الحكم الولائي
و يستدلّ أيضاً على مشرعية المصلحة بأنّ حكم الحاكم هو بنفسه من الأحكام الأولية في قبال بقية الأحكام و لا ضرورة لانطباقه على الأحكام الأولية الأخرى، فعند ما يرى الحاكمُ المصلحةَ في موردٍ ما و يُلزِم الآخرين بمراعاتها هو بنفسه حكم أوليّ؛ فالمصلحة لو خلّيت و نفسها لا توجب تشريع الحكم و لكن بطرو عنوان حكم الحاكم و أمره بها أصبحت مُلزمة و ممّا يدلّل على أنّ حكم الحاكم من الأحكام الأولية قوله تعالى:
«لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ»[1]
و هي تشير إلى أنّ الغاية من التشريع هي إقامة الحكم.
كما يستدلّ بذلك بقوله تعالى:
«أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»[2]
بتقريب أنّ طاعة الأحكام التشريعية تندرج في طاعة اللَّه و عند ما يأمر
[1]الحديد/ 25.
[2]النساء/ 59.
الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أو ولاة الأمر بحكم من أحكام اللَّه تعالى فالطاعة في الحقيقة للَّه تعالى لا للرسول و لا لأولي الأمر، بل لو فرض أنّه صلّى أو صام و قصده إطاعة الرسول أو الإمام لبطلت صلاته و فسد صومه؛ فلا محالة تكون طاعة الرسول و طاعة أولي الأمر هي من جهة الولاية.
و يشير إلى ذلك أيضاً تكرار كلمة«أَطِيعُوا»ممّا يشير إلى اختلاف سنخ الطاعة. مضافاً إلى أنّ الأمر يستعمل في ما هو في الشأن العامّ ممّا يقتضي أنّ الطاعة لوليّ الأمر إنّما هي في الحكم و التدبير في الأمور العامّة.
و في ردّ الخوارج (لا حكم إلّا للَّه) قال عليه السلام:
لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن و يستمتع فيها الكافر و يبلغ اللَّه فيها الأجل و يجمع به الفيء و يقاتل به العدو و تأمن به السبل.[1]
يشير عليه السلام إلى حكم العقل الضروري بإقامة النظم و التدبير في الاجتماع السياسي البشري فهذا الحكم ممّا يقضي به العقل بديهةً.
و فيه:
إنّ هذا خلط بين ضرورة الحكومة و إقامة النظام و بين تفاصيل و جزئيات التدبير و تصرّفات الحاكم. فإنّ ضرورة الحكومة و فعلَ النظم و التنسيق في التدبير و الأمور لا يعني ضرورة آحاد و جزئيات كلّ تدبير، بل إنّ مقتضى ذلك هو ضرورة التدبير في الجملة ممّا يحفظ النظم و اتّساق الأمور و هو لا يتوقّف على مخالفة الأحكام الأولية، بل الأحكام الأولية المفروض إنّها تشريع سماوي يُقيم النظم لا أنّه يشيع الفوضى؛ غاية الأمر قد يقع التزاحم بين موضوعات التشريعات الأولية أو الورود و نحو ذلك فكيف يتصوّر أن تكون هناك مصلحة مُدرَكة لم يعلمها الشارع الأقدس و يُدركها البشر بعد فرض عدم كون الأمر الذي تعلّق بذلك الفعل
[1]نهج البلاغة، الخطبة 40.
منحدراً و منشعباً عن أصول تشريعية أولية و أن الفرض كونه في عرضها.
هذا أوّلًا.
و أمّا ثانياً- فلأنّ ماهيّة الحكومة في علم القانون و العلوم السياسية و الإدارية و العلوم الإنسانية ليست إلّا تدبيراً لتطبيق الأحكام و القوانين الكليّة؛ فمثلًا في الحكومة الوضعية، الحكومة التنفيذية تُجري و تُنَفّذ و تطبّق القوانين و المواد الدستورية أو القوانين للمجالس النيابية و هي تَنَزُّل و تطبيق للمواد القانونية الدستورية و لا معنى للقول بأنّ تدبير الحكومة في عرض المواد الدستورية، بل العرضية تَعني عدم تقيّد الحكومة التنفيذية بالدستور، بل لازم عدم تقيّد الحكومات بالقوانين و هو حكومة شرع الغاب أو استبداد الهوى و إلّا فاللازم تحكيم الأحكام المقرّرة المشرَّعة من دون تجاوز حدود التشريعات.
و ثالثاً- إنّ طاعة الرسول لا تنفكّ عن طاعة اللَّه، كما أنّ طاعة اللَّه تعالى لا تنفكّ عن طاعة الرسول.
و بعبارة أخرى: إنّ كلّ فعل طاعة يصدق عليه طاعة اللَّه، فإنّه يصدق عليه طاعة الرسول أيضاً و كذلك العكس.
و الوجه في ذلك: أنّ المبلّغ عن اللَّه في أحكامه هو الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في ما بلّغه و كذلك طاعة الرسول في ما يأمر به و ينهى عنه هو طاعة للَّه تعالى، حيث أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كما في الآية المتقدّمة و كما في قوله تعالى:«ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»[1]
نعم هناك من التشريعات القرآنية و نحوها ما يطلق عليه تشريعات اللَّه تعالى و أحكامه، كما أنّ هناك سنن النبي صلى الله عليه و آله و سلم و تشريعاته التي هي منشعبة و منحدرة عن أصول تشريع اللَّه تعالى كما في الصلاة؛ فإنّ الركعتين الأوليتين من الفرائض
[1]الحشر/ 7.
اليومية هي من فرائض اللَّه تعالى و أمّا الركعتين الأخيريتين فيها، فإنّها من تشريع النبي صلى الله عليه و آله و سلم كما رَوى ذلك الفريقان.
فمن الغريب دعوى بطلان الصلاة إذا أتى بها طاعةً للنبي صلى الله عليه و آله و سلم فإنّ الذي أمر بالركعتين الأخريين هو النبي صلى الله عليه و آله و سلم كما أنّ في جملة من تشريعات العبادات كالإمساك عن بعض الأمور في الصوم و تحديد مواقيت الإحرام و غيرها من أجزاء و شروط العبادات هي من تشريعات النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الإتيان بها طاعة للَّه تعالى كما هي طاعة للنبي صلى الله عليه و آله و سلم و مآل طاعة النبي هي إطاعة اللَّه تعالى و كأنّ تلك الدعوى قد افترض فيها أنّ طاعة الرسول في عرض طاعة اللَّه لا في طول طاعة اللَّه تعالى و من ثمّ توهّم فيها الانفكاك.
و بذلك يظهر أنّ طاعة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لا تنحصر بحكومته السياسية، بل كذلك في تشريعاته و بقية شئون مقاماته و أنّ الوجه في تكرار كلمة«أَطِيعُوا»و تعدّد الطاعة في السنخ هو بلحاظ أنّ التشريعات على نمطين و من ثمّ اسندت الطاعة للرسول صلى الله عليه و آله و سلم لمقام رسالته لا لخصوص ولايته للأمر، بل الحال في أولي الأمر كذلك أيضاً بناء على ما هو الصحيح من صلاحيّتهم في التشريع في طول تشريعات اللَّه و رسوله، أي التابعة لأصول تشريعية إلهية و نبوية لا في عرض تشريعات اللَّه و رسوله، كما ورد في وضع أمير المؤمنين عليه السلام الزكاة على الخيل و في كثير من أحكام الحدود و الديات و أحكام البغاة و غيرها ممّا يجده المتتبع.
فطاعة أولي الأمر ليست منحصرة في الشأن العام و تدبير الحكم و السبب في هذا الوهم و الخبط هو تفسير الأمر بالشأن العام، مع أنّ لفظ الأمر قد ورد في رواياتهم عليهم السلام تفسيره بنحو بيّن بمعنى «روح القدس» و «الروح الأمري الابداعي» كما في قوله تعالى:
«تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ»[1]
و قوله تعالى:
«إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[2]
و قوله:
«وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ»[3]
رابعاً- إنّ طاعة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و الأئمة عليهم السلام كما مرّ ليست منافية لطاعة اللَّه في العبادات فحسب، بل هي لا بدّ منها في صحّة و قبول العبادات؛ فإنّ عبادة إبليس الرجيم لم تقبل و لم تصحّ و كانت هباءً منثوراً لأنّه أبَى الخضوع لآدم خليفة اللَّه، فلم يعبد اللَّه من الباب الذي أمره به، فرُدَّتْ عليه عبادته، بل كانت عبادته عبادة لأنانية النفس.
خامساً- إنّ تصوير المصلحة في حكم الوالي النائب بنحوٍ تكون في قبال و عرض المصالح لأحكام الأولية يستلزم فرض نقص التشريع الإلهي عن استيفاء كافّة المصالح و المفاسد.
و إن كانت في طولها بنحو يكون منشعبة عنها و تنزّلًا لها في الموارد فهذا لا يعقل في غير المعصوم إلّا بنحو التطبيق و التنفيذ فهو ليس مصلحة وراء المصالح الأولية.
و بعبارة أخرى: ليس الوالي غير المعصوم مُزَوَّدٌ بعلم يتميز به عن غيره بنحو يُدرك ما لا يُدركه غيرُه.
و على ضوء هذا فلا مجال لتوهّم التمسّك بإطلاقات أدلّة النيابة لعموم نفوذ
[1]القدر/ 4.
[2]يس/ 82.
[3]الشورى/ 52.
ولاية النائب في غير ما كان تدبيره رعايةً للمصالح للأحكام الأولية.
قيل: «أنّ ولاية ولي الأمر (المراد من وليّ الأمر في هذه العبارة هو الفقيه) تشمل موارد القطع بخطئه، لأنّ الولاية ليست حكماً ظاهرياً كي تقيّد بعدم العلم بالخطإ و انّما هي حكم واقعي و عندئذٍ يصبح المقياس للمولّى عليه هو رأي الولي حتّى لو اعتقد المولّى عليه بأنّ الولي قد أخطأ في تقديره للمصالح و المفاسد و غير هذا ليس بولاية، بل امارة و حكم ظاهري. و إن شئتم قلتم: إنّ الخطأ في الحكم لا معنى له لأنّ حكم الحاكم واقعه هو هذا الحكم و ليس كاشفاً عن حكم الشريعة لأنّ المفروض هو أنّ الشريعة لم تأتِ بحكم في مورد حكم الحاكم و لو أتت الشريعة بحكم في هكذا مورد لما احتجنا حكمه، فحكمه يعني أنّ الشريعة قد فوّضت الأمر إليه.
فإن كانت الشريعة قد فوّضت أمر الحكم إليه، فحقيقة الأمر و واقع الحكم الذي يريده اللَّه هو نفس حكم هذا الحاكم و إن أخطأ في تقديراته و حينئذٍ لا معنى لافتراض الخطأ في حكم ولي الأمر و عليه يجب اتّباعه؛ و من هنا يتبيّن أنّ نفوذ حكم الحاكم لا يختصّ بمن لا يعلم خطأه، بل يشمل كلّ واحد؛ نعم إذا افترضنا أنّ أخطاء الحاكم قد كثرت إلى الحد الذي أسقطه عن الكفاءة فحينئذٍ سيخرج هذا الحاكم عن كونه ولياً لفقدان الكفاءة».[1]
و يرد عليه:
أولًا- إنّ هذا القائل قد افترض و قرّر أنّ الشريعة الإسلامية لا تعمّ كلّ الوقائع و الحوادث التي يبتلي بها الإنسان و أنّ أصول التشريع في الدين غير شاملة لكلّ موارد الحياة و المعاش و هذا يناقض قوله تعالى:«وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ»[2]
[1]السيد كاظم الحائري، المرجعية و القيادة، ص 162- 163.
[2]النحل/ 89.
و قوله تعالى:«ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ»[1]
و قوله تعالى:«وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»[2]
و قوله تعالى:«وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ»[3]
و قوله تعالى:«كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ»[4]
و قوله تعالى:«وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»[5]
و قوله تعالى:«لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ»[6]
و قوله تعالى:«ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»[7]
و قوله تعالى:«إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»*[8]
و قوله تعالى:«الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ»[9]
ثانياً- إنّ هذا التقرير لولاية الفقيه و أنّها فوق النقد و أنّ الولي فوق أن يناقش
[1]الأنعام/ 38.
[2]الأعراف/ 52.
[3]يونس/ 61.
[4]هود/ 1.
[5]النحل/ 64.
[6]سبأ/ 3.
[7]يوسف/ 111.
[8]الأنعام/ 57* يوسف/ 40 و 67.
[9]الكهف/ 44.
لا يتم إلّا مع فرض أن صلاحيته في عرض صلاحيّة اللَّه و رسوله و المعصومين، مع أنّ صلاحيّة الرسول و المعصومين ليست في عرض صلاحيّة اللَّه بل في طوله كما أنّ صلاحيّة الأئمة المعصومين ليست في عرض صلاحيّة الرسول، بل في طولها و تابعة لها. فهل يكون صلاحيّة الفقيه في عرض صلاحيّة المعصوم أو في طولها؟ فإن كانت في طول هذه المراتب فلا بدّ من تحكيم حكم اللَّه و رسوله و الأئمة المعصومين عليهم السلام عليه و الاحتكام إلى تلك التشريعات لأنّها فوقه إلّا أن يفرض أنّها في عرضها و هذا ممّا لا يمكن التفوّه به أو يفرض عصمة الفقيه في تبعيّته إلى أحكام اللَّه و أحكام رسوله و الأئمة المعصومين عليهم السلام فلا يمكن فرض خطائه في التبعية و هذا ما لم يدّعِ أحد أيضاً فلا محالة يكون مسلك التخطئة هو المحكّم لا التصويب.
و من ثمّ عرّف عن مسلك الإمامية بلحاظ المجتهد و الفقيه بأنّه مسلك التخطئة لا مسلك التصويب الذي هو مسلك العامّة العمياء المتبنّي على نقص الشريعة و على عدم وجود امام معصوم من عترة النبي صلى الله عليه و آله و سلم هو المبيّن لأحكام الكتاب التي أشكلته على الناس الوصول إليها و عجزت قدرتهم عن الاهتداء إلى مظانّها كما قال تعالى:«وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»[1]
و قال تعالى:«بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»[2]
و الضمير فيه عائد إلى القرآن.
و قد وردت الروايات المتواترة «ما من شيء إلّا و فيه كتاب أو سنّة».[3]
ثالثاً- قوله: «إنّ الشريعة قد فوّضتْ أمر الحكم إليه» إمّا يريد تفويض
[1]آل عمران/ 7.
[2]العنكبوت/ 49.
[3]الكلينى، الكافي، ج 1، كتاب فضل العلم، ب 20، ص 59.