بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 240

و يقول الإمام المهدى في رسالته الأولى للشيخ المفيد:

فإنّا نحيط علماً بأنبائكم و لا يعزب عنّا شيء من أخباركم ... إنّا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لو لا ذلك لنزل بكم اللأواء و اصطلمكم الأعداء.[1]

و قد ورد في زيارة الأئمة بالبقيع في زيارة الإمام على بن الحسين زين العابدين عليه السلام:

فلقد بلغ في عبادته و نصح لك في طاعته و سارع في رضاك و سلك بالأمة طريق هداك و قضى ما كان عليه من حقك في دولته و أدّى ما وجب عليه في ولايته حتى انقضت ايّامه ....[2]

و منها: قوله رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم:

من مات و ليس في عنقه بيعة لإمامٍ [أو عهد الإمام] مات ميتة جاهلية.[3]

و الملفت للنظر في هذا الحديث النبوي الشريف مع أنه قد ورد بألفاظ متعدّدة أخرى مثل:

«من مات و لم يعرف امام زمانه.»[4]و مثل «من مات و هو يبغضك- يا على- ففى سنّة جاهلية.»[5]أو «من مات و هو يبغضك مات ميتة جاهلية.»[6]أو «من أبغضك أماته اللَّه ميتة جاهلية.»[7]أو «من أبغض علياً محياه و مماته فميتته ميتة جاهلية.»[8]

[1]الطبرسى، الاحتجاج، ج 1، ص 323.

[2]المجلسى، بحار الأنوار، ج 100، ص 209.

[3]المجلسى بحار الأنوار، ج 23، ص 94.

[4]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 13، ص 85 و 86.

[5]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 17، ص 311.

[6]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 4، ص 228، 230* ج 17، ص 14.

[7]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 6، ص 472* ج 7، ص 139.

[8]المرعشى، ملحقات احقاق الحق، ج 4، ص 228.


صفحه 241

إنّ لفظ الحديث ليس «لم يعرف» ليكون مشيراً إلى فريضة الاعتقاد و الايمان، بل التعبير فيه عن فريضة البيعة التى هى ولاء سياسى و تعاقد و التزام بذلك الولاء السياسى و أنّ هذه الموالاة السياسية هى من الخطورة بمكان يترتّب على الخلل بها خروج المرء عن حقيقة الايمان و صيرورته عند الموت و في الآخرة بمنزلة كفّار الجاهلية.

هذا من جهة حكم البيعة في الحديث و لا ريب أنّ هذا الحكم لا يصلح أن يكون شأناً إلّا للإمام الذى هو معصوم مصطفىً من قِبل اللَّه تعالى، فإنّ هذا الشأن لا يتناسب مع من تجوز عليه المعصية.

و إذا تقرر هذا المعنى اجمالًا للحديث فالملفت للنظر في معنى الحديث حينئذٍ هو كون هذه الفريضة السياسية مستمرة في طول القرون و الأعصار إلى يوم القيامة بما في ذلك العصر الحاضر، عصر غيبة الإمام المهدى- عجل اللَّه فرجه- و هذا ممّا يقتضى أنّ له- عجل اللَّه فرجه- قيادة سياسية فعلية في عصر الغيبة، أى في عصر السريّة و التستر و الخفاء و الّا فكيف تكون البيعة السياسية فرضية بهذه المثابة من الخطورة و الحال أنّ إمامة المهدى السياسية مجمّدة غير مفعّلة؟

فهذا الولاء السياسى له المفترض في الغيبة بشير الى أنّ كيان الطائفة المحقّة و جماعة أهل الحق من أتباع أهل البيت هم كيان اجتماعي لدولته و بالانتهاء إلى هذا الكيان يكون ولاءً سياسياً له- عجل اللَّه فرجه- كما أنّ القيام بالمسئولية تجاه الطائفة هو أداء لبعض هذه الفريضة السياسية؛ كما أنّ إقامة الأعراف الاجتماعية المبنيّة على تعاليم أهل البيت هو تفعيل لقوانينهم و أحكامهم و إنفاذ لها في النظام الاجتماعى السياسى، كما أن التقيّد بأحكام أهل البيت عليهم السلام في الأبواب المختلفة الاجتماعية هو ولاء لحاكميّتهم في الحياة الاجتماعية و الأُسرية و الفردية.

فيتحصل من مفاد الحديث أنّ حاكميّة المهدى- عجل اللَّه فرجه- السياسية فعلية مُفَعَّلة، قائمة الأركان في النظام الاجتماعى مع خفائها و تستّرها إلا أنّ ذلك لا


صفحه 242

يسقط فريضة الولاء السياسى لتلك الحاكميّة. فهذا الحديث من الشواهد البيّنة النبويّة أنّ جميع أئمة أهل البيت الاثنى عشر عليهم السلام لم تزل حاكميّتهم السياسية فعلية مفعّلة و إن اتخذت ألواناً و أشكالًا و أساليب مختلفة و أطواراً متعدّدة من الظهور و الخفاء و أنحاءً من العلن و الظلّ.

الثالث: الدليل العقلى و العقلائى

و تقريره بوجوه:

1. ما أشار إليه غير واحد من المتقدّمين في قاعدة اللطف أنّ مقتضاها هو تصرفه عليه السلام لإقامة الأود و ردّ الزيغ و حفظ الأمّة عن الانحراف و الدين عن الضياع و لو بنحو غير ظاهر و قد ذكروا ذلك في بحث حجّية الإجماع بقاعدة اللطف فلاحظ عدّة الشيخ الطوسى و ذريعة السيّد المرتضى.

2. ما تقرّر في العلوم الآكاديميّة في أدبيات النُّظُم السياسية و الحكم من أنّ الخفاء و السرّية عنصر قوّة في التأثير و التدبير، تعتمده الأنظمة العصرية جاعلة له البُنية الأساسية في هيكل الحكم و أذرعه؛ حيث أنّ في الخفاء تنشط الأجهزة في كلّ الأصعدة مطلقة العنان في الحركة و التصرّف تشتدّ في النشاط و النفوذ و الوصول إلى كلّ المواقع بنحو أقوى و أيسر و أوسع؛ فالخفاء عنصر قوّة لا عنصر ضعف و عامل في الحكمة و الحنكة في التدبير لا عامل انكسار و تقحقح و سبب للحضور و التواجد في كلّ الأصعدة و المراكز لا سبب انكفاء و تقعقع.

و هذه الحقيقة باتت أمراً حياتياً اساسياً في أدبيات علم الدولة و علوم الأمن و المراكز الإستراتيجية و به يتجلّى أنّ ما اعتقدته الإماميّة في الغيبة بمعنى الخفاء و السرّية للإمام و القائد الإلهى- لا بمعنى الزوال و الذهاب و الابتعاد- هذا المعنى الصحيح للغيبة هو من الرُّقى المتطورة الحضارية في إدارة شئون النظام البشرى قد اعتنقته الإمامية قبل ما يزيد على إحدى عشر قرناً بل تظافرت به روايتهم قبل


صفحه 243

أربعة عشر قرناً و كانت المذاهب الإسلامية الأخرى تهرّج مستهزئة بهذه العقيدة واصفة لها بالخرافة و حيث لم تبلغ عقولهم مغزى الحقيقة وصفوها بذلك و الآن صحصح العقل البشرى بعملاقية هذه النظرية و الحقيقة.


صفحه 244

من هو خليفة المسلمين الآن؟

هل المهدى- عجل اللَّه فرجه متصدٍّ بالفعل لزمام الأمور؟

كم يطرح السؤال عن الخليفة الشرعي بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم و كم ينادى بإسدال الستار على الجواب و السؤال و يلهج ب «ما لنا و للتاريخ، نحن أبناء عصرنا و لسنا مسئولين عن ما مضى»، رغم أنّ هذه المقولة تتجاهل أنّ هوية الحاضر مكوناتها مبنيّة على عناصر أحداث الماضى، و أنّ تاريخ الأمم هو الصانع لهويّتها الحاضرة الماثلة، و أنّ وعى الأمم و ثقافتها و درجة تمدّنها و حضارتها وليد لِوَعْيِها و تفعّلها بالعبر المستخلصة من تاريخها.

و من الأمور الراهنة المبنية على الرؤية تجاه الماضى هو السؤال عن الخليفة الحاضر على المسلمين من هو؟ و من يكون؟ و ما هى الدلائل عليه؟

لا ريب أنّ المسلمين اتّفقوا على خلافة المهدى عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام عند ظهوره و صلاة النبي عيسى بن مريم عليه السلام خلفه، و إنّه قد بشّر به سيد الرسل صلى الله عليه و آله و سلم و إنّ اللَّه تعالى يفتح على يديه البلدان و يُظهره على الدين و لو كره المشركون، و به يتحقّق الوعد الإلهى بإظهار الإسلام الذى هو دين جميع الرسل على كافة أرجاء البسيطة.

فلا ريب أنّه الخليفة الأخير من الذين بشّر بهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم من الحديث المتواتر عند الفريقين أنّ بعده اثنى عشر خليفة، كلّهم من قريش، و أنّ الدّين


صفحه 245

لا يزال عزيزاً ما بقي هؤلاء الاثنى عشر، و أنّ الأمّة ظاهرة على من عاداها ما بقي هؤلاء الاثنى عشر، بل أمر الناس (جميع البشر) لا يزال بخير ما بقي هؤلاء الاثنى عشر، أي ما بقيت سلسلة الاثنى عشر.

و يكفي هذا المقدار من انضمام الأحاديث النبوية ليخرج الباحث إلى حقيقة أنّ المهدى عليه السلام هو الباقي الحي القائم من هذه السلسلة الذى تحفظ به أمر نظام البشرية فضلًا عن حفظ أصل بقاء كيان الأمة الاسلامية و أهل الإيمان، بما يمارسه من دور خفي الذى عبّر عنه بالغيبة و الاستتار كي يظلّ مأموناً على حياته و ممارسة دوره الفاعل بتوسط مجاميع من الأولياء و الأصفياء المعبّر عنهم في روايات الفريقين بالأوتاد و الأركان و النقباء و السياح و الأبدال و غيرها من المجاميع النافذة في المجتمعات المختلفة كيانات و أنظمتها.

فهو حاضر في كبد الحدث البشرى متصدّ للأمور، فاعل ناشط، قائم بالأمر غير قاعد عنه و لا متقاعس، حيّ، لا هالك، حاضر لا متباعد، ذاهب سالك في الأودية النائية مهما تطاول هذا الاستتار الخفي و لم ينكشف بالظهور حقيقة دوره و نشاطه الحاسم في مصير نظام البشرية.

فالظهور ليس إلّا انكشاف لحقيقة ما قد قام و يقوم به القائم من آل محمّد عليهم السلام من مهامّ في تدبير النظام البشرى في مجالات شتّى.

و هذا الاعتقاد بوجود خليفة اللَّه تعالى«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»و بوجود خليفة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم «الخلفاء اثنى عشر كلّهم من قريش»، «إنّى تارك فيكم الثقلين، كتاب اللَّه و عترتى أهل بيتى» الخليفة على المسلمين في الوقت الراهن الحاضر، هذا الاعتقاد يضفى برؤية وسطية في الوقت الراهن الحاضر، نظرية المسئولية الملقاة على عاتق الأمّة و على النخبة و على أهل العلم تجاه الإصلاح الاجتماعى و تغيير الفساد و القيام بإقامة المعروف و دفع المنكر.

هذا الاعتقاد يكوّن نظرية متوازنة في تحديد المسئولية و التكليف، الاختيار


صفحه 246

في التغيير و للإصلاح لا مع مسلك التفويض و لا الجبر، فليس المسئولية مفوّضة بكاملها للأمّة و نخبتها و رجالات العلم فيها تفويضاً تامّاً على إختلاف فهم المصدر و المرجع الأوّل و الأخير.

و لا المسئولية ساقطة عن كاهل الأمّة و رجالاتها تحت عنوان الجبر التاريخى أو الجبر القدري من القضاء الإلهى، أو الجبر الاجتماعى أو جبر البيئة و الظروف.

بل المسئولية و التكليف على الأمّة و نخبها و رجالات العلم هي بين الجبر و التفويض، أمر بين الأمرين، و هو الاختيار ضمن حدود صلاحيّات الاختيار، لا التفويض المطلق و لا الجبر المطلق، بل وسط بينهما. و هذه الرؤية للاختيار ضمن حدود الاختيار و صلاحيّاته هي تجلّي لمعنى عظيم من معانى الانتظار، انتظار الظهور انتظار الحضور و القدوم، إذ لم نفتقد الخليفة و لم يذهب عن ساحة الحدث لنترقّب قدومه و حضوره، بل خفيت هويّته علينا و استقرت معالم شخصيته عن معرفتنا مع كونه صاحب الدور الأوّل و وليّ التدبير المهيمن، فأصل زمام التدبير بيده، و هذا باعث على الأمل باستمرار و الطمأنينة و لابتعاد اليأس عن قاموس همم الأمّة و رجالاتها في القيام بالإصلاح و تغيير الفساد.

و هذا بخلاف رؤية التفويض، و أنّ زمام الأمور كلّها بيد الأمّة، فإنّ مردودها العكسى هو حصول اليأس و انعدام الأمل عند ما ترى الأمّة نفسها عاجزة عن الوصول إلى الهدف المنشود أمام قوّة أعدائها، و عند ما ترى أنّ قواها محدودة تجاه ما يملك عدوّها من طاقات و قدرات.

و أمّا على رؤية الاختيار ضمن حدوده و مدار صلاحيّاته، فإنّ الاعتقاد بوجود تدبير مهيمن خفي على مقادير النظام البشرى فضلًا عن الأمّة يوجد دوام الأمل و تنبض الحيوية و يتدفّق النشاط الدائم بلا كلل، و لن تكون هناك في قاموس الأمة هزيمة مستأصلة لها و لا فشل حاسم في أدبياتها و استراتيجيتها، كلّ


صفحه 247

ذلك لحتمية ظهور الدين على كافة أرجاء الأرض على يد المهدي عليه السلام و حتمية بقاء الأرض في بيئاتها المختلفة تحت حفظ تدبيره و إدارته الفعلية و من ثمّ

«الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً»

إذ بولاية الخلفاء الاثني عشر و تدبيرهم لنظام الملّة و الدين و الأمّة لن يكتب استئصال لهذا الدين و لن يقدّر غلبة للعدو مقوّضة لجذور كيان الأمّة، كما جاء في مفاد الحديث النبوي عين ما هو مفاد آية الغدير في سورة المائدة.

لكن كلّ ذلك لا يعني في الجانب الآخر نظرية الجبر في إصلاح الاجتماعي و تغيير الفساد في كلّ مجالاته لبدع الأمّة و رجالاتها في بلهنية من العيش و رغد رفاه مغدق، بل هو أمر بين أمرين، فكما لا تفويض في الفعل و الإدارة و القيادة للنظام الاجتماعي السياسي، فكذلك لا جبر في الفعل الجماعى السياسي، بل هناك اختيار إرادة للأمّة ضمن حدود الاختيار تحدّد موقفها تجاه مسيرة الإصلاح الاجتماعى وفق الرؤية الإلهيّة.

و كما أنّ نفى التفويض في المجال السياسي و الاجتماعي يفرز نوعاً من الشعور بالرقابة من الجهاز الحكومي الإلهى الذى يديره المهدى عليه السلام فيكون قوّة ردعٍ فكرية و نفسانية و سياسية و أمنية ردع للأمّة و رجالات الإصلاح عن أن يطغوا عن الجادة المستقيمة«فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا»[1]كي لا يعود دعاة الإصلاح بالأمس هم روّاد الفساد في اليوم الحاضر، و هذه عظمة ديناميكية و حيوية الإصلاح في عقيدة الانتظار للمهدى عليه السلام و الروية الصحيحة لعقيدة الغيبة بمعنى خفاء و استتار التدبير و سرّية الإدارة المهدوية.

فإنّ الشعور بالرقابة الدائمة الميدانية على الصعيد الخارجى صمام أمانٍ و

[1]هود/ 112.