اللَّه تعالى مثل قوله تعالى:«وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ»[1]
و قوله تعالى:«ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ»[2]و غيرها من الآيات الدالّة على أنّ كلّ صغيرة و كبيرة و كلّ شيء مستتر في الكتاب المبين مضافاً إلى الروايات المستفيضة و المتواترة على أنّ ما من واقع إلّا و للَّه فيه حكم.[3]
فالتعبير بالفراغ في الشريعة الإسلاميّة لا يخلو عن مسامحة واضحة و إرادة منطقة المباحات من ذلك لا يصحّح اطلاق هذه التسمية عليهما.
ثانياً- إنّ حصول المصالح الملزمة و تصادقها مع المباحات في جملة من الموارد ليس له معنى محصّلٌ و لا تفسير صحيح إلّا بارادة انطباق العناوين الأوليّة الإلزاميّة على الموضوعات المباحة و إلّا فمن أين يتصور الإلزام من دون أن يكون قد شرّع في الأحكام الأولية و من ثمّ أشكل على العامّة في اعتمادهم على المصالح المرسلة و سدّ الذرائع مع أنّ كلتا القاعدتين عندهم هي بلحاظ الأحكام الإلزامية الأولية و الحيطة عليها و الحفاظ عليها إلّا أنهم حيث جعلوا التأدية إلى التفريط بهما و لو احتمالًا أو ظنّاً لازم الرعاية.
و قد يقرّب بأنّ الفقيه مَلأ منطقة الفراغ، فإنّ في التشريع الإسلامي قسماً ثابتاً و هو ما قد يعبّر عنه في الأثر الشريف «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة»[4]و هناك قسم غير ثابت متغير حسب الظروف المختلفة لكنه مشروط و متأطّر بعناوين القسم الأول و يطلق عليه منطقة الفراغ و مَلأ هذا القسم المتغير هو العارف بأحكام القسم الأول هو الخبير باستنباط أحكام القسم الثاني بنحو لا يتعارض مع أحكام القسم الأول و لا يتمكن من ذلك إلّا الفقيه.
[1]النحل/ 89.
[2]الأنعام/ 38.
[3]الكلينى، الكافي، ج 1، كتاب فضل العلم، ب 20، ص 59.
[4]الكلينى، الكافي، ج 1، كتاب فضل العلم، ب 19، ص 58، ح 19.
و الضوابط المرعيّة في ملأ منطقة الفراغ:
الأولى: و هي الأهداف و العلل المنصوصة للأحكام الثابتة كما في تعليل جعل الفيء للَّه و للرسول و لذي القربى كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم أي لا تتكدّس الأموال بين الأغنياء، بل يكون لصالح الدولة و الأمّة. فهذه العلّة كضابطة حدّدتْه الآية و باستطاعة الفقيه تشريع بعض القوانين الممانعة من تكدّس الأموال عند الأغنياء كفرض الضرائب على أموالهم و نحو ذلك لتحقيق الهدف المنصوص عليه في الآية.
و نظيره ما عُمل في روايات الزكاة من أنّ غايتها إلحاق الفقير بالمستوى المعتاد في المعيشة، كما في معتبرة أبي بصير عن الصادق عليه السلام:
و ما أخذ من الزكاة فَضَّه على عياله حتى يلحقهم بالناس.[1]
و نظيره ما ورد أيضاً من ان من له جارية و دار و غلام و جمل له أنّ يأخذ من الزكاة.[2]
فهذا التعليل يفيد أنّ مِن حق الوالي إذا عجزت أموال الزكاة عن هذا الهدف أن يشرّع المزيد من الزكاة لأجل ذلك.
و مثلها الأهداف المستنبطة من مجموعة أحكام كقاعدة «لا ربح بلا عمل» من جملة من الأحكام الأخرى كعدم تملك الأرض من دون إحياء و عدم ملكية المعدن إلّا بمقدار ما استخرج و عدم مشاركة الربح إذا كان صاحب رأس المال ماله مضموناً و المستأجر لا يؤجر بأزيد من أجرته إلّا إذا أحدث حدثاً.
الثانية: القيم الاجتماعية التي أكّدت عليها النصوص كالعدالة و المساواة
[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب المستحقين للزكاة، ب 8، ح 4.
[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب المستحقين للزكاة، ب 10.
و الأخوة في قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ»[1]
و قوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى»[2]
و قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ»[3]
فاللازم على الحاكم سنّ إقامة النُّظُم و القوانين المؤدّية إلى ذلك.
ثالثة: المَيْز في الأحكام المستفادة من النصوص بين الأحكام الثابتة و الأحكام التدبيرية المتغيرة كما في جملة من الموارد من النواهي في الأرضين و باب الإجارة و الثروات المشتركة الطبيعية فإنّها عُلّلَ بعدم الضرر و الضرار، كالنهي عن الاحتكار في البيوعات.
الرابعة: الغايات التي حدّدت للحاكم أن ينجزها كمسئولية تقع على عاتقه.
و فيه:
أولًا- ما مرّ من عدم خلو أيّ واقعة من الحكم الشرعي و هذا ليس من الفراغ في التشريع بقدر ما هو تطبيق للثابت التشريعي على المتغيّر الموضوعي في الحقول المختلفة.
ثانياً- إنّ الأصول التشريعية- و هو ما قد يعبّر عنه بأصول القانون أو فقه المقاصد أو روح الشريعة و مذاقها على حسب اختلاف النظريات المعالجة
[1]المائدة/ 8.
[2]النحل/ 90.
[3]الحجرات/ 13.
لأسس التشريع- و إن كانت تشريعات أوليّة فوقية لا سيما على وفق النظرية الأولى إلّا أنّ ذلك لا يعني رفع اليد عن التشريعات النبوية الأخرى التي هي في طول تلك الأصول التشريعية و نحو من التنزيل لها. و كذلك التشريعات أو البيانات التشريعية من الأئمة عليهم السلام هي في طول التشريعات النبوية أيضاً في المراتب اللاحقة و لا معنى لرفع اليد عن مدارج التشريع النازلة تحت ذريعة أنّها أحكام تدبيرية متغيّرة غير ثابتة، فإنّ البناء على ذلك بنحو العموم بدعوى اقتضاء الأصول التشريعية الفوقية لذلك، لازمه التخلّي عن التسليم بولاية الرسول و الأئمة عليهم السلام و عدم التبعية لهم و بالتالي القفز على ذلك و تخطّيه هو مروق و الانفساخ عن ولايتهم و التأسّي بهم و الطاعة و الانقياد لهم؛ فمقتضى ولايتهم و طاعتهم و التسليم لهم في طول ولاية اللَّه و أحكامه هو اقتضاء ذلك البناء على ثبات التشريعات النبوية و الأحكام المبنيّة من قبلهم عليهم السلام إلّا ما نصّ عليه الدليل الخاص كما في جملتها من الموارد الدالّة على أن حكمهم هو من التدبير الخاص بذلك المورد.
ثالثاً- إنّ مقتضى هذا التقريب هو بيان الأصول القانونية للتشريع و ذلك لا يقتضي ثبوت صلاحية التشريع للفقيه على مصراعيه، بل اللازم حينئذٍ مراعاة قواعد أصول القانون و ضوابطه و هي تشتمل على موازين عديدة قد طفح و برز تنقيحها في التحقيقات الأخيرة في علم أصول الفقه.
جعل الشروط الإلزامية
و استدلّ بإمكان تعاقد الدولة و النظام مع أفراد الأمّة و المؤسّسات الخاصّة بانشاء عقود و عهود مشروطة تلزمهم بالمصلحة الّتي تشخّص و ذلك بازاء ما تقوم به الدولة من توفير خدمات و امكانات مادية لهم؛ فعبْر نظام العقود و الشروط تتمكّن الدولة من إقامة الأنظمة المختلفة المقترحة المتوفّرة على المصلحة المدركة، سواء النظام الاقتصادي أو نظام العمل أو نظام التجارة و نظام الأحوال الشخصية و الأسرة و نظام البلدية و العمران و نظام الزراعة و غيرها من الأنظمة الأخرى. فتتوصّل عبر نظام العقد و الشروط إلى الوصول إلى عملية التغيير المطلوبة في أنظمة النظام الاجتماعي السياسي في الموارد التي تضطر الأمّة و الشعب في سدّ حاجتها إلى خدمات وظائف الدولة. فالعقد و الشروط صياغة قانونية لتنفيذ السياسات العامّة للإلزام أو للحظر في الموارد المختلفة و للرخصة و للمنع.
و يرد عليه:
أوّلًا- إنّ الشروط إنّما تشرع إذا لم يستلزم منهما تغيير الأحكام الأوليّة لا سيما إذا فرضت تغيير ماهيّة الأنظمة الّتي قرّرتها الشريعة و الّتي هي مجموعة أحكام أساسية أصليّة.
ثانياً- إنّه قد تقرّر أنّ ما هو واجب لا يصح اتخاذ الأجرة عليه و العوض لا سيّما الوالي لاعتبار الشارع ذلك الوجوب كون المكلّف مقهوراً عليه فلا يكون متوقفاً على طيب نفسه و لا تكون له حرمة و يكون أكلًا للمال بالباطل و لعلّ وجهه في الوالي و غيره أنّ تلك الأفعال لم يجعلها الشارع مصدراً و منبعاً للمال.
نعم، قد ورد في أراضي الأنفال أنّه للإمام- عجل اللَّه فرجه- أن يأخذ العوض عليها.[1]
و قد يفهم من ذلك جواز أخذه عليه السلام على مطلق ما كان فيئاً و نفلًا لا سيّما أنّه قد علّل في الرواية جواز أخذه ذلك بأنّ الأرض كلّها لهم، أي تحت ولايتهم.[2]
و لكن ذلك لا يعني أخذ الشروط و التعاقد بهما بنحو يخالف الكتاب أو السنة أو يحرّم حلالًا أو يحلّل حراماً كما مرّ في الملاحظة الأولى مضافاً إلى ما مرّ ذكره من الملاحظات الكثيرة على الوجوه المزعومة لمشروعيّة المصلحة.
[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، أبواب احياء الموات، باب 3، ح 2، صحيحة أبي خالد كابلي.
[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، باب 1، ح 1، 3، 10 و 12. و أبواب الأنفال، باب 4، ح 12 و 13 و أبواب كتاب الجهاد.
دور الزمان و المكان في الاجتهاد
و استدلّ بأنّ الزمان و المكان لهما تأثير ملحوظ في الأحكام الشرعية و استنباطها و اجتهاد الفقهاء ممّا ينبّه على أنّ الجانب المتغيّر في البيئة المحيطة للبشر لها واضح التأثير في تحديد الأحكام المنطبقة عليها أو المتعلّقة بها؛ فكما أنّ في الشريعة جانب ثبات هناك جانب تغيّر أيضاً.
و لذلك قيل بأنّ كلّ ما له تأثير في حفظ النظام الإسلامي، أي إنّ عدم مراعاته يوجب اختلاله و التفريط به يوجب الفساد أو الحرج فاللازم مراعاته ما دام ذلك الموضوع بهذا الوصف.
و فيه:
إنّه إن أريد انطباق كليات العناوين الأولية على المصاديق هو بنحو متغيّر فهذا متّجه و لكن لا صلة له بتصوير المصلحة المزعومة وراء الأحكام الأولية.
و بعبارة أخرى: إنّ نظام الموضوع و درجات وجوداته و مصاديقه يتصوّر فيه عدم الثبات في المراتب التحتانية فقد يكون مصداقاً جزئياً ينطبق عليه عنواناً موضوعياً ما ثمّ يؤول الأمر إلى انتفاء ذلك العنوان و انطباق عنوان آخر عليه و هذا ما يعبّر عنه بالطروء الثانوي في الجانب الموضوعي و هو يغاير حالة الأحكام الثانوية فإنّ الثانوية، فيها هي بلحاظ الحكم و قد مضى أنّ اللازم على الوالي مراعاة
عدم وقوع التدافع بين الأحكام لا التشبث المستمر بتكييف الأحكام على البيئات الموضوعية، بل تكييف الموضوعات على نهج الأحكام و إلّا لعاد الحكم الثانوي أولياً.