فقال عليه السلام له: اغتسل، فاغتسل؛ فقال: غضّ عينيك؛ فقال: افتح، ففتح فرآه عند قبر الحسين عليه السلام فصليّا عنده و زاراه؛ ثمّ قال: غمّض و قال: افتح؛ فرآه معه عند قبر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم؛ فقال: هذا بيتك، فاذهب الى عيالك و جدّد العهد و ارجع اليّ.
ففعل فقال: غمّض و قال: فافتح. فرآه معه فوق جبل قاف و كان هناك من أولياء اللَّه أربعون رجلًا فصلّى و صلّوا مقتدين به؛ ثمّ قال: غمّض و قال: افتح، ففتح فرآه معه في السجن.
و منها: ما روى مستفيضاً- إن لم يكن متواتراً بين الفريقين- من الحديث النبوي إنّ الخلفاء بعده صلى الله عليه و آله و سلم اثنا عشر خليفة؛ و في ذيل الحديث في طرقه المتعدّدة:
إنّ هذا الدين لا يزال عزيزاً لا يضره كيد من أراده بسوء ما دام الخليفة من الاثنى عشر باقياً.
و في بعض طرق ألفاظ الحديث:
لا يزال أمر امّتي عزيزاً ظاهراً ما دام الخليفة من الاثنى عشر باقياً.
و في طرق أخرى منه أيضاً:
لا يزال أمر الناس بخير ما دام الخليفة من الاثنى عشر موجوداً.
و غيرها من طرق الحديث النبوي[1]الدالّ على منعة الدين و الأمان له و للأمّة المسلمين- بل لعموم الناس و البشرية- ما دام الخليفة من الاثنى عشر موجوداً؛ أى: يباشر خلافة اللَّه في الأرض بتصرّفه و تدبيره و إدارته لشئون العباد و البلاد؛ كما يقتضيه معنى عنوان الخليفة.
و منها: جملة من الموارد التى فيها استعراض لتصرفات الأئمّة الماضين عليهم السلام عبر تدابير خفيّة مع مجموعات غير معلَنة و غير معروفة لدى خاصّة الشيعة، فضلًا
[1]راجع ملحقات احقاق الحق، ج 13، ص 1- 48 و غيبة النعمانى، ص 102- 127.
عن عامّتهم، فضلًا عن السلطات المعاصرة لهم؛ مثل ما في تغسيل الإمام الرضا عليه السلام لبدن موسى بن جعفر عليه السلام بنحو خفى و قوله عليه السلام للمسيّب بن زهير:
يا مسيّب، مهما شككت فيه، فلا تشكنّ فىّ، فإنّى إمامك و مولاك و حجّة اللَّه عليك بعد أبى. يا مسيّب، مَثَلى مثل يوسف الصديق و مثلهم مثل إخوته حين دخلوا عليه فعرفهم و هم له منكرون.[1]
و مثل ما في تدبير موسى بن جعفر عليه السلام لجملة من المناطق الخزرية و التركية بنحو خفى و تنبّؤ هارون الرشيد بذلك الخبر عند ما أراد قتل أبى الحسن عليه السلام[2].
و مثل ما روى عنهم عليهم السلام:
إنّ صاحب الأمر فيه شبه من يوسف و أنّه عليه السلام يباشر الأمور كما يباشر يوسف من دون أن يعرفه الناس.[3]
و قد روى عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم:
لينتفعون به و يستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن جلّلها السحاب.[4]
و في صحيحة معاوية بن وهب؛ قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم:
إنّ عند كلّ بدعة تكون من بعدى- يكاد بها الايمان- ولياً من أهل بيتى موكلًا به يذبّ عنه ينطق بالهام من اللَّه و يعلن الحق و ينوّره و يردّ كيد الكائدين يعبّر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولى الأبصار و توكّلوا على اللّه.[5]
[1]المجلسى، بحار الأنوار، ج 48، ص 225* الصدوق، عيون اخبار الرضا، ج 1، ص 100.
[2]المجلسى، بحار الأنوار، ج 48، ص 140، ح 16.
[3]النعمانى، الغيبة، ص 163- 164، ح 3 الى 5.
[4]المجلسى، بحار الأنوار، ج 36، ص 250.
[5]الكلينى، الكافى، ج 1، ص 54* المجلسى، بحار الأنوار، ج 2، ص 315* البرقي، المحاسن، ج 1، ص 208.
و يقول الإمام المهدى في رسالته الأولى للشيخ المفيد:
فإنّا نحيط علماً بأنبائكم و لا يعزب عنّا شيء من أخباركم ... إنّا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لو لا ذلك لنزل بكم اللأواء و اصطلمكم الأعداء.[1]
و قد ورد في زيارة الأئمة بالبقيع في زيارة الإمام على بن الحسين زين العابدين عليه السلام:
فلقد بلغ في عبادته و نصح لك في طاعته و سارع في رضاك و سلك بالأمة طريق هداك و قضى ما كان عليه من حقك في دولته و أدّى ما وجب عليه في ولايته حتى انقضت ايّامه ....[2]
و منها: قوله رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم:
من مات و ليس في عنقه بيعة لإمامٍ [أو عهد الإمام] مات ميتة جاهلية.[3]
و الملفت للنظر في هذا الحديث النبوي الشريف مع أنه قد ورد بألفاظ متعدّدة أخرى مثل:
«من مات و لم يعرف امام زمانه.»[4]و مثل «من مات و هو يبغضك- يا على- ففى سنّة جاهلية.»[5]أو «من مات و هو يبغضك مات ميتة جاهلية.»[6]أو «من أبغضك أماته اللَّه ميتة جاهلية.»[7]أو «من أبغض علياً محياه و مماته فميتته ميتة جاهلية.»[8]
[1]الطبرسى، الاحتجاج، ج 1، ص 323.
[2]المجلسى، بحار الأنوار، ج 100، ص 209.
[3]المجلسى بحار الأنوار، ج 23، ص 94.
[4]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 13، ص 85 و 86.
[5]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 17، ص 311.
[6]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 4، ص 228، 230* ج 17، ص 14.
[7]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 6، ص 472* ج 7، ص 139.
[8]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 4، ص 228.
إنّ لفظ الحديث ليس «لم يعرف» ليكون مشيراً إلى فريضة الاعتقاد و الايمان، بل التعبير فيه عن فريضة البيعة التى هى ولاء سياسى و تعاقد و التزام بذلك الولاء السياسى و أنّ هذه الموالاة السياسية هى من الخطورة بمكان يترتّب على الخلل بها خروج المرء عن حقيقة الايمان و صيرورته عند الموت و في الآخرة بمنزلة كفّار الجاهلية.
هذا من جهة حكم البيعة في الحديث و لا ريب أنّ هذا الحكم لا يصلح أن يكون شأناً إلّا للإمام الذى هو معصوم مصطفىً من قِبل اللَّه تعالى، فإنّ هذا الشأن لا يتناسب مع من تجوز عليه المعصية.
و إذا تقرر هذا المعنى اجمالًا للحديث فالملفت للنظر في معنى الحديث حينئذٍ هو كون هذه الفريضة السياسية مستمرة في طول القرون و الأعصار إلى يوم القيامة بما في ذلك العصر الحاضر، عصر غيبة الإمام المهدى- عجل اللَّه فرجه- و هذا ممّا يقتضى أنّ له- عجل اللَّه فرجه- قيادة سياسية فعلية في عصر الغيبة، أى في عصر السريّة و التستر و الخفاء و الّا فكيف تكون البيعة السياسية فرضية بهذه المثابة من الخطورة و الحال أنّ إمامة المهدى السياسية مجمّدة غير مفعّلة؟
فهذا الولاء السياسى له المفترض في الغيبة بشير الى أنّ كيان الطائفة المحقّة و جماعة أهل الحق من أتباع أهل البيت هم كيان اجتماعي لدولته و بالانتهاء إلى هذا الكيان يكون ولاءً سياسياً له- عجل اللَّه فرجه- كما أنّ القيام بالمسئولية تجاه الطائفة هو أداء لبعض هذه الفريضة السياسية؛ كما أنّ إقامة الأعراف الاجتماعية المبنيّة على تعاليم أهل البيت هو تفعيل لقوانينهم و أحكامهم و إنفاذ لها في النظام الاجتماعى السياسى، كما أن التقيّد بأحكام أهل البيت عليهم السلام في الأبواب المختلفة الاجتماعية هو ولاء لحاكميّتهم في الحياة الاجتماعية و الأُسرية و الفردية.
فيتحصل من مفاد الحديث أنّ حاكميّة المهدى- عجل اللَّه فرجه- السياسية فعلية مُفَعَّلة، قائمة الأركان في النظام الاجتماعى مع خفائها و تستّرها إلا أنّ ذلك لا
يسقط فريضة الولاء السياسى لتلك الحاكميّة. فهذا الحديث من الشواهد البيّنة النبويّة أنّ جميع أئمة أهل البيت الاثنى عشر عليهم السلام لم تزل حاكميّتهم السياسية فعلية مفعّلة و إن اتخذت ألواناً و أشكالًا و أساليب مختلفة و أطواراً متعدّدة من الظهور و الخفاء و أنحاءً من العلن و الظلّ.
الثالث: الدليل العقلى و العقلائى
و تقريره بوجوه:
1. ما أشار إليه غير واحد من المتقدّمين في قاعدة اللطف أنّ مقتضاها هو تصرفه عليه السلام لإقامة الأود و ردّ الزيغ و حفظ الأمّة عن الانحراف و الدين عن الضياع و لو بنحو غير ظاهر و قد ذكروا ذلك في بحث حجّية الإجماع بقاعدة اللطف فلاحظ عدّة الشيخ الطوسى و ذريعة السيّد المرتضى.
2. ما تقرّر في العلوم الآكاديميّة في أدبيات النُّظُم السياسية و الحكم من أنّ الخفاء و السرّية عنصر قوّة في التأثير و التدبير، تعتمده الأنظمة العصرية جاعلة له البُنية الأساسية في هيكل الحكم و أذرعه؛ حيث أنّ في الخفاء تنشط الأجهزة في كلّ الأصعدة مطلقة العنان في الحركة و التصرّف تشتدّ في النشاط و النفوذ و الوصول إلى كلّ المواقع بنحو أقوى و أيسر و أوسع؛ فالخفاء عنصر قوّة لا عنصر ضعف و عامل في الحكمة و الحنكة في التدبير لا عامل انكسار و تقحقح و سبب للحضور و التواجد في كلّ الأصعدة و المراكز لا سبب انكفاء و تقعقع.
و هذه الحقيقة باتت أمراً حياتياً اساسياً في أدبيات علم الدولة و علوم الأمن و المراكز الإستراتيجية و به يتجلّى أنّ ما اعتقدته الإماميّة في الغيبة بمعنى الخفاء و السرّية للإمام و القائد الإلهى- لا بمعنى الزوال و الذهاب و الابتعاد- هذا المعنى الصحيح للغيبة هو من الرُّقى المتطورة الحضارية في إدارة شئون النظام البشرى قد اعتنقته الإمامية قبل ما يزيد على إحدى عشر قرناً بل تظافرت به روايتهم قبل
أربعة عشر قرناً و كانت المذاهب الإسلامية الأخرى تهرّج مستهزئة بهذه العقيدة واصفة لها بالخرافة و حيث لم تبلغ عقولهم مغزى الحقيقة وصفوها بذلك و الآن صحصح العقل البشرى بعملاقية هذه النظرية و الحقيقة.
من هو خليفة المسلمين الآن؟
هل المهدى- عجل اللَّه فرجه متصدٍّ بالفعل لزمام الأمور؟
كم يطرح السؤال عن الخليفة الشرعي بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم و كم ينادى بإسدال الستار على الجواب و السؤال و يلهج ب «ما لنا و للتاريخ، نحن أبناء عصرنا و لسنا مسئولين عن ما مضى»، رغم أنّ هذه المقولة تتجاهل أنّ هوية الحاضر مكوناتها مبنيّة على عناصر أحداث الماضى، و أنّ تاريخ الأمم هو الصانع لهويّتها الحاضرة الماثلة، و أنّ وعى الأمم و ثقافتها و درجة تمدّنها و حضارتها وليد لِوَعْيِها و تفعّلها بالعبر المستخلصة من تاريخها.
و من الأمور الراهنة المبنية على الرؤية تجاه الماضى هو السؤال عن الخليفة الحاضر على المسلمين من هو؟ و من يكون؟ و ما هى الدلائل عليه؟
لا ريب أنّ المسلمين اتّفقوا على خلافة المهدى عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام عند ظهوره و صلاة النبي عيسى بن مريم عليه السلام خلفه، و إنّه قد بشّر به سيد الرسل صلى الله عليه و آله و سلم و إنّ اللَّه تعالى يفتح على يديه البلدان و يُظهره على الدين و لو كره المشركون، و به يتحقّق الوعد الإلهى بإظهار الإسلام الذى هو دين جميع الرسل على كافة أرجاء البسيطة.
فلا ريب أنّه الخليفة الأخير من الذين بشّر بهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم من الحديث المتواتر عند الفريقين أنّ بعده اثنى عشر خليفة، كلّهم من قريش، و أنّ الدّين
لا يزال عزيزاً ما بقي هؤلاء الاثنى عشر، و أنّ الأمّة ظاهرة على من عاداها ما بقي هؤلاء الاثنى عشر، بل أمر الناس (جميع البشر) لا يزال بخير ما بقي هؤلاء الاثنى عشر، أي ما بقيت سلسلة الاثنى عشر.
و يكفي هذا المقدار من انضمام الأحاديث النبوية ليخرج الباحث إلى حقيقة أنّ المهدى عليه السلام هو الباقي الحي القائم من هذه السلسلة الذى تحفظ به أمر نظام البشرية فضلًا عن حفظ أصل بقاء كيان الأمة الاسلامية و أهل الإيمان، بما يمارسه من دور خفي الذى عبّر عنه بالغيبة و الاستتار كي يظلّ مأموناً على حياته و ممارسة دوره الفاعل بتوسط مجاميع من الأولياء و الأصفياء المعبّر عنهم في روايات الفريقين بالأوتاد و الأركان و النقباء و السياح و الأبدال و غيرها من المجاميع النافذة في المجتمعات المختلفة كيانات و أنظمتها.
فهو حاضر في كبد الحدث البشرى متصدّ للأمور، فاعل ناشط، قائم بالأمر غير قاعد عنه و لا متقاعس، حيّ، لا هالك، حاضر لا متباعد، ذاهب سالك في الأودية النائية مهما تطاول هذا الاستتار الخفي و لم ينكشف بالظهور حقيقة دوره و نشاطه الحاسم في مصير نظام البشرية.
فالظهور ليس إلّا انكشاف لحقيقة ما قد قام و يقوم به القائم من آل محمّد عليهم السلام من مهامّ في تدبير النظام البشرى في مجالات شتّى.
و هذا الاعتقاد بوجود خليفة اللَّه تعالى«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»و بوجود خليفة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم «الخلفاء اثنى عشر كلّهم من قريش»، «إنّى تارك فيكم الثقلين، كتاب اللَّه و عترتى أهل بيتى» الخليفة على المسلمين في الوقت الراهن الحاضر، هذا الاعتقاد يضفى برؤية وسطية في الوقت الراهن الحاضر، نظرية المسئولية الملقاة على عاتق الأمّة و على النخبة و على أهل العلم تجاه الإصلاح الاجتماعى و تغيير الفساد و القيام بإقامة المعروف و دفع المنكر.
هذا الاعتقاد يكوّن نظرية متوازنة في تحديد المسئولية و التكليف، الاختيار