أنّ حفظ معالم الدين و الأحكام الأولية لا يتمّ إلّا بالحكومة السياسية الظاهرية الدينية مع أنّ التجربة التاريخية للمسلمين تكذّب هذه الدعوى، فإنّ الحكومات السياسية المتعاقبة على المسلمين قروناً عديدة لم تكن دينية حقيقة و إن تقمّص جملة منهما باسم الدين و مع ذلك تمّ المحافظة على جملة مهمّة من معالم الدين.
كلّ ذلك لما بيّناه سابقاً من أنّ أنواع الحكومة للمجتمع لا ينحصر بالحكومة السياسية الظاهرية، بل هناك أنواع عديدة كثيرة من أشكال الحكم و الحكومة غير الظاهرية نظير القدرة و السلطة الثقافية و العقائدية و إدارة نظام الطائفة بالنحو التقليدي عبر القنوات التقليدية غير الرسمية و كذلك قدرة الملكوت الخفي النازل و قدرة التحكم في الشرائح المختلفة للمجتمع بتوسط المال أو التعليم أو الإعلام أو الطقوس التربوية الدينية و غيرها من أشكال و قنوات و سلطات التحكم.
و بعبارة أخرى: أنّ هناك أنظمة متعدّدة و مختلفة:
منها: النظام المعارفي و العقائدي.
منها: نظام السنن و الآداب الاجتماعية.
و منها: نظام الأسرة.
و منها: النظام الثقافي و المالي و الاقتصادي و النظام السياسي و غيرها من الأنظمة.
و لكلّ نظامٍ حكومة أو حكومات و قدرة أو قدرات تتحكّم فيه و ليس النظام السياسي و حكومته هو المتصرّف الوحيد في الأنظمة الأخرى لا سيما و أنّ الحكومة و القدرة في النظام العقائدي- التي هي من أهمّ أنظمة الدين و معالمه و بيضته- ليست القدرة و الحكومة فيه هي الحكومة السياسية، بل المرجعية الدينية الشرعية هي صاحبة القدرة و النفوذ فيه.
ثمّ إنّ هنا مغالطة ثالثة أيضاً و هي أنّه لا يعقل أهمية الحكومة السياسية الظاهرية لغير المعصوم على الحكومة السياسية الظاهرية للمعصوم و إذا ساغ
تأخير الحكومة الثانية فكيف لا يسوغ فرض تعطيل الحكومة الأولى و أنّهما فرع لذلك الأصل.
فتحصّل:
إنّ تفسير المصلحة الدينية بنفس الحكومة السياسية الظاهرية و ولاية شئون الأمور العامة ثمّ الاستدلال لذلك بقاعدة التزاحم و نحوها و أهمية بيضة الدين و معالم الأحكام تدافع واضح.
سابعاً- إنّ المراد بالمصلحة و تحديد دائرتها إن كان في ضمن حدود موقّتة زَمَنيّة و في حدود جيل معيّن أو فئة معيّنة من دون لحاظ المصلحة في جميع الأزمان و جميع الأجيال فسوف يكون في ذلك إجحافاً ببقية الأجيال، بل بنفس الجيل بلحاظ الفترات الزمنية الأخرى.
و من ثمّ بنى مذهب الإمامية على أنّه لا يحيط بالمصلحة بتمام دوائرها و بنحو منسجم متناسب في جميع الأزمان و جميع الأجيال إلّا مَن وهبه اللَّه تعالى العلم اللدني.
هذا مضافاً إلى ما مرّ من أنّ الإحاطة بالموضوعات بتفاصيلها و شئونها و علائق التأثير بين بعضها مع البعض لا يتمكّن بنحو الأتمّ إلّا ذو العلم اللدني من المعصوم و من ثمّ قُرّر في علوم الإدارة و التدبير في الآكاديميات الحديثة أنّ علم الإحصاء و نُظُم المعلومات من العلوم الخطيرة الهامّة ببالغ الدرجة في رسم الإدارة السياسيّة الناجحة و رسم التشريعات و اللوائح البنّاءة.
و من ثمّ أيضاً أقرّ- من قال بالعمل على المصلحة المظنونة و المحتملة و تحكيمها على الأحكام الأولية- بلزوم الرجوع إلى الخبراء و المتخصصين في جملة من الموضوعات كي يرسم صورة واضحة عن واقع الموضوعات المختلفة.
ثامناً- إنّ جعل المصلحة مداراً و محوراً تُعطَفُ عليها الأحكام هو بمعنى جعل المصلحة المادية و القدرة و القوة السياسية المادية أعلى شأناً من الغايات الشرعية المعنوية و الأخروية و بالتالي سوف يكون القدرة و القوة و الغلبة السياسية هي مصدر الحق و التشريع لا الكمال المعنوي و الأخروي و بدل أن تكون الدنيا ممرّاً و الآخرة مقرّاً، تكون النظرة إلى الدنيا في أصول التشريع مقرّاً.
نعم هناك توازن بين الطريقية و مقدّمية المصالح المادية و الدنيوية مع غائية المصالح الأخروية من أنّ الغاية ليست بنحو تُعدم الوسيلة و لا بنحو يؤول إلى جعل الوسيلة الغاية، بل لا بدّ من حفظ التوازن بينهما لا سيما على الصعيد التناسب بين الجهة الفردية و المجموعية لمجموع المجتمع من جانب و من جانب آخر التناسب بين معالم الدين و المصالح المعيشية.
تاسعاً- إنّ تعيين المصلحة إمّا بِيَد المتخصصين في الموضوعات المختلفة، فهذا يؤول إلى عدم حاكمية المرجعية الدينية و إمّا أن يكون بضميمة نظر الفقيه باعتبار أنّ له الولاية النيابية و من ثمّ تتعنون و تنتسب المصلحة بالحيثية الشرعية فيبقى السؤال على حاله: من أنّ الحيثية الشرعية للمصلحة الآتية من حاكمية الفقيه لا بدّ و أن تكون من جهة معرفته بالأحكام الشرعية و فِقْهِه للدين و بالتالي فسوف يكون مدار الشرعية للمصلحة هي نفس الأحكام الأولية و هذا كَرٌّ على ما فَرَّ منه القائل بمدارية المصلحة في الحكم.
عاشراً- إنّه قد وقع الكلام و البحث حول صلاحيّة التشريع بنحو محدود للرسول صلى الله عليه و آله و سلم بعد الفراغ عن أنّ المشرّع الأوّل هو اللَّه تعالى و كذلك الكلام في صلاحيّة عترته مِن بعده للتشريع في دائرة أضيق مما كانت للنبي صلى الله عليه و آله و سلم، فَبَيْنَ مُثبِت لذلك و بين نافٍ و إن كان الأصحّ هو ثبوت ذلك بنحو التبعية للتشريع الإلهي و تبعية تشريع الأئمة عليهم السلام لتشريعات الباري تعالى و تشريعات النبي صلى الله عليه و آله و سلم و لم
يذهب ذاهب بالضرورة إلى ثبوت هذه الصلاحيّة لغير المعصومين سواء تعويلًا على ميزان المصلحة أو على أيّ ميزان آخر، فإنّ جملة هذه الموازين لا تُعطي و لا تُخَوّل الفقيه صلاحية التشريع و من ثمّ افترق حقيقة الاجتهاد عند الإمامية عن معناه لدى المذاهب الأخرى حيث إنّه عند الإمامية عبارة عن الاستنباط و الفهم و للكشف للحكم الشرعي و تنزّلاته لا إنشاء الحكم بالرأي كما هو لدى المذاهب الأخرى.
لا ضرر
أمّا التمسّك بقاعدة لا ضرر أو لا حرج، فالصحيح أنّ قاعدة لا ضرر- كما ذهب إليه مشهور الفقهاء- تؤول إلى التزاحم، أي بين حفظ النفس من الحياة و البدن و الصحة و السلامة و حفظ العِرض من الفروج و السمعة و العفّة و الشرف و حفظ الأموال و المنافع أو في مقام التزاحم مع ملاكات الأحكام الأولية، فحقيقتها ترجع إلى التزاحم إذن، و من ثمّ لا يقدّمون الضرر بأيّ درجة كانت و لو بدرجة خفيفة أو متوسطة في مقابل الحكم الالزامي البالغ الأهمية، فلم يتوهّم أن ترفع حرمة الفاحشة تحت ذريعة تسويغ الضرر الصحّي من حبس الماء، كما هو الحال في قاعدة الحرج أيضاً فإنّه لا يرفع بها بالحرج المتوسط عزيمة الأحكام الهامّة الإلزامية.
و على ذلك فكلّ ما تقدّم تسجيله من أحكام قاعدة التزاحم و بالتالي التحفظات التي تسجل على قاعدة الغاية تبرّر الوسيلة و مشرّعيّة المصلحة تسجّل على التمسك بذيل قاعدة لا ضرر للتدليل على قاعدة مشرّعية المصلحة.
حكم العقل بتقديم الأهم
و ممّا استدلّ به لرعاية المصلحة إنّه من باب مراعاة الأهمّ قبال المهم و الذي هو حكم عقلي، فحكم الحاكم النائب و إن خالف جملة من مصالح الأحكام الأولية إلّا أنّه يكون رعاية لما هو أهم.
و فيه:
أولًا- إنّ الأهمّ إن أريد منه حفظ القدرة و السلطة في الحكم بما هي هي، فهذه ليست غاية مشروعة، بل هي غاية الفراعنة.
و إن كان المراد من الأهمّ بقية مصالح الأحكام الأولية، فهذا يندرج في بحث التزاحم الاصطلاحي إلّا أنّ اللازم على المدبّر الفطن هو الممانعة عن تدافع المصالح الأولية و على فرض وقوعها فاللازم ايجاد التدبير الحكيم لرفع استمرار ذلك التدافع.
ثانياً- ان التفريط بسلسلة المهمّات تحت طائلة الأهمّ الواحد سوف يقلب معادلة التزاحم و يكون التفريط بسلسلة المهم هو التفريط بالأهمّ المتعاقب الشديد في مقابل حفظ الأهمّ الموقّت.
ثالثاً- إنّ ارتكاب المحظور و مخالفة الحدود الإلهية بنفسه يجذّر سنّة
المخالفة كسنّة باطلة في النظام الاجتماعي، حيث أنّ عامّة طبقات المجتمع على دين ملوكهم، أي تَسْتَنُّ في منهاجها بسنن النظام الحاكم.
و هذا من أخطر محاذير ارتكاب المحظورات و عدم حفظ الحدود الإلهية و لو تحت ذريعة التزاحم أو الأهمّ و المهم أو العناوين الثانوية أو غيرها من القواعد العذرية.
رابعاً- إنّ فرض تدافع الأهمّ و المهم إنّما هو من الاغفال عن حلول موضوعية و الالتجاء إلى الحلول الحُكْمية مع أنّ العكس هو المتعيّن؛ إذ إنّ اللازم تكييف البيئات الموضوعية على طبق التشريع و هو هدف التشريع لا تكييف التشريع على طبق البيئات الموضوعية المرضية في الحقول المختلفة.
خامساً- إنّ فرض التزاحم و التدافع و التنافي بين إقامة الأهمّ و المهم إنّما هو لتصوير فرض خاطئ مبتنٍ على أنّ وسيلة إقامة الأهمّ منحصرة بشكل الحكومة الرسمية، مع أنّ هناك أشكالًا مختلفة أخرى غير صيغة الحكومة الرسمية أي عبر أشكال القدرة الاجتماعية المختلفة يمكن إقامة الأحكام بلا تدافع بينهما.
دفع الأفسد بالفاسد
و هذه القاعدة في الغالب تستعمل و يستدلّ بها لارتكاب المحظورات في دفع ما هو أشدّ حرمة و أكثر ضرراً و فساداً و هي مع التأمّل الدقيق ترجع إلى تطبيق قاعدة التزاحم و الأهمّ و المهم في مورد المحرّمات.
فيرد عليها ما تقدّم من التمسّك بذيل القاعدتين.
مضافاً إلى اختصاصها ببعض آخر:
أولًا- إنّ دفع الأفسد ليس من المسئولية و التكليف الشرعي إلّا ضمن الحدود المشروعة و أمّا ما وراء ذلك فليس هو من المسئولية الواقعة على عاتق المكلّف إلّا في ما أذن الشرع فيه بالخصوص و من ثمّ تسالم فقهاء الإمامية على أنّ التقية في كلّ شيء و أمّا إذا بلغت الدماء فلا تقية. فلو دار الأمر بسبب الإكراه أن يقتل مجنوناً مسلماً غير بالغ في قبال أن يحفظ دم نفسه، فإنّ التقية لا تجوّز ذلك، أي إنّ الأدلّة العذرية برمّتها لا تجوّز له ارتكاب ذلك المحظور و من ثمّ استفاد الفقهاء من قاعدة «لا تقية في الدماء» أنّ النفي هنا بمعنى النهي يفيد الحرمة ممّا يدلّل على أنّه لا يسوغ ارتكاب المحرم لأجل التوصّل إلى دفع المفسدة إلّا في المورد الذي ورد الترخيص الشرعي فيه بالخصوص، كمثل قتل المسلمين المتَتَرَّس بهم في