يرشد أن لا ييأس الإنسان و لا يتأذى و لا يحصل له الإحباط من عدم تحقّق أهداف الرسالة له.
هناك عدة طرق تطرحها سورة الكهف في إنجاز أهداف الرسالة:
الطريق الأول: قضيّة أصحاب الكهف (من الآية 9 إلى الآية 26 تقريباً)
أصحاب الكهف هدايتهم ليست برسول و لا نبي في الظاهر و إنّما بهداية فطرية. و هذه الهداية الفطرية هي هداية ملكوتية نوريّة عبر الإمام في ذلك العصر كما قالوا: إنّ النفوس الجزئية مرتبطة بالنفس الكلّية و النفس الكلّية مرتبطة بالعقول، و بعبارة أخرى: إنّ نور الإمام في قلوب المؤمنين أبين من نور الشمس في النهار و هذا هو نور هداية فطرية.
الطريق الثاني: آدم عليه السلام مع الملائكة
و قصة آدم عليه السلام مع الملائكة ليست نبوة و لا رسالة«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»لم يعبّر القرآن الكريم إنّي جاعل في الأرض نبياً أو رسولًا، بل خليفة يعني يستخلف، يتصرّف و يقتدر و أحد عناوين الإمام في القرآن عنوان الخليفة، لأنّ الاستخلاف قدرة تصرّف و إدارة، هنا يطرح القرآن الكريم ذلك عن طريق آدم و الخلافة و يتبين أنّ هذا عن طريق الإمامة و أنّ الإمامة هي التي تنجز هداية ايصالية.
الطريق الثالث: طريقة الخضر عليه السلام (تبدأ من الآية 60 إلى الآية 82 تقريباً)
كأنّما قصة من باب ايصال الفكرة الأمن السرّي الغامضة الرمزية المؤثّرة في ثلاثة أمور في النظام الاجتماعي جداً:
1. قضية الظلم الاقتصادي، في حكاية السفينة- من الآية 71 الى 79- بيان للظلم الاقتصادي أو الاجتماعي، فالخضر له تدخّل في العدالة الاجتماعية بشكل أن الحاكم الرسمي يريد أن يزيد من الإجحاف و الظلم الاجتماعي و الاقتصادي،
لكن هناك أنواع من المعوقات في تدبيرات أولياء اللَّه على أرضه تعاوق هذه الحكومة الرسمية عن أن تنفّذ كلّ ما تريد، و الآن الدول الكبرى يبنون على مشروع و يرسمون رؤية و نظرية مستقبلية، ثمّ يشاهدون في النتائج أنّ البيئة غير ما كان في الحسبان، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فيبيّن أنّ الخضر له دور في العدالة الاجتماعية و السفينة رمز لرأس مال ثروة يغتصبها غصبا و من ورائها ملك و اللطيف أنّ الخضر لا يتقيّد ببلد دون بلد، بل في هذا البلد و في ذاك، يعني له دور مكوكى في قراءة أمنية سياسية.
2. و الحدث الآخر الذي قام به الخضر أمام النبي موسى عليه السلام هو قتل الشاب و في روايات الفريقين أنّ هذا الشاب كان يعاوق تنسيل نسل طاهر سبعين نبياً، يعني كان ربما يؤدّي إلى صدمة في والديه الذين هما صالحان؛ سينجبان بنتاً تنجب سبعين نبياً بالتنسيل الذري؛ فله دور في استصلاح النسل البشري أو المحافظة على الهداية التشريعية البشرية أيضاً، فهذا دور آخر خطير ترسمه لنا الآية الكريمة في سورة الكهف.
3. الدور الثالث: بناء الجدار
تستطيع أن تسميه مؤسسة كفالة عوائل الشهداء فالدولة الخفية التي يقوم بها الخضر مسئولة عن كفالة الأسر الصالحة الايمانية و هذا يدخل أيضاً في العدالة الاجتماعية.
إذن يبين لنا الخضر في قصته أنّه يقوم بأدوار متعددة و هو من ضمن شبكة منظومة مروية عندنا في الروايات بالأبدال و الأوتاد و النقباء و الأركان. فالخضر يمثّل مجموعة منظومة من أولياء اللَّه المصطفين، ليسوا حججاً رسميين، بل حجج غير رسميين لكنهم مصطفون، يقومون بهذه الأدوار عبر دور الإمامة.
4. الدور الرابع الذي تذكره السورة هو قصة ذي القرنين:
و ذو القرنين يعني الدولة الرسمية، بل التسلط على كلّ الأدوار، هو امام
تخضع له الملائكة مخاطب بالوحى التنفيذى.
و أحد أسرار قراءة الإمام الحسين عليه السلام سورة الكهف بعد الشهادة ليبين أنّ طرق انجاز الغايات و الأهداف الإلهية لن يعاوق بقتل الإمام الحسين عليه السلام بل له بنوده؛ فأهداف الرسالة و سير الإمام و الامامة لإنجاز أهداف الرسالة له طرق متعدّدة و لا تظنون أنّه بالطريقة الظاهرية و قد قتل و انتهى الأمر، لا و إنّما تبقى هي.
الحكومة الخفيّة
قد مضت الإشارة إلى أنّ تعريف الحكومة في الأدبيات الآكاديميّة الحديثة لا تقتصر على شكل الحكومة المعلَنة الرسميّة، بل يعمّ أشكالًا عديدة نافذة في النظام الاجتماعى، سواء في الجانب الثقافى أم الأمنى أو المالى أو السياسى أو القضائى؛ و من ثمّ جرى تقسيم السلطات الى السلطة التنفيذية و السلطة القضائية و السلطة التشريعية؛ و كلّ منها إلى شعب متعدّدة و الحكومة إلى حكومة العَلَن و الظلّ و الخفاء و قسّموا الحكومة بلحاظ منابع القدرة من المال أو الاعتقاد و المذهب أو العنصر و القوميّة أو السلاح و الرهبة إلى غير ذلك من التقسيمات و الأقسام التى لا تنحصر في الأشكال و النماذج المعهودة لا سيما و أنّ اسلوب الخفاء تقرّر عندهم أنّه من عناصر القوّة التى تزيد في ضريب القدرة و النفوذ.
فظاهرة الخفاء ليست ضموراً و انحساراً عن النفوذ و التصرف بقدر ما هو عنصر نفاذ و اقتدار و سِعة في دائرة التدبير، فإنّ كثيراً من القوى الخفيّة البالغة التأثير في النظام الاجتماعى غير ملموسة و لا محسوسة و لا مبصرة، لكنها تحتلّ مكانها في تدبير بُنَى المجتمع و قد انتهت علوم الأمن الإستراتيجية إلى هذا النظرية و هى أنّ الأمن في المجالات و الأصعدة المختلفة: الاقتصادية و الثقافية و السياسية و العسكرية و المدنية و القضائية و الصناعية و غيرها، لا يتحقّق إلّا
بحراسة ضمن نظام خفى مُنْبَث في ذلك المجال.
هذا مضافاً إلى تقسيم النُّظُم إلى نظامات هِرميّة مختلفة، تنتظم عبر حلقات و محاور و دوائر ذات مساحات و أبعاد مختلفة بقواعد هندسية تُضفى بتأثيراتها المختلفة بأمواج في البحر الاجتماعى.
أدلّة الحكومة الفعليّة الخفيّة للإمام عليه السلام في لغيبة
الأول: الآيات القرآنية
منها: قوله تعالى:
«إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ، قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.»[1]
فإنّ المجيء باعتراض الملائكة في مقام التعريف للخليفة يقضى بالصلة الوثيقة بين هذا الاعتراض و حقيقة دور الخليفة، لا سيما و أنّ اعتراض الملائكة لا محالة ليس على الإفساد في الأرض و سفك الدماء القليل و المقدار اليسير في مقابل الخير الأكثر، إذ هذا ليس بأمر مستنكر يعترضون به، بل أمر راجح عند العقل؛ فلا محالة يكون مورد اعتراضهم هو في الفساد و الشرّ الأكثرى؛ و حينئذٍ يكون المجيء بهذا الاعتراض في مقام تعريف الخليفة هو لبيان أنّ الخليفة يُدرَأُ به هذا المحذور ما دامت البشرية متواجدة على الأرض و عنوانُ الجعل الوارد في الآية الكريمة هو «الخليفة» لا النبيّ و لا الرسول ممّا يدلّ على وجود سنّة دائمة له تعالى في جعل الخليفة ما دامت البشرية و أنّ من أبرز مهمّات جعل الخليفة هو حفظ الأمن البشرى عن الشرّ و الفساد الأكثرى، فهذه السنّة من اللَّه دائمة؛ كما أنّ هذه الوظيفة يؤدّيها الخليفة على الدوام.
[1]البقرة/ 30.
و من الظاهر أنّ دائرة هذه المسئولية تشمل جميع البشريّة، فمن مسئوليات الخليفة حفظ النظام البشرى عن ذلك و عنوان الخليفة يقتضى بذاته التصرّف و التدبير؛ أى إنّ هذه المسئولية الملقاة على الخليفة إنّما يقوم بها الخليفة بآليّة التدبير و هو التحكّم في إدارة النظام الاجتماعى السياسى عبر شتّى الأشكال و الألوان و النُّظُم و من الواضح انطباق هذه السنّة الإلهية على آدم- ابتداءً- و مروراً بجميع المرسلين و أوصيائهم إلى النّبيّ الخاتم صلى الله عليه و آله و سلم و من بعده سيّد الأوصياء حتى خاتم الأوصياء في غيبته. و هذا المدلول في الآية و ان كان في قالب النظريّة العامّة من دون ذكر التفاصيل إلّا أنّ في ما يأتى ايضاحاً للتفاصيل.
و هذا عين مفاد الروايات الواردة في حق الأئمة عليهم السلام مثل ما نقل عن الحجّة القائم عليه السلام:
و أمّا وجه الانتفاع بى في غيبتى فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأنظار السحاب و إنّى لأمان أهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان أهل السماء.[1]
و قد ورد فيهم عليهم السلام أنهم أمان أهل الأرض.[2]
و منها ما قصّه القرآن من قصة خضر و موسى حيث قال تعالى:
«فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً- إلى قولى تعالى-وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.»[3]
فتبيّن الآيات الكريمة أنّ هناك مجموعة من العباد عُنُوا بالرحمة الخاصة الإلهيّة و حُظوا بالعلم اللّدنى و هم يقومون بأدوار مصيريّة في النظام الاجتماعى البشرى و أنّ هذه الأدوار هى في المجالات المختلفة الاقتصادية و التربوية الأديانية الحضارية و الأمنية و الخدمات العامّة و أنّ نظام تدبيرهم هو في الخفاء و
[1]الاربلى، كشف الغمّة، ج 2، ص 531* الطوسى، الغيبة، ص 290.
[2]الصدوق، الأمالى، ص 384* المجلسى، بحار الأنوار، ج 23، ص 5 و ج 26، ص 262 و 265.
[3]الكهف/ 65 و 82.
السرّية و أنّ كلّ تفاصيل برنامجهم و تدبيرهم هو بتعيين و أمر ربّانى الهى.
و ظاهر هذه الآيات بقرينة مطلع سورة الكهف، حيث يتعرّض إلى قوله تعالى:
«فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً.»[1]
و التعرض بكيفية إنجاز أهداف الرسالة السماوية و تحقّق أغراضها و إنّ ذلك ليس منحصراً في الطرق المعتادة و الحكومة الرسمية المعلَنة و أنّ هناك وسائل و طرقاً أخرى لتحقيق تلك الأغراض و الأهداف و يبيّن- تعالى- في سورة الكهف نموذج أصحاب الكهف و نموذج إطواء الملائكة أجمعين بآدم كخليفة الهى في الأرض و نموذج آخر ما يقوم به الخضر من مهمّات في ضمن مجموعة و منظومة خفيّة و نموذج آخر ذى القرنين و ما أوتى من أسباب القدرة و القوّة للتدبير.
و منها قوله تعالى:
«وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً، قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي، قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.»[2]
و قوله تعالى في سورة السجدة:
«وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ»[3]
و في سورة الأنبياء:
«وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ.»[4]
و مفاد الآية صريح في جعل الإمامة الفعلية للنبى إبراهيم عليه السلام لجميع الناس و
[1]الكهف/ 6.
[2]البقرة/ 124.
[3]السجدة/ 24.
[4]الانبياء/ 72.
لم يحدّثنا التاريخ عن تسلّم النبي إبراهيم للحكومة العلنية الرسمية في بلد من البلدان، فضلًا عن جميع بلدان البشر؛ مع أنّ ظاهر الآية هى الإمامة الفعلية و كذلك في قوله تعالى في سورة الأنبياء و السجدة، و هو في شأن اسحاق و يعقوب و الحال فيهما كأبيهم ابراهيم عليه السلام حيث لم يتسلّما الحكومة الرسميّة المعلَنة.
لا يقال: إنّ جعلهم أئمة قد يحمل على الجعل الاعتبارى القانونى للمنصب، غاية الأمر إنّهم لم يمكّنوا من مباشرته و تفعيله لعدم إعانة الناس لهم.
فإنّه يقال: إنّ ظاهر هذا المقام هو من المقامات التكوينية التى أحد شعبها و شئونها المناصب الاعتبارية و الصلاحيّات القانونية و يشير إلى ذلك التعبير في الآية الثانية«وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ»فجعل فعل الخيرات و إقام الصلاة بنفسه متعلّق الوحى؛ أى إنّه وحى تسديدى و هداية لدنيّة بالإتيان بأفعال الخير و هو معنى العصمة الذاتية.
و كذلك التعبير في الآية بأنّهم«يَهْدُونَ بِأَمْرِنا»*و الأمر الإلهى قد أشير إليه في العديد من الآيات بإرادة الأمر التكوينى من الروح المسدِّد للأنبياء و الأوصياء؛ فهدايتهم للناس منبعثة عن مقامهم التكوينى و هذه الهداية ليست إراءة للطريق، بل هى الايصال للمطلوب؛ كما هو معنى الإمامة لغة من القيادة الفعلية للمأمومين.
و من ذلك يظهر أنّ الإيصال للمأمومين فعليّ لهم و لذا عبّر بالفعل المضارع«يَهْدُونَ بِأَمْرِنا»*أى تحقّق منهم ذلك و مقتضى هذا التعريف ايصالهم النظام البشرى و إقامتهم له على الخيرات و إقامته على أركان العبوديّة للَّه تعالى.
و قد أسندت الإمامة في الآية الأولى أيضاً بأنّها إمامة للناس و قد ذكرت هناك جملة من السنن الإبراهيمية الحنيفية التى أفشاها إبراهيم و ولده عليهما السلام في نظام الأعراف البشرية من نبذ عبادة الأوثان و غير اللَّه و حجّ بيت الحرام و جملة من السنن، المرتبطة بباب الطهارة البدنية و الروحية و البراءة من المشركين و سننهم المنحرفة و غيرها.