بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 32

المهدي- عجل اللَّه تعالى فرجه- ليس متصدّياً بالفعل لإدارة و تدبير الحكم السياسي، و أنّ الغيبة بمعنى الإقصاء و الذهاب و زوال الحضور عن الساحة؛ فهو- عجل اللَّه تعالى فرجه- ليس بحاضر حالياً في الميدان و ليس متصرّفاً في الأمور. بل في بعض التعبيرات إنّ الإمامة السياسية لا تكون فعلية إلّا بالبيعة و التصدّي العلني الرسمي؛ و ما في بعضها الآخر أيضاً من أنّ الشورى قاعدة للحكم عند عدم النص و في الغيبة، حيث انه- عجل اللَّه تعالى فرجه- لم يتصدَّ فهو بمنزلة انعدام موضوع النص، و غيرها من التعبيرات التي لا تتسق و لا تنسجم مع مفهوم الإمامة الإلهية التي يؤصّلها القرآن و السنّة كعقيدة أساسية في حصول الإيمان، فإنّ الآيات و الروايات المتواترة كلّها على أنّ الأرض لا تخلو من حجّة و إلّا لفسدت و ساخت، لأنّ اللَّه جعل بنحو دائم في الأرض خليفة، كما هو مفاد الآية الشريفة:

«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»[1]

فغاية هذه السنّة الإلهية الدائمة هى الممانعة عن وقوع الفساد، أي عن إطباقه على الأرض و لكي لا يستأصل النسل البشري، و الآية تقضي بأنّ من أبرز خواص الخليفة في الجعل الإلهي هو قيامه بتدبير النظام البشري و إصلاحه بنحو يتفادى عن وقوع المحذور الذي اعترضت به الملائكة، فكيف يفرض ارتفاع و انعدام ذلك الخليفة؟ و هل عدم العلم بهويّة الخضر عليه السلام دليل نافٍ لوجوده و دوره الفاعل الذي أشارت إليه سورة الكهف، و هل الإمامة الفعلية لإبراهيم و إسحاق و يعقوب عليهم السلام التي عهدها الباري تعالى لهم و حكى شيئاً عنها ما سطّره التاريخ الذي لا يتناول في غالب ما يؤرّخه إلّا ما يطفح على السطح و ما يتّخذ شكلًا معلناً، كما هو دأبه في العصر الراهن حيث لا يقيّد القلم إلّا ما هو ظاهر مكشوف لا ما هو

[1]البقرة/ 30.


صفحه 33

خفي مستور، لكن مع ذلك شهد للنبي إبراهيم عليه السلام أيادي عظيمة على البشرية حيث طهّر عقل و روح الإنسانية عن الوثنية و عبادة الكواكب و بقية ملل الشرك إلى نور التوحيد و الملّة الحنيفية، و هل ذلك يتمّ بنحو عفوي و بعمل فردي أم هو بإدارة و تدبير منظومة تدير دفّة النظام البشري، فإنّنا نشاهد أنّ التغيير الثقافي و لا سيما الاعتقادي لا يمكن بسهولة، فكيف تسنّى ذلك للنبي إبراهيم عليه السلام من دون نظام نافذ في المجتمعات البشرية و لو بنحو خفي متستر.

و كذلك الحال في ما يقصّه لنا القرآن المجيد في سورة الكهف من نشاط الخضر عليه السلام عند لقاء النبي موسى عليه السلام معه و كانت أفعاله في الصميم تأثيراً على منعطفات المسار البشري، و كلّها ضمن برنامج إلهي معهود بتفاصيله، يقوم بدوره ضمن مجموعات بشرية معهود إليها ذلك كما ذكره تعالى:«فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً»[1]فقال:«مِنْ عِبادِنا»الذي يشعر بأنّه في منظومة العبّاد.

و كذلك منظومة الآيات و السور الواردة حول ليلة القدر و ما يتنزل من إحصائيات و استبيانات عن مستقبل كلّ شيء«فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ»[2]«من كل أمر»[3]و هذا التقدير و التحديد الذي لا يتخلّف عنه مستقبل الأشياء تتنزّل هذه المعلومات الخطيرة على من اصطفاه اللَّه من العباد لإدارة نظام البشر«يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ»[4]

و هذا البرنامج يتجدّد في كلّ عام، بل ظاهر بعض الآيات و صريح جملة من الروايات أنّ من فصوله تجدّده كلّ أسبوع، بل كلّ يوم. و هذه الحقيقة إذا تقرّرت،

[1]الكهف/ 65.

[2]الدخان/ 5.

[3]القدر/ 4.

[4]النحل/ 2.


صفحه 34

كما سيجدها القارئ في الكتاب، سوف يسلّط الضوء على كيفية ارتباط هذه الواقعية مع انشعاب جميع الصلاحيّات في الأبواب القانونية و الفقهية في مذهب أهل البيت عليهم السلام من مركز الصلاحيّة و الولاية و هو المعصوم عليهم السلام و أنّ كلّ كيان و نظام و فصل من فصول و نظامات النظام الاجتماعي السياسي لأتباع أهل البيت يستمدّ من ولاية المهدي- عجل اللَّه تعالى فرجه- الفعلية الراهنة سواء على صعيد النظرية أم على صعيد التطبيق و التنفيذ و الإجراء.

و من الأساس التشريعي الثابت هو المشاركة و هو المعروف بقاعدة الشورى لا بالمعنى الذي انتهج في السقيفة و مذاهب السنة، بل بالمعنى المتبنّى من مذهب الإمامية؛ فإنّ مؤدّاها تحكيم الحقيقة و الوصول إليها عبر الطريق المدلَّل عليه المبرهَن و هو الذي يحكَّم على الآراء، سواء كانت أكثرية أم أقلّية.

فقاعدة الشورى في مذهب الإمامية، هي حاكميّة العلم و الفحص عنه على الآراء و الميول و الأهواء و حاكميّةُ العقل كذلك و هو عين مفاد الحديث الشريف و هي «أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله» و هو شعار آخر الحضارات التي توصّل إليها البشرية و النمط التمدّني الذي انتهت إليه و هو حضارة المعلومات و العِلم الجمعي و العقل الجمعي لا الأهواء و الميول الجمعية و النزعات الهيجانية النفسية الجمعية، بل المدار على العلم و العقل المتوزّع في المجموع.

و هذا المفاد لقاعدة الشورى في مذهب الإمامية يطابق قاعدة أخرى لديهم و هي الحسن و القبح العقليان الذاتيان للأشياء، حيث أنّ مؤدّى هذه القاعدة الثانية هو أنّ الحُسن للواقعيات أو القبح لا يتأثّر بالآراء و ليس هما أمران تصادق عليهما الأكثرية و لا يتولّدان من تباني الأكثرية عليهما، بل هما ينبعان من حاقّ الواقع؛ فالنظام المالي العادل حَسَن و إن صَوَّبَتْ الأكثرية بما يخالفه و كذلك في مثل النظام النقدي و القضائي و الحقوقي، فعدالة الأشياء لا ترتهن برأي و لا بادراك الأكثرية و لا الأقلّية، بل بحسب الواقع الخارجي للحقائق. و يتمّ تحقيق هذا الأصل عبر


صفحه 35

اتخاذ هياكل و قنوات و آليّات متناسبة مع كلّ عصر و مكان و بلاد.

و حجية قولهم في الموضوعات من المسلّمات الفقهية في جميع الأبواب إلّا ما خصّه الدليل كموارد العقوبات الجنائية (الحدود) و غيرها و هذه الحجّية في الحقيقة و إن كانت طابعها علمياً و طريقياً و احرازياً إلّا أنّه سيأتي أنّ حجيّة الإحراز و الإثبات، لها طابع القدرة و السلطة و النفوذ. و علي أيّ حال فلا بدّ للحاكم بالنيابة عن المعصوم أن يستعين في سلسلة مراتب و فقرات نظام الحكم بأهل الخبرة من كلّ مجالٍ؛ و قد أشار عليه السلام إليه في عهده إلى مالك الأشتر.

المحور الثانى و هذا يتألّف و يشاهد في عدّة أبعاد:

أوّلها: عملية انتخاب الحاكم

و هذه العملية ليس في حقيقتها توكيل من الأمّة للحاكم و لا تولية منهم إليه، بل صلاحيّة الحاكم منشعبة من ولاية و صلاحيّة الإمام عليه السلام. إلّا أنّه قد فوّض إليهم إحراز و تعيين الواجد لتلك الشرائط.

فحقيقة الانتخاب ترجع إلى الكاشفية و الإحراز و إعطاء حجية الكاشفية و إن لم يكن إعطاء ولاية الأمّة و سلطة و ملكية القدرة إلّا أنّ حجية الكاشفية و تشخيص المصداق، حيث أنّها لازمة الاتّباع و الانقياد لها، فهذا لونٌ من ألوان الولاية و السلطة و إن كان بنحو شفّاف ضعيف.

و هذا الدور تقوم به الأمّة ابتداءً و يظلّ مستمراً للزوم إحراز بقاء الصفات و هذه النظرية من الانتخاب تَبَنّاها المذهب العقلي في القوانين الوضعية البشريّة حيث أنّ أتباع المذهب العقلي يقرّرون أنّ أخذ الشرائط في الحاكم و أيّ مدير ذو صلاحيّة في النظام السياسي و غيره في أيّ درجة و سطح- هو بحكم العقل


صفحه 36

سواء الفطري أم التجريبي- و بالتالي فهي حاكميّة للعقل علي إرادات آحاد الأمة.[1]

حجّية قول أهل الخبرة في الموضوعات

و على ضوء المدرسة العقلية الوضعية تكون حقيقة انتخاب الأمّة هي كشف المصداق و المورد الواجد لتلك الشرائط التي يُخَوّل العقل الصلاحيّة للحاكم، فالصلاحيّة عندهم منْبَعها بالذات هو الحكم العقلي.

و إذا تقرّر هذا في رأس الهرم، فيتقرّر في ما دونه من مراتب إدارة الحكم من المُدَراء، فللأُمّة بحسب الآليّات العصرية متابعة واجديّة الولاة و المُدَراء لشرائط الكفاءة ابتداءً و بقاءً.

البُعد الثاني: حجّية قول أهل الخبرة في الموضوعات

و هذا سارٍ في طبقات المراتب المختلفة في النظام السياسي و غيره و بالتالي مشاركة من النخبة في مسيرة نظام الحكم؛ بل إنّ الفقيه و المجتهد لا يَنْفذُ حكمه إلّا بضميمة قول أهل الخبرة في كلّ موضوع لكلّ مجال و مورد. و هذا نحو من المشاركة في القرار و الحكم.

و حجّية أهل الخبرة من المسلّمات الفقهية و هذا المعنى هو أحد مؤدّيات مفاد نظرية الشورى عند مذهب الإمامية؛ حيث إنّ الصحيح من معناها هو مداولة الآراء و الوصول إلى الحقيقة و الصواب لا أنّ مؤدّاها سلطة الأكثرية و سطوتهم على الأقلّية.

البُعد الثالث: مراقبة الامّة

لكلّ نظام الحكم من رأسه إلى طبقاته المتوسطة إلى فروعات قاعدته و شُعَبها و نجد جذر هذا التشريع متأصّلًا في النهج الديني بدءاً في اولى خطواته، فإنّ الاعتقاد بالنبوة و الإمامة و المتابعة و الانقياد لهما عليهما السلام مشروط بإحراز الأمّة عبر المعجزة و الدليل العلمي اتصافهما بهذين العنوانين فضلًا عن بقية المراحل النهج الديني.

[1]ذكره الدكتور السنهوري في مقدمة الوسيط و مصادر الحق.


صفحه 37

و من نماذج و أنحاء مراقبة الأمّة و ممّا يشير إلى هذه الصلاحية للأمّة ما قرّر في مباحث المعارف الدينية من حجّية العقل و لو بنحو محدود مقيّد باليقينيات؛ فإنّ ذلك يُعطي مؤدّى نحو مشاركة للأمّة بما لهم من عقل في النظام الديني على صعيد التنظير و التطبيق.

و من نماذج مشاركة الامّة محاسبتها و متابعتها لمسيرة الحكم و يشير إلى ذلك أيضاً قوله تعالى:

«وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»[1]

و في هذه الآية إشارة إلى عموم ولاية الناس لا في إعطاء الحاكم الولاية، فإنّ ولاية الحاكم بمقتضى الآيات العديدة للَّه و لرسوله و لأولي الأمر من ذي القربى، بل ولايتهم في المراقبة و المحاسبة و النظارة على مسير الحكم و هو ما قد يعبّر عنه بالنصيحة.

و في الآية إشارة إلى نموذج آخر من مشاركتهم و هو دركهم لما هو المعروف و لما هو منكر و سعيهم لإقامة الأول و إزالة الثاني؛ فإنّ الأمّة و إن كانت محكومة بالحاكم إلّا أنّ المحكوم بدوره و نوبته هو الطرف الآخر في فعل الحكم الذي لا بدّ من فرض فعله، كي تتمّ عملية فعل الحكم؛ فبذلك اللحاظ و الحيثيّة يكون على الأمّة مسئولية مراقبة المعروف و عدم حصول المنكر في كل المجالات و الحقول بحسب ما تتمكّن منه من جهة المعرفة الصحيحة و من جهة الأداء.

و يشير إلى هذا الدور، العديد من الآيات الأخرى التي تتضمّن توجه الخطاب إلى الامة في موارد الأفعال التي يقوم بها نظام الحكم؛ فإنّ النكتة في عموم الخطاب- و الذي يفيد عموم المسئولية للجميع- لا يعني اتحاد سنخ المسئولية في القيام بمؤدّى الخطاب، بل لأنّ الامّة و إن كانت محكومة بالحاكم

[1]التوبة/ 71.


صفحه 38

المشروع إلّا أنّها تشارك الحاكم في فعل الحكم من حيث أنّها منفعلة بفعله و مؤازِر له على القيام به، فتتفاعل معه في ذلك الفعل من تلك الحيثية. فهذا هو سرّ توجيه الخطاب بنحو العموم.

و لا ريب أنّ شكل و أدوات و آليّات المراقبة هي خاضعة لعقل التجريبي و الخبروات التي يتبادلها المجتمعات البشرية في ما بين بعضها مع بعض. و استخدام الآليّات المناسبة العصريّة هو الجانب المتغيّر في مقام الأداء لما هو الثابت الديني.

و هذا نموذج ثالث لمشاركة الناس- في هذا البُعد- ألا و هو اتّخاذ الآليّات من تجارب العقلاء و الأمم، سواء على صعيد الحكم أو صعيد آليّات المراقبة و النظارة؛ ما دامت الثوابت الدينية قابلة للانحفاظ في شكل تلك الآليّات.

و هناك نماذج عديدة أخرى تتولّد من ولاية نظارة الأمّة على نظام الحكم و لا تنحصر في نماذج معيّنة و إنّما ما مرّ كان من باب بيان و التمثيل لأبرزها.

البُعد الرابع: و هو البُعد الإعلامي

و ينطوي فيه الجانب الثقافي على صعيد كلّ ميادين الثقافة و الوعي العلمي؛ و قد عُدَّ في الآونة الأخيرة آليّة مهمّة للتأثير على مجريات الأمور، سواء التأثير على الرأي العام أو على النظام السياسي و الحكومة و من ثمّ عُدّ الإعلام سلطة رابعة تُوازي سلطة السلطات الثلاث؛ بل قد تذهب بعض النظرات الحديثة الآكاديميّة إلى أنّ الإعلام يفوق القدرات الأخرى في القوة و التأثير و إحاطة الناس و الأمم بحقائق مجريات الأمور و وقوفهم على تفاصيل الحوادث بدقّة هو الكفيل بتحمّلهم المسئوليّة و التكاليف الملقاة على عاتقهم و تمسّكهم بطريق الصواب و حفظهم عن طريق الغيّ و الضلال.

و في الحقيقة هذا الدور للإعلام ليس وليد هذا العصر المتأخّر و إن تبيّن ذلك بوضوح في هذا العصر بسبب قدرة جهاز الإعلام و التُرسان الضخمة لآليّاته إلّا أنّ دوره و تأثيره هو من اليوم الأول في النشأة البشريّة نظراً لكون الإنسان موجوداً


صفحه 39

درّاكاً يُصدر أفعاله عن الرأي الذي يتكوّن له و الذي هو وليد المعلومات التي يستقيها سواء الكلّية أو ما يتعلّق بالموضوعات التي تحيط به.

و من ثمّ أكّد القرآن الكريم على المشورة و استقاء الرأي على ما هو الصحيح في نظرية الشورى، كما هو عليه مذهب الإمامية، لا بمعنى حاكمية و قدرة الأكثرية، كما أشير إلى خطورة الاعلام في قوله تعالى:

«وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا»[1]

و هذه الآية تشير إلى مَدى خطورة الإذاعة للمعلومات و الأخبار و مدى أهمية تسييس الخبر و أنّ الإعلام و الإذاعة للمعلومات كيف يوجب اضطراب الأمور أو اعتدالها و استقرارها و أنّ هذه القدرة للإعلام لا بدّ أن يتحكّم فيها الحاكم الشرعي و هو الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و أولو الأمر عليهم السلام مِن بعده الذين أُمِر بطاعتهم ممّا يدلّ على أنّ هذا الإعلام قوّة و سلطة من سلطات التحكم في النظام الاجتماعي السياسي، مع أنّ القرآن الكريم قد بيّن في سورة أخرى أنّ الإعلام حقّ عامّ لجميع المؤمنين و قال:«وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ»[2]

حيث إنّ الشور و التشاور هو تبادل الآراء و الاطلاع على آراء الآخرين كعلم جمعي و عقل جمعي، لا من حيث أنّ الأكثرية أو المجموع و الجمع لهم نافذية القدرة، بل من حيث توسعة أفق الاطلاع و الوصول إلى الرأي الجزل و رأي الخبير الفطن و إن كان أقليّة و رأي النخبة و لا تنافي بين هذين المفادين؛ لأنّ الآية الأولى تشير إلى إدارة و تدبير جهاز و عالَم المعلومات و الآية الثانية تشير إلى مورد مصرف المعلومات و أنّها من حق عموم المؤمنين على الوالي تزويدهم و تغذيتهم

[1]النساء/ 83.

[2]الشورى/ 38.