوره و لو كره المشركون.

اعتصموا بالتقية مِن شبّ نار الجاهلية يحششها عصب أموية يهول بها فرقة مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم منكم فيها المواطن الخفية و سلك في الظعن منها السبل المرضية.[1]

فقوله عليه السلام: ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً؛

اشارة واضحة إلى المنهاج الذى خطّوه لنظام العمل في هذه الفترة و كذلك قوله عليه السلام: و سلك في الظعن منها السبل المرضية؛ و هو متضمن للتوصية بالاعتصام بهذا النظام المرسوم من قبلهم عليهم السلام و أنّ الالتزام به ضمانة لبلوغ إنجاز الهدف.

و نظير ذلك روى عن أبى عبد اللّه الصادق عليه السلام بعد ما بيّن النظام المرسوم من قبلهم عليهم السلام حيث قال:

و إنّهم لا يريدون بجائحة إلّا أتاهم اللَّه بشاغل إلّا مَن تعرّض لهم.[2]

إنّ من مهامّ بحوث هذا الكتاب هو تسليط الضوء على أنّ العمل بإقامة النظام

[1]الطبرسى، الاحتجاج، ج 2، ص 598 و 599. [توقيع منه عليه السلام إلى الشيخ المفيد رحمه الله]

[2]النعمانى، الغيبة، ب 11، ح 5، ص 197.


صفحه 21

الاجتماعى الإيماني لا ينحصر في الصيغة السياسية المعلنة الرسمية و لا في الكيان للدولة الرسمية، بل إنّ آليات العمل و أطوار الأدوار لإقامة هذا النظام و الكيان تتّخذ إشكالًا عديدة و أساليب كثيرة و أدوات مختلفة و صياغات متنوعة و كلّ منها لا يقلّ في الأهميّة عن الآخر.

فإنّه قد توهّم أنّ النشاط و الحركة السياسية و الدينية منحصرة أو عمدتها هو في إقامة النظام السياسي في الساحة الرسمية و أنّ هذا النمط هو الكفيل بتحصيل أنفذ مواقع القدرة، بينما الظاهر من مفاد الروايات الواردة عنهم عليهم السلام- و يشهد له جملة من أدبيات العلوم السياسية و الاجتماعية في الآونة الأخيرة- أنّ قوّة التحكّم و شدّتها، لها قنوات عديدة؛ مِن أهمّها و عمدتها هو مسار جميع الأنبياء و المرسلين و هو المسار الثقافى بما يتضمن من العقائد و الأخلاق و الآداب و القوانين و بناء الأعراف الاجتماعية بنحو المتجذّر على ذلك و أنّ الأدوات الكفيلة بأداء ذلك غير منحصرة بالقنوات الرسمية.

بل إنّ هناك جملة من القنوات الطبيعية و التقليدية التى لا تحصى عدداً نافذة التأثير في إنجاز ذلك من دون أن يعنى ذلك إغفال دور النظام السياسي الرسمي، كما أنّ الأخذ بنمط النظام العلنى هو ذو عرض عريض من الأنحاء و الحالات و الدرجات و لك أن تتمثل بالتركيب الوجودى للإنسان الصغير و تقايسها على المجتمع و الدولة، الإنسان الكبير.

ففى الإنسان الصغير الحقيقى، الفكر و العقل و العلم تتكفّله قوى تهيمن و تشرف على فريق القوى النظرية و فريق القوى العملية و قوّة الرَّويّ و التدبّر التى هى قوّة ذات جنبتين عملية و علمية و هى التى تتكفّل بتدبير أفعال الإنسان و تسييس حركاته و سلوكه، هذه القوّة تتأثّر بمجموع من القوى العلمية و العملية الفوقانية عليها، كما تؤثّر فيها صفات الإنسان العلمية و العملية و الخَلفية الفكرية للإنسان و المعلومات التى زرّق لها و أنحاء العادات و العادات التى تربّى و نشأ و


صفحه 22

ترعرع عليها و مدى آفاق العلم التى انفتح عليها و مَدى الدرجات الروحية التى رُوِّض عليهما إلى غير ذلك من العوامل و المؤثّرات الكثيرة. نعم قوّة الرَّويّ و التدبّر تُسَيّس ما دونها من القوى الغضبية و الشهوية و القوّة المحركة للعضلات و الأعضاء و الجوارح.

فإذا تبيّن تشكيلة هذا البناء الوجودى للإنسان الحقيقى و طبقات وجوده يتبيّن موقعية دور الأنبياء و المرسلين و خطّ الرسالة السماوية أنّه يقع في المواقع المتقدّمة الفوقية ليتمّ التحكّم في الطبقات النازلة و إن كان خلفاء اللَّه المصطفون لم ينفكّوا منذ أول الخليقة عن موقع قوّة التسييس بالنحو الخفى النافذ تحت السطح و قد عرف في الآونة الأخيرة أنّ الحرب و الغزو الثقافى من أخطر الحروب و أنفذ أنواع السيطرة في أدبيات العلوم السياسية.

و نلقي بعض الضوء على أركان ذلك النظام:

منها: النيابة التى أذنوا فيها للفقهاء و العلماء التابعين لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، العارفين بعلومهم، العاملين بوصاياهم و تعاليمهم؛ و هذه النيابة هى بنحو استغراقى شمولى لكلّ من تتوفّر فيه في الشرائط اللازمة[1]؛ فإنّه يُخوَّل له تلك الصلاحيات المفوّضة مِن قبلهم عليهم السلام في النظام الاجتماعي للمؤمنين؛ و هذه الشمولية المفوَّضة ثابتة لكلّ منهم بنحو الاستقلال، لكن في ظلّ النظام المجموعى للمؤمنين، فعموم النيابة ليس بنحو العموم المجموعى و لا العموم البدلى بنمط صرف الوجود و هذا يخلق نحواً من التعددية و المشاركة بنحو التكثّر.

و لو أريد بيان ذلك بمثال فهو بنحو الملكية المشاعة في التصرف بين أفراد على العين الواحدة من دون لزوم تصادم أو تعارض بينهم في حين أنّ البيئة

[1]قد أشرنا إلى ذلك في الفصل الثانى من الإمامة الإلهية، ج 1.


صفحه 23

الموضوعية هى بيئة مجموعية و جماعية و لكنها تختلف عن الملكية في الأراضي المفتوحة عنوة مثلًا، حيث أنّها بنحو الملكية المجموعية الجماعية فليس هذا التفويض في الصلاحيّة النيابية بنحو الشورى بالمعنى المطروح لدى أهل سنة الخلافة و هى حاكميّة الأكثرية و لا بنحو صرف الوجود في الشمول البدلى بحيث يؤدّى إلى استبداد اول فرد تتوفّر فيه الشرائط بهذه النيابة و هذه الصيغة هى من خصائص العموم الاستغراقى المتميّزة عن خصائص العموم المجموعى و العموم البدلى.

و السرّ في كون عموم النيابة المفوَّضة للفقهاء و العلماء من مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ طبيعة هذا النظام الاجتماعى للمؤمنين- و هو ما يعرف بالطائفة الإمامية- الذى هو الموضوع و البيئة الأرضية لهذه النيابة، أنّ طبيعة العمل المرسوم من قبلهم عليهم السلام لا يتحقق القيام بعهدته و كاهل مسئولية إلّا بنحو الكثرة الكاثرة المتعدّدة، لا سيّما أنّ نظام العمل المرسوم يقتضى التنوّع و المراقبة المتبادلة- التواصى- و التكافل و لا سيّما بعد عدم وقوف هذه البيئة عند حدود جغرافية و لا حدود قومية أو عرفية و لا عند حدود قطرية، بل هى منتشرة المدى و المدار بحسب سعة انتشار الإيمان في أفراد البشرية، كما سيتبين ذلك تفصيلًا في فصول الكتاب.

و منها: المسئولية الملقاة على عامّة المؤمنين المكلّفين من المشاركة في إقامة الوظائف العامّة و إحراز شرائط النّواب، كما هو الحال في خطاب«وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ»[1]،

«لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ»[2]،

[1]الرحمن/ 8.

[2]الحديد/ 25.


صفحه 24

«كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ»[1]،«كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ»[2]و غيرها من الخطابات.

فإنّ المؤمنين مخاطبون بها لا مِن بُعد التدبير و الإدارة و الإشراف القيادي، فإنّ هذه الجهة و البُعد مخصوص بولاة الأمر المطهرين، بل عامة المؤمنين مخاطبون بها من بُعد المشاركة و التعاون مع ولاة الأمر المطهرين أصحاب الأمر في ليلة القدر و الرقابة على الجهاز الحاكم و على كلّ جهة دينية و مدنية فاعلة في النظام الاجتماعى و السياسي و الديني و الثقافى في مجتمع المؤمنين؛ و إلى هذا المفاد مؤدّى الآية:

«وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ»[3]

و كذلك قولهم عليهم السلام خطاباً للمؤمنين:

أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا.

فَوَجَّهَ الخطاب بمسئولية الرجوع إلى عامّة المؤمنين. و أيضاً:

اجعلوا بينكم رجلًا قد عرف حلالنا و حرامنا فانّى قد جعلته عليكم قاضياً.[4]

و غيرها من الروايات.

و منها: دور أهل الخبرة في الموضوعات المختلفة، فإنّ حجّية أهل الخبرة في كلّ مجال و موضوع ممّا تسالم عليه علماء المذهب.

و هذه الحجّية مستفادة من جملة من الآيات التى تشيّد العلم و أهله ممّا

[1]النساء/ 135.

[2]المائدة/ 8.

[3]البراءة/ 71.

[4]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب القضاء، ب 11/ ح 6.


صفحه 25

يقتضى- بالدلالة الالتزامية- بالحجّية الإيمائية و الإشارية، فضلًا عن السيرة الممضاة و هذه الحجّية الطريقية لا تقتصر في صياغتها على الكاشفية، بل هى متنوعة بتنوّع الحجّية في الأقسام النظرية و العملية، أى جانب الخبرة النظرية و الخبرة العملية و الجانب العلمى و الإدارى و غيرها من قوالب الحجّية. و هذا نمط من مشاركة شرائح عموم المؤمنين.

و منها: الوظائف الكبرى المرسومة من قبلهم عليهم السلام فضلًا عن توصيات الكتاب و السنة و كبرى تلك الوظائف نشر و ترسيخ العقائد الحقّة الحقيقية الواقعية و هداية و ارشاد البشرية إليها و هو ما يعرف اليوم بالمسئولية الثقافة و ما تقوم بشطر من عهدتها وزارة الثقافة و التربية و التعليم العالى في الحكومات الرسمية المعلنة و كذلك وزارة الإعلام، بل سلطة الإعلام التى هى سلطة رابعة في مقابل السلطات الثلاث، لكن هذا الدور لا يضيق و لا ينحبس و لا يقتصر فيه على أداء الحكومات السياسية.

و يشير إلى هذا الدور و خطورة موقعيته قوله تعالى:

«وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا»[1]

فَنَبَّه تعالى على أنّ أهمّ أدوار الإمامة هى الهداية، كما أنّ أبرز أدوار النبوة هى الهداية بنحو البشارة و النذارة، كما في قوله تعالى:

«إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً»[2]

«رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ»[3]

«إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ»[4]

[1]الانبياء/ 73.

[2]الأحزاب/ 45.

[3]النساء/ 165.

[4]الرعد/ 7.


صفحه 26

و منها: نشر الأحكام الشرعية و الآداب الدينية و الأخلاق المحمودة من جهة العلم بها و زيادة مستوى الوعي الثقافى بها و ترسيخ دائرة العمل بها و كلّ ذلك نوع من الثقافة و الوعي القانوني الشرعى الذى يوطّئ للوظائف الأخرى و يؤكّد عليها الكتاب و السنّة.

و منها: بناء الأعراف الصالحة القويمة التى يعبّر عنها بالقانون المفعَّل و التى تفوق القوانين المدوَّنة نفوذاً و تأثيراً و التزاماً من قِبل المجتمع و أشدّ في التقيد بها في النظام الاجتماعى من القوانين المدوَّنة و هى عبارة عن بناء عينيّة النظام الاجتماعى حقيقة و النظام المدنى.

و منها: سلطة القضاء و فصل النزاع و الخصومات من دون انحصار ذلك بآليّة القنوات الرسميّة ضرورة، فإنّ الرجوع إلى القنوات التقليدية في العرف الشرعي الاجتماعى أسهل مَنالًا و أسرع وصولًا من عقبات المقررات الإدارية الرسمية المعقَّدة، بل إنّ في جملة من الموارد يتمّ الفصل بالمصالحة أو الاحتكام إلى القوانين الأولية و هى الفتاوى و قد اضطرّت الأجهزة الرسمية القضائية في الدول الرسمية إلى الاستعانة بهذه الآليات التقليدية تفادياً عن تضخّم الركام المكدّس من ملفّات النزاعات الجنائية أو المدنيّة بعد عدم قدرة النُّظُم القضائية الرسمية الحديثية عن القيام بكافّة هذه الأدوار.

و منها: انشاء بيت المال و صندوق الخزينة للطائفة من الخمس و الزكاة و غيرهما من الموارد عبر القنوات و الآليات التقليدية بعيداً عن القنوات الرسمية التى تسيطر عليها الأنظمة السياسية و هذا ممّا يُعطى نمطاً من استقلالية المالية للطائفة عاشته منذ القرون الأولى في عهد أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى يومنا الحاضر ممّا يضمن استقلال الإرادة عن الأنظمة الوضعية.

و كما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

أمنن على من شئت تكن أميره و احتج إلى من شئت تكن أسيره، و استغن