2. إنّ قاعدة الإلزام عامّة لكلّ الأبواب و الأحكام و الحقوق.
3. إن القدر اللازم من الحقوق و الأحكام التي تراعى معه هو ما يحفظ به النظام الاجتماعي التعايشي أو موارد الخوف الفردية أو المداراة. و هذا تفسير لمعنى الهدنة الوارد في ألسنتهم عليهم السلام إنّ الدار هي دار الهدنة، أي إنّ مقدار الأحكام التي تُرَتَّب على إسلامهم الظاهري هو ما يحفظ به النظام الاجتماعي المزبور.
4. إنّ المائز بين الوظائف الدينية و وظائف دار الهدنة هو أنّ كلّ حكم يطلب فيه التعذير و التنجيز الأخروي بما هو هو، فهو من أحكام الديانة و ولاء الإيمان و كلّ ما لا يطلب فيه في نفسه ذلك بل بمجرّد اسقاط إلزام الطرف الآخر فهو من أحكام الهدنة.
5. يظهر من التهذيب في غسل الميت: أنّ مقتضى القاعدة في المخالف ترتيب أحكام الكافر (أي في أحكام الديانات أو في الحكم الذي وَصْفُ الدين فيه قيد بنحو الحيثية التعليلية أو التقييدية) إلّا ما خرج بالدليل.
6. إنّ الأحكام الأخلاقية الناشئة من حقوق الإيمان و الديانة لا تعمّ المخالفين و ليست مشمولة لقاعدة الهدنة.
عدم صحة عباداتهم
23. و في الجواهر أيضاً:
للإجماع المنقول على شرطية الإيمان في صحّة العبادات و من الأخير يعلم بطلان عبادة المخالف أيضاً و إن كانت موافقة لما عند الشيعة، إذ الظاهر أنّ المراد بالإيمان هو المعنى الأخصّ.[1]
24. و قال السيد الشاهرودي رحمه الله:
مهما قامت قرينة على كون المراد من القبول مرتبة أُخرى غير
[1]النجفى، الجواهر، ج 3، ص 39.
الصحيحة قلنا به ... و أمّا في ما نحن فيه، فلم تقم قرينة على كون المراد من القبول مرتبة أُخرى غير الصحة ... ثمّ لو سلمنا دلالتها على نفي القبول- و هي غير مرتبة الصحّة- فلا ينبغي الإشكال في الحكم بصحّة عباداته لو أتى بها على طبق مذهب أهل الحقّ مع فرض تمشّي قصد القربة منه.[1]
25. و في الحدائق:
و التحقيق المستفاد من أخبار أهل البيت عليهم السلام إنّ جميع المخالفين العارفين بالإمامة و المنكرين القول بها، كلّهم نُصّاب و كفّار و مشركون، ليس لهم في الإسلام و لا في أحكامه حظّ و لا نصيب و إنّما المسلم منهم هو الغير العارف بالإمامة و هم في الصدر الأول من زمان الأئمّة عليهم السلام أكثر كثير و يعبّر عنهم في الأخبار بأهل الضلال و غير العارف و المستضعف.
و من الأخبار الواردة بهذا الفرد توهّم متأخّرو أصحابنا الحكم بإسلام المخالف الغير المعلن بالعداوة و الحكم لعدم الإعادة هنا شامل لهذين الفردين ....
و بالجملة فإنّ المستفاد من الأخبار إنّ الناس في زمنهم عليهم السلام ثلاثة أقسام: مؤمن و هو من أقرّ بالإمامة، و ناصب كافر و هو من أنكرها، و من لم يعرف و لم ينكر، و هم أكثر الناس في ذلك الزمان، و يعبّر عنه بالمستضعَف و الضالّ.[2]
[1]الجنّاتى، تقريرات الحج، ج 1، ص 222- 226.
[2]البحرانى، الحدائق، ج 14، ص 163- 164.
النتائج:
1. يظهر من الحدائق في بحث الحجّ: التفرقة بين المستضعف و هم أهل الضلال و بين أقسام الناصب (الأربعة أو الستّة) في الأحكام، سواء بلحاظ أحكام قاعدة الهدنة أو غيرها، و يؤيّد ما قاله تفرقة جماعة من المتقدّمين و طبقة المتأخّرين في النكاح و الذبيحة بين القسمين.
2. إنّ العبادات خارجة جملةً عن أحكام الهدنة.
3. إنّ الخمس و الزكاة حيث اشترط فيهما قصد القربة و العبادة كانا من أحكام الديانة الحقيقية و كانا ضريبة ماليّة في النظام الاجتماعي الدياني الإيماني و ليسا ضريبة في النظام السياسي التعايشي كعقد اجتماعي، عقد الإقرار بالإسلام و نظير ذلك بحث الجهاد حيث إنّه عبادي بخلاف ما في القوانين الوضعية، فلذلك لا يصحّ بأقسامه من الدعوة و الدفاع إلّا بلحاظ المؤمنين و إمام المؤمنين.
عدم جواز دفع الزكاة و الخمس إليهم
26. و في الجواهر أيضاً:
لقوّة ما دلّ على اعتبار الإيمان في دفع الزكاة من النصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات حتى أنّه ورد في بعض النصوص طرحها في البحر مع عدم المؤمن و أنّ أموالنا و أموال شيعتنا حرام على أعدائنا و أنّك لا تعطيهم إلّا التراب.[1]
27. و قال السيد الخوئي رحمه الله:
و يشترط في الثلاثة الأخيرة (سهم السادات) الإيمان.
فلا يُعطى الخمس لغير المؤمن و إن كان هاشمياً فضلًا عن الكافر؛ لبدلية الخمس عن الزكاة المعتبر فيها الإيمان إجماعاً و أنّه يُعطى
[1]النجفى، الجواهر، ج 15، ص 381.
للمخالف الحجر، كما في النصّ، فكذا في ما هو بدل عنها.[1]
28. و في الرياض:
الإيمان بالمعنى الخاص و هو الإسلام مع المعرفة بالأئمّة الاثني عشر و اعتباره في من عدا المؤلّفة مجمع عليه بين الطائفة على المقطوع به ... فلا يعطى كافر ... و لا مسلم غير محقّ في الإمامة بإجماعنا و المتواتر من أخبارنا.[2]
29. و أيضاً فيه:
و في اعتبار الإيمان تردّد ... و لا ريب أنّ اعتباره أحوط خروجاً عن الشبهة و تحصيلًا للبراءة اليقينية و جزم باعتباره جماعة من غير مخالف صريح لهم أجده.[3]
30. و قال النراقي رحمه الله في أوصاف المستحقين للزكاة:
الإيمان: أي الإسلام مع معرفة الأئمة الاثني عشر، فلا يجوز دفع الزكاة إلى غير المؤمن بلا خلاف يعلم، كما في الذخيرة، بل بالإجماع المحقّق و المحكي، كما عن الانتصار و الغنية و المنتهى.
و في الحدائق: له و للمستفيضة من النصوص ... (و) ما مرّ من عدم جواز إعطاء الزكاة إلى غير المؤمن عامّ لصورتي وجود المؤمن و عدمه، كما صرّح به بعض الأخبار، و قد يحكى قول بجواز إعطاء المستضعفين من أهل الخلاف الذين لا يعاندون الحقّ مع عدم وجود المؤمن.[4]
[1]الخوئى، مستند العروة، كتاب الخمس، ص 309.
[2]الطباطبائى، الرياض، ج 5، ص 152.
[3]الطباطبائى، الرياض، ج 5، ص 253.
[4]النراقى، مستند الشيعة، ج 9، ص 296 و 298.
31. و أيضاً فيه:
الحقّ اشتراط الإيمان فيه وفاقاً للأكثر، كما صرّح به بعض من تأخّر (الحدائق و الرياض) و عن الغنية و المختلف: الإجماع عليه.[1]
في النكاح
32. و في الجواهر:
لا ريب في كراهة تزوّج المؤمنة بالمخالف و لا بأس بالمستضعف و هو الذي لا يعرف بالعناد بمعنى عدم تلك الكراهة الحاصلة في غيره و إن كان هو أيضاً مكروهاً للنهي عنه كالنهي عن النكاح منهم و خصوصاً على المؤمن.[2]
33. و في الرياض:
و هل يشترط (بين الزوجين) التساوي في الإيمان الخاص؟ المراد منه الإقرار بالأئمة الاثني عشر، فيه أقوال: ثالثها اختصاصه بالزوج دون الزوجة، و هو المشهور بين الطائفة، بل حكى على الأول الإجماعات المستفيضة عن الخلاف و المبسوط و السرائر و سلّار و الغنية و هي الحجّة فيه كالنصوص المستفيضة.[3]
34. و قال في الحدائق:
ثمّ إنّه على تقدير القول المشهور و هو اعتبار الإيمان، فمذهب الأكثر اعتباره في جانب الزوج دون الزوجة .... و حكى الشهيد الثاني في الروضة عن بعضهم أنّه ادّعى الإجماع على ذلك .... و الذي يظهر
[1]النراقى، مستند الشيعة، ج 10، ص 103.
[2]النجفى، الجواهر، ج 30، ص 115.
[3]الطباطبائى، الرياض، ج 11، ص 283.
لي من الروايات اعتبار الكفاءة من الطرفين؛ نعم دلّت على استثناء المستضعفة، فيجوز تزويجها.[1]
النتائج:
1. إنّ التعليل الوارد في الروايات[2]لعدم إعطاء الزكاة و الخمس للمخالفين هو قاعدة عامّة في السياسة المدنية معهم و ليست خاصّة بالتأمين الاجتماعي المتكفّل له باب الزكاة و الخمس؛ و هذا دليلُ ما مرّ من نقاط في الأبحاث السابقة التي منها إنّ المخالفين لا تُراعى حقوقهم الدينية الخاصّة بمذهبهم، بل خصوص الحقوق المدنية و قد تبيّن من هذا الدليل أنّ الحقوق المدنية لا تُراعى لهم بدرجة المؤمنين، بل هم يكونون من الدرجة الثانية من المواطنين كما أنّ أهل الكتاب من الدرجة الثالثة.
2. يظهر من تفصيل بعض الروايات الواردة في الزكاة و كذلك فتاوى الأصحاب بين المستضعف و المعاند- المراد به مطلق أقسام الناصب- أنّ الحقوق المدنية للمستضعف أعلى رتبة من المعاند، مع أنّ الحقوق المدنية للمستضعف هي دون المؤمن و هذه التفرقة بين المستضعف و المعاند إذا كانت في الحقوق المدنية، فالحال أوضح بالنسبة إلى الحقوق الدينية. و من ثمّ فصّل بعض في النكاح و الذبيحة غيرهما بين المستضعف و المعاند طبقاً لبعض الروايات الواردة ثمّة.
3. و قد ورد في صحاح عدّة في باب الزكاة و مستحقيها[3]إنّ موضع الزكاة هم أهل الولاية و هذا العنوان عامّ شامل للزكاة في الموارد التسعة و الفطرة و الزكاة الندبية، بل و الخمس أيضاً و إن لم يكن من الزكاة بالمعنى الأخصّ، لكنه صادق
[1]البحرانى، الحدائق، ج 24، ص 53.
[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب مستحقي الزكاة، ب 2- 7.
[3]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب مستحقي الزكاة، ب 5، ح 3.
بالمعنى الأعمّ، كما أطلق عليه في بعض روايات الخمس الواردة و كذلك مطلق الصدقات الواجبة الأخرى كالكفّارات و الفداء و الضمانيات العبادية و الهدي و الأضحية و غيرها، أي مجموع الضرائب المالية العبادية موضعها أهل الولاية و هذا يقتضي أنّ كفالة بيت المال و هو يسمّى بالتأمين الاجتماعي الذي هو من مسئولية الدولة لا يشمل غير أهل الولاية إذا كان من صنايع الضرائب المالية المقرّرة بخلاف ما إذا كان أسباب التملّك كإحياء الموات و نحوه.
و في حسنة ضريس عن الباقر عليه السلام:
و لا تدفعها إلى قوم إذا دعوتهم غداً إلى أمرك لم يجيبوك و كان- و اللَّه- الذبح.[1]
و في رواية ابن أبي يعفور:
لا و اللَّه إلّا التراب إلّا أن ترحمه، فإنْ رحمته فأعطه كسرة.[2]
و مفاده ما تقدّم من إعطائهم أدنى درجات الكفالة الإنسانية.
و في رواية يعقوب بن شعيب:
إن لم يجد من يحملها إليهم؟ قال: يدفعها إلى من لا ينصب. قلت: فغيرهم.
قال: ما لغيرهم إلّا الحجرِ.[3]
و هو يفيد التفصيل بين المستضعفين و مطلق أقسام الناصب.
و في رواية إبراهيم الأوسي عن الرضا عليه السلام بعد نهيه عن إعطاء الزكاة لغير الشيعة علّل عليه السلام بقوله:
فإن اللَّه حرّم أموالنا و أموال شيعتنا على عدوّنا.[4]
[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب مستحقي الزكاة، ب 3- 5.
[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب مستحقي الزكاة، ب 5، ح 6.
[3]المصدر المتقدم، ح 7.
[4]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب مستحقي الزكاة، ب 5، ح 8.
و هذا يفيد قاعدة عامّة في مصرف الأموال و السياسة المالية لبيت المال، لا سيما إذا استظهر العموم من كلمة «أموالنا» للفيء و الأنفال إلّا ما أخرجه الدليل- كدليل إحياء الموات- كما أنّ ما في الرواية من طرحه بحراً إشارة إلى أنّ إعطائهم و تقويتهم في المعاش المدني مفسدته أعظم من هدر الأموال في البحر.
في الذبيحة
35. و قال في الجواهر:
و كيف كان فلا يشترط الإيمان بالمعنى الأخصّ وفاقاً للمشهور ... و لكن مع ذلك فيه قول بعيد باشتراطه، و عدم الجواز محكى عن الحلّي و أبي الصلاح و ابني حمزة و البرّاج ...
و على كلّ حال، فمنشأ هذا القول من القائل به استفاضة النصوص و تواترها بكفر المخالفين و إنّهم مجوس هذه الأمّة و شرّ من اليهود و النصارى التي قد عرفت كون المراد منها بيان حالهم في الآخرة لا الدنيا؛ نعم الظاهر كراهة ذلك خصوصاً مع وجود المؤمن ...
و لا تصحّ ذباحة المعلن بالعداوة لأهل البيت عليهم السلام كالخارجي و إن أظهر الإسلام، .... بلا خلاف أجده فيه، بل عن المهذّب و غيره الإجماع عليه لاستفاضة النصوص المعتضدة بالفتوى بكفره.[1]
في الجهاد مع أهل البغي (الخلاف)
36. و في الرياض:
و لا يسترقّ ذرّيتهم و لا نساؤهم .... من غير خلاف بينهم أجده، و في صريح الشرائع و السرائر: الإجماع عليه، لكن في الروضة عزّاه إلى
[1]النجفى، الجواهر، ج 36، ص 93.