للولاية في الأصعدة المختلفة.
و ممّا يعزّز ما تقدّم قوله تعالى:«فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما»فإنّ اللَّه تعالى ندب إلى التشاور بين الزوجين في رضاعة الطفل مع أنّ ولاية الرضاعة ذات الأجرة بيد الزوج فقط، و إن كانت الحضانة في غير ذلك من حق الزوجة.
و كذا قوله تعالى:
«فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ»[1]
ففيه ندبة من اللَّه للرسول صلى الله عليه و آله و سلم إلى مشورة المسلمين في سياق الرأفة و الرحمة بهم و اللين معهم و العفو عنهم و الاستغفار لهم، لا لتحكيم ولايتهم عليه صلى الله عليه و آله و سلم (و العياذ باللَّه) إذ ذيل الآية صرّح بأنّ العزم على الفعل مخصوص به صلى الله عليه و آله و سلم.
بل إنّ الأمر بالتوكّل فيه إشعار بنفوذ عزمه و حكمه صلى الله عليه و آله و سلم و إن خالف آراءهم، و لذلك ذكر أكثر المفسرين وجوها في أمره بالمشاورة.
أحدها: إنّ ذلك لتطييب أنفسهم و التآلف لهم و الرفع من قدرهم.
الثاني: أن يقتدى به في المشاورة، كي لا تعد نقيصة في المستشير.
الثالث: لامتحان الأصحاب بالمشاورة ليتميّز الناصح من الغاشّ، كتشاوره صلى الله عليه و آله و سلم قبل واقعة بدر- الكبرى و الصغرى- و غيرها من الوقائع.
الرابع: لتشجيعهم و تحفيزهم على الأدوار المختلفة و التسابق إلى الخيرات و الأعمال الخطيرة المهمة، و تنضيج عقول المسلمين و تنميتها، و لكي يتعرفوا على
[1]آل عمران/ 159.
حكمة قرارات الرسول و أفعاله صلى الله عليه و آله و سلم.
و من الغفلة الاستدلال بمورد نزول الآية في غزوة أحد على كون الشورى ملزمة له صلى الله عليه و آله و سلم، بدعوى أنّ رأيه صلى الله عليه و آله و سلم كان هو اللبث في المدينة و عدم الخروج، و رأي بقية أصحابه على الخروج و مع ذلك تابع رأي الأكثرية و خرج إلى جبل أحد.
وجه الغفلة أنّ الخروج من المدينة كما ذكره عدّة من المحققين كان رأيه صلى الله عليه و آله و سلم كما في رواية علي بن إبراهيم في تفسيره:
فلما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم ذلك جمع أصحابه و أخبرهم أنّ اللَّه قد أخبره أنّ قريشاً قد تجمعت تريد المدينة و حثّ أصحابه على الجهاد و الخروج.
بخلاف رأي الأكابر من المهاجرين و الأنصار حيث لم يكن عزمهم على القتال و المواجهة.
كما صرّح بذلك الواقدي في كتاب المغازي[1]:
و كان ذلك رأى الأكابر من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم من المهاجرين و الأنصار.
و هو الذي تشير إليه الآيات في سورة آل عمران حيث تحثّ على الخروج و تذمّ القعود و توبّخ ذلك، أمّا الهزيمة التي مني بها المسلمون فلتخلفهم عن طاعة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في ترك الرماة مكانهم، لكن حيث أنّ حزب السقيفة المتسلط لم يرقه ذلك، قام بجعل الأحاديث في أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم كان يميل إلى اللبث في المدينة.
و ممّا يستأنس لكون معنى الشورى بمعنى المشورة و الاستشارة لا تحكيم
[1]ج 1/ 210.
السلطة الجماعية أنّ الآية مكية و لم يكن ثمة كيان سياسي للمسلمين، بل إنّ ظاهر الآية ترغيب المؤمنين حين نزولها في الاتصاف بتلك الصفات، فكيف يلتئم مفاد السلطة الجماعية مع ولاية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم المطلقة، و لذلك ترى أن كثيراً من مفسري العامّة فسّروا الآية بمعنى الاستشارة و استخراج الرأي لا تحكيم السلطة الجماعية.
و لنعم ما قاله بعض الأجلة «قده»: إنّ الآية لو كان مفادها تحكيم سلطة الأمّة في إدارة نفسها بتأويل الشورى إلى معنى الانتخاب لا معنى الاستشارة، لكان على الرسول صلى الله عليه و آله و سلم تثقيف الأمّة و إعدادها بشكل وافر و بالغ على هذا النظام من الحكم.
لا سيما و إنّ الأمّة كانت تعيش نظام الحكم القبلي، و أنّ نظام الشورى (الانتخاب) فيه عدّة مبهمات غائمة للترديد في كون المدار على أكثرية عامّة الأمّة أو أكثرية أهل الخبرة، و أنّ الترجيح للكيف أو للكمّ، و أيّ مقدار من نسبة الأكثرية هو المعيّن، و ما هي مواصفات المرشح إلى غير ذلك من التساؤلات، الذي يحتاج في أصل بلورته إلى تقنينات عديدة مبسوطة، فهو باب متكثر الفصول، هذا بعد كون البشرية- الغرب و الشرق- لم تعهد هذا النظام إلّا في القرنين الأخيرين من عصرنا هذا.
و لو بيّن الرسول هذا الباب الواسع لوصل إلينا ذلك، لا سيما و أنّ الدواعي متوفّرة لنقله بشدة، إذ هو اتجاه أهل السلطة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في مقابل اتجاه أهل النص، أ لا ترى أنّ أحاديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم في فضائل عليّ عليه السلام و تنصيصاته بنصبه زعيماً قد رواها الغفير من الصحابة مع توفّر الدواعي الكثيرة لإخفائها، فكيف لا تَرِد الأحاديث منه صلى الله عليه و آله و سلم حول نظام الشورى و إعداده الأمّة لكي تتهيأ من بعده على ذلك النظام.
بل إنّ ممارسات مدرسة أهل السقيفة كانت بعيدة كلّ البعد عن نظام الشورى، إذ استدلالهم في إبعاد الأنصار عن الإمارة كان بمنطق الوراثة و القربى
للرسول صلى الله عليه و آله و سلم، و تعيين الأول للثاني كان بمنطق أنّ له الحق في التعيين على الأمّة، و كذلك حصر الثاني المرشحين من بعده بذلك المنطق أيضاً.
و لو كانت الآية في ذلك الصدد و أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قنّن نظام الشورى (الانتخاب) من بعده لكانت الآية و الأحاديث على فرض صدورها في ذلك محل استدلال في مساجلاتهم التي جرت بينهم و بين مدرسة النص.
و من الغريب الاستدلال بكلمات أمير المؤمنين عليه السلام في الشورى- في نهج البلاغة و غيره- على كون البيعة هي مصدر تعيين الخليفة و الحاكم على الأمّة، بدعوى ظهور كلامه عليه السلام في إقرار ذلك.
وجه الغرابة إنّه عليه السلام ذكر ذلك جدلًا بالتي هي أحسن و حجّة على الخصم المقرّ بذلك، و ممّا يفصح بذلك قوله عليه السلام في رواية سليم بن قيس في جواب كتاب معاوية حيث طلب من أمير المؤمنين عليه السلام قتلة عثمان ليقتلهم، و ذلك لمّا قرأ عليه السلام كتاب معاوية و بلغه أبو الدرداء و أبو هريرة رسالته و مقالته، قال عليه السلام لأبي الدرداء:
قد بلغتماني ما أرسلكما به معاوية فاسمعا مني ثمّ أبلغاه عني و قولا له إنّ عثمان بن عفان لا يعدو أن يكون أحد رجلين، إمّا إمام هدى، حرام الدم، واجب النصرة، لا تحلّ معصيته و لا يسع الأمّة خذلانه، أو إمام ضلالة، حلال الدم، لا تحلّ ولايته و لا نصرته، فلا يخلو من إحدى خصلتين.
و الواجب في حكم اللَّه و حكم الإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل ضالّاً كان أو مهتدياً مظلوماً كان أو ظالماً حلال الدم أو حرام أن لا يعملوا عملًا و لا يحدثوا حدثاً و لا يقدموا يداً و لا رجلًا و لا يبدءوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء و السنّة.
قال: هذا أول ما ينبغي أن يفعلوه أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم إن كانت الخيرة لهم و يتابعوه و يطيعوه، و إن كانت الخيرة إلى اللَّه عزّ و جلّ و إلى رسوله، فإنّ اللَّه قد كفاهم النظر في ذلك و الاختيار و رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم قد رضي لهم
إماماً و أمرهم بطاعته و اتباعه.
قال: و قد بايعني الناس بعد قتل عثمان و بايعني المهاجرون و الأنصار بعد ما تشاوروا فيه ثلاثة أيام و هم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان و عقدوا إمامتهم ولي ذلك أهل بدر و السابقة من المهاجرين و الأنصار غير أنّهم بايعوهم قبلي على غير مشورة من العامّة و أنّ بيعتي كانت بمشورة من العامّة.
قال عليه السلام: فإن كان اللَّه (جلّ اسمه) جعل الاختيار إلى الأمّة و هم الذين يختارون و يمضون لأنفسهم و اختيارهم لأنفسهم و نظرهم لها خير لهم من اختيار اللَّه و رسوله لهم، و كان من اختاروه و بايعوه بيعته بيعة هدى و كان إمام واجباً على الناس طاعته و نصرته فقد تشاوروا في و اختاروني باجماع منهم،
و إن كان اللَّه عزّ و جلّ الذي يختار و له الخيرة فقد اختارني للأمة و استخلفني عليهم و أمرهم بطاعتي و نصرتي في كتابه المنزل و سنة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم فذلك أقوى لحجّتي و أوجب لحقّي.
فإنّه عليه السلام يشير إلى قوله تعالى:«وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ»[1]فليس الاختيار من جذوره إلّا للَّه عزّ و جلّ، مضافاً إلى مناشداته العديدة بالنص، و قوله عليه السلام في نهج البلاغة:
فطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ... فيا للَّه و للشورى ...[2]
فلو كان عليه السلام يقرّ الشورى فلِمَ يخيّر نفسه بين أن يصول صولة الحق عليهم، و لِمَ يندد بالشورى.
[1]القصص/ 68.
[2]راجع: الخطبة الشقشقية في نهج البلاغة خطبة رقم 3، و قد رواها الشيخ الصدوق في معاني الأخبار ص 360 بسندين عن عكرمة عن ابن عبّاس.
و كذا في احتجاجات المعصومين عليهم السلام من عدم تمكّن البشرية من تحقيق الانتخاب الصائب للقيادة، و التاريخ ببابك، و من هذه الاحتجاجات قول الرضا عليه السلام:
إنّ الإمامة أجل قدراً و أعظم شأناً و أعلى مكاناً و أمنع جانباً و أبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم.
و من عجيب الغفلات محاولة الجمع بين أدلّة التعيين و النصب- ككثير من الآيات القرآنية الدالّة على أنّ الإمامة عهد و جعل إلهي و أنّ المنصوب هو علي عليه السلام و ذرّيته- و بين ما يزعم من مفاد آية الشورى و دلالتها على أن السلطة للأمّة، بأنّ مورد الأدلّة الأولى هو مع وجود المعصوم عليه السلام و تقلّده للزعامة الاجتماعية السياسية، و مورد الثانية هو مع عدم وجوده عليه السلام كما في زمن الغيبة.
وجه الغفلة: إنّه إن جعل المدار لسلطة الأمّة و الشورى عدم تقلّد المعصوم الزعامة بالفعل، فذلك يعني شرعية سلطة الأمّة في الفترة الزمنية التي كان فيها علي عليه السلام مبعداً عن السلطة، و كذلك في فترة ما بعد صلح الحسن عليه السلام إلى عصر الغيبة، حيث إنّهم عليهم السلام لم يكونوا متقلّدين بالفعل زمام أمور الحكم، و هذا مناقض لمبدإ النص.
و إن جعل المدار على وجودهم عليهم السلام و إن لم يتقلّدوا زمام الأمور و الحكم بالفعل، فوجودهم لا تخلو منه الأرض
اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحججه، إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لكي لا تبطل حجج اللَّه و بيّناته.[1]
و لا فرق بين حضور الإمام و غيبته بعد كون عدم تقلّده زمام الأمور بالفعل
[1]رواه الصدوق في الاكمال بأسانيد مستفيضة عن كميل عن علي عليه السلام، و أسانيد أخرى في الخصال و الأمالي، و الحديث موجود في النهج البلاغة و تحف العقول و كتاب الغارات، بل هذا المضمون روي في أحاديث متواترة في أكثر كتبنا الروائية.
غير مؤثّر في كونه إماماً بالفعل- بما للإمامة من عهد معهود الهى ذات شئون عظيمة بالغة- كما في الحديث النبوي المروي عند الفريقين «الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا» فقعودهما عليهما السلام بسبب جور الأمّة لا يفقدهما الجعل الإلهي و الخلافة الإلهية على الأمّة.
و هل من الإمكان إبداء الاحتمال أنّه- عجل اللَّه تعالى فرجه- في غيبته يفقد هذا المنصب و الجعل الإلهي، إذ هذا لا ينسجم مع مبدأ النص و التعيين، و من هنا كان تمسّك الفقهاء في نيابتهم في عصر الغيبة الكبرى بنصبه لهم نواباً في قوله المروي مسنداً في غيبة الشيخ الطوسي «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللَّه» فقوله عليه السلام: «فانهم حجتي عليكم» استنابة منه عليه السلام للفقهاء.
و هل يتعقّل أن يكون للَّه حجّتان بالأصل في عرض واحد بالفعل، بأن يكون الحجّة في غيبته حجّة بالأصل، و منتخب الأمّة حجّة أخرى بالأصل و لكن بالانتخاب لا بالنيابة عنه، و من هنا كان دأب فقهاء الإمامية على ضوء مبدأ النص و التعيين أنّ صلاحيّات الفقيه مستمدّة منه- عجّل اللَّه فرجه الشريف- في الغيبة لا أنّها للفقيه بالأصالة مع خلعه عليه السلام عن ذلك المنصب.
هذا و لا يغفل عن أنّ سبب عدم تقلّده- عجّل اللَّه فرجه الشريف- زمام الأمور و الحكم و عدم الظهور هو المذكور في قوله عليه السلام:
لو كنتم على اجتماع من أمركم لعجل لكم الفرج.
و لذلك قال السيد المرتضى و الخواجة و غيرهما أنّ سبب غيبته منا.
نعم إذا أمكن أن تخلو الأرض من الحجّة المعصوم، و أن يترك اللَّه البشر و حالهم مع قوانين دينه على أوراق و تكون يد اللَّه مغلولة- و العياذ باللَّه تعالى- أمكن حينئذٍ ذلك الاحتمال و الجمع المزعوم بين الأدلّة.
و من الطريف أنّ الدعوى المزبورة تذعن في طيّاتها بشروط في المرشّح
بالانتخاب من الفقاهة و الكفاءة و الأمانة و العدالة و الضبط و سلامة الحواس إلى غير ذلك من الشروط التي لا تتوفر بنحو الإطلاق و السعة و بنحو الثبات الذي لا تزلزل فيه إلّا في المعصوم عليه السلام، و كأنّ ذلك أوْباً إلى النص مرّة أخرى، إذ الاشتراط في جذوره تعيين.
نعم نصبه- عجّل اللَّه فرجه الشريف- للفقهاء كنوّاب بالنيابة العامّة قد استفيد منه من قوله: «فارجعوا» الإيكال للأمّة في اختيار أحد مصاديق النائب العامّ الجامع للشرائط و لا يعني ذلك أنّ النصب بالأصالة من الأمّة بالذات، بل منه- عجّل اللَّه فرجه الشريف- بالأصالة و من الأمّة بتبع إيكال و تولية المعصوم لها، كما هو الحال في القضاء و الإفتاء عند التساوي في الأوصاف.
و لا يتوهّم أنّ تولية الأمّة ذلك يلزمه إمكان توليتها السلطة على نفسها بالأصالة من اللَّه تعالى في اختيار خليفة اللَّه في أرضه، إذ بين المقامين فيصل فاصل و فاروق فارق، حيث إنّه لا بدّ من العصمة في قمّة الهرم الإداري للمجتمع دون بقية درجات ذلك الهرم، إذ بصلاح القمّة يصلح مجموع الهيكل.
كما لا يتوهّم أنّه حيث لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر تدار به رحى إدارة النظام الاجتماعي البشري و هذا اللابدّية و الضرورة العقلية التي نبّه عليها علي عليه السلام في النهج تقتضي تنصيب الأمير على الناس بمقتضى تلك الضرورة بالذات بالأصالة من دون حديث النيابة عن المعصوم.
وجه اندفاع التوهّم: إنّ الضرورة العقلية تقتضى الزعيم، أمّا شرائط كونه أمير برّ لا فاجر هو كون إمارته من تشريع اللَّه تعالى و إذنه إذ الولاية للَّه تعالى الحقّ، و الإمارة تجري على يد الفرد البشري المخول منه تعالى في ذلك.
و لذلك ترى أنّ عدة من الفقهاء- قدس اللَّه أسرارهم- استدلّوا بتلك الضرورة في الكشف عن إذنه و تنصيبه للفقهاء باعتبار أنّهم القدر المتيقن، أو غير ذلك من التقريبات المذكورة في كلماتهم.