مفتاحهنّ و الوالي هو الدليل عليهنّ.[1]
فجعلت الولاية- بمعنى الحكومة- مفتاحاً، أي علّة لإقامة تلك الأركان من الدين و الوالي و الحاكم هو المقيم لهنّ.
و من ذلك يتبيّن أنّ الحكم و الحكومة و التدبير الحكومي هو من الواجبات الأولية الركنية في الدين و لا يعدلها بقية الأركان فهي حكم أولي بنفسها و على درجة من الأهمية مقدمة على الأحكام الأولية الأخرى.
و فيه:
أولًا- إنّ التدبير و النظم إنّما يتحقّق و يرسو بتطبيق القوانين و الحدود لا بتضييعها، فالحكومة و التدبير ليس إلّا إجراءً و تنفيذاً للأحكام و التشريعات الكلّية و هو غاية الحكم و الحكومة، فكيف يُفَرَّط بالغاية في سبيل المقدّمة؟ و لا يكون ذلك إلّا نقضاً للغرض«كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً»[2]
ثانياً إنّ التدبير و الحكومة إذا كان بنفسه ميزاناً و واقعية، فهذا يقضي إمّا بصحّة و كمال كلّ أنواع الحكومات البشرية بأنّ الفرض أنّ كلّها تحكم و تملك القدرة! و إمّا باستصواب بعضها و الحكم بفساد الأخرى و لا يكون ذلك إلّا بفرض موازين واقعية حاكمة على النهج الحكومي و فِعلِ السلطة، فإذا روعيت تلك الموازين أصبحت الحكومة صائبة و إلّا تكون إفساداً في الأرض.
و أمّا ما في كلامه عليه السلام من بيان ضرورة الحكومة بالعلل الغائية التي بيّنها عليه السلام و التي هي ضرورات أولية في النظام الاجتماعي، فهذا يُعَزِّز أنّ الحكومة و الحكم وسيلة لتحقيق غايات أخرى في النظام الاجتماعي و أنّ بعض تلك الغايات ضرورية في أصل حياة المجتمع البشري لا يمكن بقاؤه إلّا بها، فمن ثمّ تكون
[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الطهارة، أبواب مقدمات العبادات، ب 1، ح 2.
[2]النحل/ 92.
أصل الحكومة- بمختلف درجاتها و أنماطها من الصالحة و الفاسدة- ضرورية لأنّ جملتها تُلَبّي جملة من الضرورات ذات الأهمية بالدرجة القصوى لأصل حياة المجتمع الإنساني و النسل البشري.
و من ثمّ عَقَّب عليه السلام ببيان جهة الاختلاف بين أنماط الحكومات، فإنّها و إن اشتركت في تحقيق و تلبية ايجاد بعض الضرورات القصوى لمجتمع البشري و هي الجانب لمصالح مدنية إلّا أنّها تختلف في جملة أخرى من النتائج؛ حيث إنّ في الحكومة الصالحة تتحقّق فيها النتائج الصالحة الأخرى كالعدالة و الهداية و السداد بينما في الحكومات الفاسدة تُضَيَّع فيها تلك الغايات إلى نقائضها و أبدالها، فمن ذلك يتبيّن أنّ صلاح و فساد الحكومة بلحاظ إقامة الحدود و الموازين العادلة.
نعم قد يحصل التزاحم و المدافعة بين الضرورات الأولية في النظام الاجتماعي و غايات الحكومة و بين الضرورات الكمالية اللاحقة المطلوبة في التشريع الإلهي لتأمين السعادتين الدنيوية و الأخروية للبشر و هنا ليس من دوران الأمر بين تلك الغايات الدينية التشريعية من الحدود الإلهية و الحكومة بما هي هي كما قد يصوّر، بل إنّما هو دوران بين الضرورات المعيشية المدنية و الغايات التشريعية و هذا التدافع ليس بطبيعة الأشياء الأولية، بل هو طارئ بسبب سوء التدبير في النظام السياسي الاجتماعي المدني و بسبب الأعراف و العادات الفاسدة المنتشرة في الظواهر الاجتماعية. فمع اصلاح التدبير و اصلاح الأعراف و العادات بتوسط سلسلة من العوامل و المناشئ يعود الوئام و التناسب بين ضرورات المعاش المدني و بين غايات التشريع، بل إنّ طبيعة الاجتماع البشري الأولية تقتضي بفطرتها المسير نحو تلك الغايات إذا أريد لها الكمال و التكامل.
ثالثاً- إنّ المراد من الولاية في الأحاديث المستفيضة التي بنى عليها الإسلام ليس خصوص الحكومة السياسية الرسمية المعلنة من قِبل المعصوم فضلًا عن
الحكومة السياسية الرسمية من قِبل غيره، بل ليس المراد يقتصر على أشكال الحكومة الأخرى كحكومة و دولة الظلّ- و هو ما يعبّر عنه بتيّار المعارضة- و لا الحكومة الخفية- و المعبّر عنها بالحكومة الأمنية المخابراتية- و الحكومة المذهبية- و المعبّر عنها بالطوائف و التيارات الأديان الاعتقادية و الثقافية- و غيرها من أشكال القدرة و السلطة و الحكومة في المجتمعات البشرية المعلنة و غير المعلنة، بل لا يقتصر على الهداية الملكوتية للأرواح لإيصالها إلى المنازل و الكمالات المعنوية، بل هي تشمل كلّ ذلك و بالذات يراد منها مقام الاعتقاد و المعرفة بإمامتهم و من ثمّ عَظُمَتْ الولاية على بقية أركان الدين، بل في بعض الروايات ذكر أنّ المراد منها ولاية اللَّه و رسوله و الأئمة عليهم السلام ممّا يعني إرادة التسليم للتوحيد و المعاد و النبوة و الإمامة و انعكاس ذلك التسليم و التولّي على بقية مقامات الأفعال الإنسانية و الشئون البشرية و من ثمّ تقدّمت الولاية على الصلاة مع أنّ الغالب فيها البُعد الروحي الفردي لا يتّصل بعلاقات الأفراد في نظام التعايش الاجتماعي بالذات و إن كان تنعكس آثار الصلاة بالتبع لاحقاً عليه لكنها بالدرجة الأولى مرتبطة بعروج الروح للمؤمن و القرب الإلهي و مع ذلك فإنّ هذا السلوك الروحي الفردي لا يقدّر له أن يتحقّق و ينجز إلّا بباب الولاية للَّه و رسوله و الأئمة عليهم السلام و كذلك الحال في الصوم و الجانب المهمّ من الحج أيضاً.
و من ثمّ ورد في الروايات المستفيضة أنّ الولاية في كلّ النشئات من عالم الذرّ و الميثاق و الأشباح و الأظلّة و الآخرة و البرزخ. و كانت الولاية حتماً على عهدة الإنسان و إن كان وحيداً فريداً لا يعيش في ظلّ اجتماع بشري، فإنّ صلاته و صومه و حجّه و بقية أعماله لا يتم لها الصحّة و القبول إلّا بالولاية.
إنّ القائلين بحصر ولاية الأئمة المعصومين في التشريع في دائرة الحكومة و القوانين التنفيذية و الإجرائية غفلوا عن أقسام الحكومة، فإنّ الحكومة و قدرة تدبير المجتمعات البشرية و سياسة العباد لا تنحصر في الحكومة السياسية العلنية
المؤقتة، بل تعمّ الإشكال و الإنماط الأخرى من الحكومة كالحكومة الخفية و كذلك دولة الظلّ و كذلك قدرة النفوذ في التيارات الاجتماعية و الثقافيّة فضلًا عن قدرة بناء الحضارات التمدنية، فإنّ هذه نمط من الحكومة على المجتمعات لا تحدّ بسنين قصيرة، بل تتطاول قروناً مديدة قد تبلغ محاذاة طول عمر البشر.
و هذا النمط بخصوصه من الحكومة الذي يؤسّسه الأنبياء و الرسل و الأوصياء تكون قوانين المشرَّعة فيهما بمنزلة القوانين التشريعية الثابتة الّتي لا تتغيّر و بالتالي فصلاحيّة التشريع لديهم تندرج في إطار الأحكام التشريعية الثابتة و هذا وجه اختلاف ولاية و حكومة المعصومين عن الحكومة و صلاحيّة الفقهاء حيث أنّ قدرة غير المعصوم من ناحية العلم و المعلومات و الإحاطة بالبيئات المختلفة و قدرة التدبير لا تصل إلى علم و احاطة و تدبير المعصوم، فإنّ احاطة المعصوم ثاقبة للأدوار الزمانية المتباعدة المتطاولة و من ثمّ امتنع تماثل صلاحيّة غير المعصوم لصلاحيّة و ولاية المعصوم.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
5 دور الأمّة في السلطة السياسية
إنّ مشاركة عامّة الناس في الحكم في نظرية الإمامية تتصوّر عبر عدّة قنوات:
الأولى: رقابة الدولة
و هذه الرقابة تتّخذ أشكالًا و صيغاً في كلّ زمن بحسبه و هي تنشعب بدورها أيضاً إلى شعب:
منها: إقامة الحكومة الصالحة و الحاكم صاحب الحقّ و الصلاحيّة.
و منها: الإطاحة بالحكومة الفاسدة و الحاكم الفاقد للشرائط.
و منها: مراقبة كافة أجهزة الدولة القضائية و التنفيذية و كذا الولاة رؤساء المحافظات و الوزراء و غيرهم.
و هذه الوظيفة الملقاة على عاتق الأمّة تعمّ حتى حكومة المعصوم عليه السلام لأنّ حكومته تتشكّل من أعضاء غير معصومين فتكون الرقابة لجهازه معونة له عليه السلام و نصيحة من الرعية للحاكم؛ هذا فضلًا عن حكومة نوّاب المعصوم سواء في عصر الحضور كالولاة في الأطراف أم في عصر الغيبة كنيابة الفقهاء العامّة.
كما أنّ المراد من إقامتهم للحكومة الصالحة ليس اعطاؤهم الصلاحيّة و توليتهم الحاكم، بل المراد إعانتهم لصاحب الولاية و المشروعية في الحكم
و تمكينه ببذل القدرة التكوينية له و بهذا المعنى يستعمل التعبير بالتولية في كثير من النصوص القرآنية و الروائية و القانونية لا بالمعنى الأول.
و الدليل على مجمل هذه الصلاحيّة في المشاركة في الحكم و تقرير المصير في النظام الاجتماعي قوله تعالى:
«الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»[1]
و كذا قوله تعالى:
«لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ»[2]
و ذيل الآية نص في كون إقامتهم للقسط بمناصرة صاحب المشروعية في الحكم.
و مثله قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ»[3]
و قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى»[4]
و لا يخفى أنّ هذه المشاركة و إن لم تكن تقرّر ولاية الحكم للأمّة بأن تكون مشروعية الحكم مستمدّة من الأمّة إلّا أنّ هذه المشاركة و الإعانة لصاحب
[1]التوبة/ 71.
[2]الحديد/ 25.
[3]النساء/ 135.
[4]المائدة/ 8.
المشروعية و تدخّلها في مصير النظام الاجتماعي هو نحو ولاية من نمط آخر.
الثانية من قنوات المشاركة: الجبر الاجتماعي
و هو نحو سلطة للقيم الاجتماعية تتحكّم في سلوك الأفراد كما تتحكّم في الظواهر الاجتماعية الأخرى التي تكون من قبيل السلوك الجماعي أيّاً كانت تلك القيم و أيّاً كان منشؤها و ارتباط باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بهذه السلطة وثيق جدّاً و قد ورد عنهم عليهم السلام:
لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر أو ليسلطنّ اللَّه عليكم شراركم.
و هذه تشير إلى حقيقة الارتباط بين سلطة الأمّة و نوعية سلطة الحاكم على النظام الاجتماعي و أنّه وليد تلك السلطة في المجتمع.
و كذلك ورد عنهم عليهم السلام: كما تكونون يولّى عليكم.
فهاتان تشيران إلى حقيقة من حقائق علم الاجتماع و ظاهرة من ظواهر السلوك الجماعي و الاجتماعي من ارتباط و تولّد الرأس المدبّر في النظام السياسي الاجتماعي من سلطة النمط القيم السائدة المنتشرة في المجتمع، فان كانت حسنة و حقّة فيكون معلولها اتصاف الحاكم بالفضيلة و الحقانية إن كانت سيّئة و باطلة فيتولّد منها كون الحاكم متّصفاً بالطغيان و الشرّ و الفساد و إلى ذلك يشير قوله تعالى:«إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ»[1]أي حتّى يغيّروا ما بأنفسهم من قيم و مبادئ و آداب.
فهذه السلطة للقيم المتمثّلة بزاجرية جمعية و جماعية و آمرية مجموعة يكون لها بالغ قدرة في التحكّم على مصير النظام السياسي الاجتماعي و مقدّرات الأمّة و هذا أحد أسباب التقاطع و الصدام الحاصل بين أئمة أهل البيت عليهم السلام و السلطة الأموية و العباسية حيث كانوا عليهم السلام يقومون ببناء القيم و نشرها و تصحيح
[1]الرعد/ 11.