و تمكينه ببذل القدرة التكوينية له و بهذا المعنى يستعمل التعبير بالتولية في كثير من النصوص القرآنية و الروائية و القانونية لا بالمعنى الأول.
و الدليل على مجمل هذه الصلاحيّة في المشاركة في الحكم و تقرير المصير في النظام الاجتماعي قوله تعالى:
«الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»[1]
و كذا قوله تعالى:
«لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ»[2]
و ذيل الآية نص في كون إقامتهم للقسط بمناصرة صاحب المشروعية في الحكم.
و مثله قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ»[3]
و قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى»[4]
و لا يخفى أنّ هذه المشاركة و إن لم تكن تقرّر ولاية الحكم للأمّة بأن تكون مشروعية الحكم مستمدّة من الأمّة إلّا أنّ هذه المشاركة و الإعانة لصاحب
[1]التوبة/ 71.
[2]الحديد/ 25.
[3]النساء/ 135.
[4]المائدة/ 8.
المشروعية و تدخّلها في مصير النظام الاجتماعي هو نحو ولاية من نمط آخر.
الثانية من قنوات المشاركة: الجبر الاجتماعي
و هو نحو سلطة للقيم الاجتماعية تتحكّم في سلوك الأفراد كما تتحكّم في الظواهر الاجتماعية الأخرى التي تكون من قبيل السلوك الجماعي أيّاً كانت تلك القيم و أيّاً كان منشؤها و ارتباط باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بهذه السلطة وثيق جدّاً و قد ورد عنهم عليهم السلام:
لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر أو ليسلطنّ اللَّه عليكم شراركم.
و هذه تشير إلى حقيقة الارتباط بين سلطة الأمّة و نوعية سلطة الحاكم على النظام الاجتماعي و أنّه وليد تلك السلطة في المجتمع.
و كذلك ورد عنهم عليهم السلام: كما تكونون يولّى عليكم.
فهاتان تشيران إلى حقيقة من حقائق علم الاجتماع و ظاهرة من ظواهر السلوك الجماعي و الاجتماعي من ارتباط و تولّد الرأس المدبّر في النظام السياسي الاجتماعي من سلطة النمط القيم السائدة المنتشرة في المجتمع، فان كانت حسنة و حقّة فيكون معلولها اتصاف الحاكم بالفضيلة و الحقانية إن كانت سيّئة و باطلة فيتولّد منها كون الحاكم متّصفاً بالطغيان و الشرّ و الفساد و إلى ذلك يشير قوله تعالى:«إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ»[1]أي حتّى يغيّروا ما بأنفسهم من قيم و مبادئ و آداب.
فهذه السلطة للقيم المتمثّلة بزاجرية جمعية و جماعية و آمرية مجموعة يكون لها بالغ قدرة في التحكّم على مصير النظام السياسي الاجتماعي و مقدّرات الأمّة و هذا أحد أسباب التقاطع و الصدام الحاصل بين أئمة أهل البيت عليهم السلام و السلطة الأموية و العباسية حيث كانوا عليهم السلام يقومون ببناء القيم و نشرها و تصحيح
[1]الرعد/ 11.
موازينها في نفوس و أذهان الناس مما ينجم عنه الضغط على النظام السياسي و التسبيب في تغييره. و هذه السلطة الاجتماعية و القدرة في حين كونها خفية و غير محسوسة إلّا أنّها من أعظم القدرات الحاكمية و أكبر فرص مشاركة الأمّة في تقرير مصيرها.
و منه يعلم مدى الارتباط بين باب الأمر بالمعروف و مجمل أبواب الفقه السياسي و قد جعل بعض الفقهاء الباب المزبور يعمّ بقية أبواب الفقه السياسي من الجهاد و القضاء و الحدود و القصاص و غيرها لا سيما و أنّ الفقهاء يستندون إلى الأدلّة العامّة في باب الأمر بالمعروف في كثير من مسائل أبواب الفقه السياسي الدالّ على الارتباط الماهوي بينه و بينها. و هذا أحد وجوه مفاد قوله تعالى:
«الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»بل هو من عمدتها.
القناة الثالثة: نفوذ قول أهل الخبرة في مختلف الموضوعات العامّة و في مختلف مرافق الدولة
فإنّ حجّية قول أهل الخبرة و أصحاب التخصّص قاعدة متسالم عليها عند فقهاء أهل البيت عليهم السلام حيث أنّ القضايا الشرعية، سواء في باب الإفتاء و التشريع أم القضاء و فصل النزاع أم التنفيذ و الحكم السياسي تتشكّل من محورين أو ثلاثة:
محور الموضوع و هو قيود الحكم و محور المحمول و هو الحكم و محور متعلّق الحكم و هو الفعل.
و قد تقدّم في بحث ماهية السلطة و تعريف الحكم و الحكومة أنّ أحد مراحل الاستنباط من ناحية الموضوع علاوة على الرجوع إلى قول اللغويين يجب الرجوع إلى قول أهل الخبرة إلّا أنّ وظيفة اللغوي و مورد حجّية قوله هو الارتباط بين اللفظ و المعنى، أي تحديد رابطة اللفظ مع أيّ معنى من المعاني.
و أمّا وظيفة أهل الخبرة في الموضوعات المأخوذة في القضايا الشرعية
الكلّية و مورد حجّية قوله إنّما هو في تحليل ماهية معنى الموضوعات و في هذا المقام لا شأن للّغوي في ذلك و إنّما هو شأن أهل الاختصاص و الخبرة كلّ بحسب مجاله.
و كلّ باب فقهي يتضمّن موضوعاً ما أو أكثر و مجموع الأبواب الفقهية يشتمل على غالب الأشياء المحيطة بالإنسان و من ثمّ حكى عن المرحوم الميرزا أبي الحسن الشعراني صعوبة علم الفقه لاشتماله على موضوعات علوم عديدة.
و حجّيّة و نفوذ قول أهل الخبرة و إن بنى في علم الأصول على كونها أمارة محضة و حجّية كاشفٍ إلّا أنّه في التحليل القانوني يكون لصاحب الأمارة- بلحاظ حجيّة قوله، لا سيّما الحدسي- نحو نفوذ و قدرة و سلطة و من ثمّ كانت فتيا الفقيه نحو حاكمية تشريعية نظير السلطة التشريعية في الدول و كما يحكم الحاكم الشرعي بثبوت الهلال- مثلًا- و هذا لون و نمط من القدرة و السلطة تقدّمت الإشارة إليه في بحث أنواع الولايات ذيل ماهيّة السلطة.
فحجية أهل الخبرة ليس اعتبار الاستكشاف المحض، بل مطوي فيه معنى و نوعاً من القدرة و الولاية إلّا أنّ القدرة و الولاية ذات أنواع متخالفة كثيرة جداً؛ و بالتالي فَقَول أهل الخبرة في أيّ موقع من مواقع الدولة له نفوذ في تقرير ماهية الموضوع و تشخيص طبيعته.
و بالتالي يظهر لنا أنّ الحكم و الحكومة في المرافق المختلفة ذات بُعدين: بُعد من ناحية المحمول و هو الحكم و القانون و بُعد موضوعي بيد أصحاب التخصّص.
نعم التطبيق النهائي للقانون على الموضوع هي بعهدة الحاكم الشرعي بعد اعتبار صلاحيّة أهل التخصّص و الخبرة في الموضوع.
فالحاكم الشرعي من وظيفته و مسئوليّته تشريك أهل الخبرة و إسناد المواقع المختلفة في الدولة لهم بما يرتبط بالمجال التخصّصي لهم.
و هذا هو مفاد قاعدة الشورى في مذهب أهل البيت عليهم السلام فإنّ مفادها- كما هو
المعنى اللغوي- مداولة الآراء لاستخراج الصواب و الصائب منها و يقال:
الاستصواب، أي الفحص عن الصواب و الحقيقة و هو مفاد العقل الجمعي و العلم الجمعي؛ أيّ ما روي عنهم عليهم السلام:
أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله و أعلم الناس من جمع علوم الناس إلى علمه.
و ليس بمعنى حاكميّة الأكثرية- بل بمعنى الفحص و بناء الأمور على الرؤية العلمية و مسير الصواب و بناء القرارات على الجانب الخبروي و التخصّصي و هذا المعنى للشورى يتطابق مع شعار الحضارة في العصر الحديث- و هي حضارة المعلومات و عصر الاتصال و الانفتاح و الثورة المعلوماتية- و هذه النظرية في الشورى ناشئة من نظرية الحسن و القبح الذاتيين في جميع الأمور بحسب الواقع و نفس الأمر لا يتبدّل عما هو عليه سواء أحرزه الإدراك البشري أم لم يحرزه و إن كان قد أخطأه رأي الأكثرية و سيأتي الكلام فيه مفصلًا في بحث الشورى.
و الحاصل أنّ الحاكم ملزم بتبعية أقوال أهل الخبرة في البحث الموضوعي و إن كان على صعيد الشبهة الحكمية أو الشبهة الموضوعية في الموضوعات المستنبطة في مجال تحليل الماهية و كيفية التطبيق على الأفراد.
ثمّ إنّه لو وقع التعارض بين أهل الخبرة فالترجيح لجانب الكيف دون الكمّ و لو فقد فالترجيح للجانب الكمّي لا لحاكمية إرادة الأكثرية، بل لقوّة الاستكشاف في جانب الأكثرية. و هذا ينسجم مع تفسير الشورى بمعنى الخبروية و القناة العلمية لا بمعنى القدرة المجموعية.
نعم الشورى يمارسها الحاكم إذا كان معصوماً لأغراض عديدة أخرى غير استكشاف الواقع.
منها: أن يكون مأموراً بالعمل بالموازين الظاهرية كما في القضاء بالبيّنات.
و منها: أن يجذب القاعدة للمساهمة بشكل فاعل في وظائف الحكومة.
و منها: أن يربّي الجهاز الحاكم و مرافقة على بناء الأمور على النهج العلمي و الخبروي.
و منها: لتفهيم خطأ أو جهل الأكثرية بواقع الحال و حقائق الأمور فيداول الشور بينهم لتصطكّ الآراء و الحوار فيصحصح و يتجلّى الواقع المجهول لهم و بالتالي تزرع الثقة في ما بينه و بينهم على صعيد القرارات المتخذة.
القناة الرابعة: في موارد تفويض المعصوم احراز الواجد للصفات لمنصبٍ ما
و لهذا النمط أمثلة عديدة:
منها: تعيين المرجع المقلَّد و الواجد للصفات كما في قوله عليهم السلام:
فللعوام أن يقلّدوه.
و قوله عليه السلام- في مصحّح عمر بن حنظلة-:
فاجعلوه حاكماً.
و قوله- عجل اللَّه تعالى فرجه-:
فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا.
و في سيرته صلى الله عليه و آله و سلم بعض الموارد التي فوّض فيها تعيين الوالي في بعض المناطق لقبائل تلك المنطقة بمعنى إحرازهم و تعيينهم لأحد الواجدين للصفات المعينة و في هذا النمط من التفويض للناس و عامّة المجتمع ليست التولية بقولٍ مطلق و إنّما هي عملية الاستكشاف و الإحراز منهم للواجد للصفات و إلّا فالتولية حقيقةً من المعصوم.
و نظير ذلك قد يقوم به الفقيه النائب بالنيابة العامّة عن المعصوم في أن يفوّض للناس إحراز الواجد للصفات لرئاسة الجمهورية أو تعيين النواب لمجلس المشورة أو ناظر الوقف أو غير ذلك من موارد أخرى.
و هذا الإحراز قد يطلق عليه بالانتخاب و في المصطلح التقليد الفقهي يطلق عليه ببسط اليد و المقصود منه تمكين المقلِّدين و المنتخِبين للمرجع أو القاضي
أو الحاكم من بسط نفوذه. و من ثمّ ذهب جمع من الأصحاب إلى أنّ التصرّفات العامّة لا يقدم عليها الفقيه إلّا بعد بسط يده فيكون بسط اليد بمثابة الشرط الشرعي أي رجوع الناس إليه. و عبّر بعض الأعلام بأنّ ولاية الفقيه النيابية عن المعصوم تتّسع بقدر بسط اليد له.
نعم لا يخفى أنّ في جملة من الموارد إحراز بعض الصفات كالفقاهة لا بدَّ أن يرجع فيها عامّة الناس إلى أهل الخبرة. فيحرِزُوا لهم توفّر الصفة المعيّنة و هذا النمط من الترابط قد يتّخذ إشكالًا مختلفة بحسب أساليب كلّ عصر بأن ينتخب الناس مجلس أهل الحلّ و العقد أو مجلس أهل الخبرة و هم بدورهم ينتخبون و يحرزون الواجدين للصفات بأن يفوّض العامّة لذلك المجلس الانتخاب أو يُدْلونَ بشهادات على توفّر الصفات في عدّة من المرشّحين فيقوم الناس بالانتخاب كما هو النمط الجاري التقليدي في انتخاب و تعيين المرجع الديني.
القناة الخامسة: و هي الإعلام
بكلّ وسائله و تطوّره.
و قد اصطلح على تسميته بالسلطة الرابعة و في الحقيقة أنّ القوى و القدرة لا تكمن في الإعلام من حيث هو هو، بل من جهة آراء الناس و ضغط الرأي العام على الأنظمة و الحكومات و على الجهات السياسية الأخرى فهو يرجع إلى الرقابة الاجتماعية على كافّة الجهات و تلك الرقابة تشكّل عنصراً ضاغطاً إلّا أنّه حيث كانت آلية الإعلام مؤثّرة بقوّة و بسرعة جدّاً في صنع الآراء و موقف المجتمع فمن ثمّ عبّر عن هذه الآلة بأنّها قدرة و سلطة رابعة.
مبدأ المشروعية حقيقة انتخاب الأمة للحاكم و نظام الحكم
إنّ هناك جدلية قائمة بين الديموقراطية و الاستبداد و بين الحرية العامّة للمجتمعات البشرية و كَبْتِها، حيث يظنّ أنّ من لوازم الحرية كون صلاحيّة الحاكم و الهيئة الحاكمة منبثقة من خيار الشعب و انتخابه، كما أنّه يظن في الطرف المقابل أنّه من لوازم كون مبدإ المشروعية هو الشرع أو العقل أو القانون هو سلب الأمّة دورها و إرادتها و صيرورة نهج الحكم و نظامه فردياً استبدادياً.
فكأنّ هناك فرضية مسبقة في المدارس السياسية و القانونية من التنافى بين حضور الأمّة في كلّ ميادين تقرير مصيرها و بنحو التواجد الدائم على طوال الخط في مسيرة النظام السياسي في تكوينه و القيام بالرقابة عليه في أداء مسئولياته، و بين كون مبدِإ و منبع الصلاحيّة من الشرع أو العقل و أنّه معيّن سَلَفاً بنحو الخصوص أو بنحو إطار المواصفات الكلّية، سواء على مستوى رأس الهرم في نظام الحكم أو درجات المتوسطة لأجنحة الحكم و مواقع الإدارة.
مع أنّ هذا التنافى لم يتوهم في أصل معرفة النبوة و الرسالة و لا معرفة الإمامة، حيث قد وقع التسالم لا سيّما بين الإمامية على أنّ اللازم على البشرية النظر و الفحص و التثبّت من وجود المعجزة العلمية أو العملية لدى مدّعي الرسالة و النبوة، و هذا ممّا يعنى أنّ مقام النبوة و الرسالة و هو من أكبر المقامات لا بدّ فيه