و كذا في احتجاجات المعصومين عليهم السلام من عدم تمكّن البشرية من تحقيق الانتخاب الصائب للقيادة، و التاريخ ببابك، و من هذه الاحتجاجات قول الرضا عليه السلام:
إنّ الإمامة أجل قدراً و أعظم شأناً و أعلى مكاناً و أمنع جانباً و أبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم.
و من عجيب الغفلات محاولة الجمع بين أدلّة التعيين و النصب- ككثير من الآيات القرآنية الدالّة على أنّ الإمامة عهد و جعل إلهي و أنّ المنصوب هو علي عليه السلام و ذرّيته- و بين ما يزعم من مفاد آية الشورى و دلالتها على أن السلطة للأمّة، بأنّ مورد الأدلّة الأولى هو مع وجود المعصوم عليه السلام و تقلّده للزعامة الاجتماعية السياسية، و مورد الثانية هو مع عدم وجوده عليه السلام كما في زمن الغيبة.
وجه الغفلة: إنّه إن جعل المدار لسلطة الأمّة و الشورى عدم تقلّد المعصوم الزعامة بالفعل، فذلك يعني شرعية سلطة الأمّة في الفترة الزمنية التي كان فيها علي عليه السلام مبعداً عن السلطة، و كذلك في فترة ما بعد صلح الحسن عليه السلام إلى عصر الغيبة، حيث إنّهم عليهم السلام لم يكونوا متقلّدين بالفعل زمام أمور الحكم، و هذا مناقض لمبدإ النص.
و إن جعل المدار على وجودهم عليهم السلام و إن لم يتقلّدوا زمام الأمور و الحكم بالفعل، فوجودهم لا تخلو منه الأرض
اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحججه، إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لكي لا تبطل حجج اللَّه و بيّناته.[1]
و لا فرق بين حضور الإمام و غيبته بعد كون عدم تقلّده زمام الأمور بالفعل
[1]رواه الصدوق في الاكمال بأسانيد مستفيضة عن كميل عن علي عليه السلام، و أسانيد أخرى في الخصال و الأمالي، و الحديث موجود في النهج البلاغة و تحف العقول و كتاب الغارات، بل هذا المضمون روي في أحاديث متواترة في أكثر كتبنا الروائية.
غير مؤثّر في كونه إماماً بالفعل- بما للإمامة من عهد معهود الهى ذات شئون عظيمة بالغة- كما في الحديث النبوي المروي عند الفريقين «الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا» فقعودهما عليهما السلام بسبب جور الأمّة لا يفقدهما الجعل الإلهي و الخلافة الإلهية على الأمّة.
و هل من الإمكان إبداء الاحتمال أنّه- عجل اللَّه تعالى فرجه- في غيبته يفقد هذا المنصب و الجعل الإلهي، إذ هذا لا ينسجم مع مبدأ النص و التعيين، و من هنا كان تمسّك الفقهاء في نيابتهم في عصر الغيبة الكبرى بنصبه لهم نواباً في قوله المروي مسنداً في غيبة الشيخ الطوسي «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللَّه» فقوله عليه السلام: «فانهم حجتي عليكم» استنابة منه عليه السلام للفقهاء.
و هل يتعقّل أن يكون للَّه حجّتان بالأصل في عرض واحد بالفعل، بأن يكون الحجّة في غيبته حجّة بالأصل، و منتخب الأمّة حجّة أخرى بالأصل و لكن بالانتخاب لا بالنيابة عنه، و من هنا كان دأب فقهاء الإمامية على ضوء مبدأ النص و التعيين أنّ صلاحيّات الفقيه مستمدّة منه- عجّل اللَّه فرجه الشريف- في الغيبة لا أنّها للفقيه بالأصالة مع خلعه عليه السلام عن ذلك المنصب.
هذا و لا يغفل عن أنّ سبب عدم تقلّده- عجّل اللَّه فرجه الشريف- زمام الأمور و الحكم و عدم الظهور هو المذكور في قوله عليه السلام:
لو كنتم على اجتماع من أمركم لعجل لكم الفرج.
و لذلك قال السيد المرتضى و الخواجة و غيرهما أنّ سبب غيبته منا.
نعم إذا أمكن أن تخلو الأرض من الحجّة المعصوم، و أن يترك اللَّه البشر و حالهم مع قوانين دينه على أوراق و تكون يد اللَّه مغلولة- و العياذ باللَّه تعالى- أمكن حينئذٍ ذلك الاحتمال و الجمع المزعوم بين الأدلّة.
و من الطريف أنّ الدعوى المزبورة تذعن في طيّاتها بشروط في المرشّح
بالانتخاب من الفقاهة و الكفاءة و الأمانة و العدالة و الضبط و سلامة الحواس إلى غير ذلك من الشروط التي لا تتوفر بنحو الإطلاق و السعة و بنحو الثبات الذي لا تزلزل فيه إلّا في المعصوم عليه السلام، و كأنّ ذلك أوْباً إلى النص مرّة أخرى، إذ الاشتراط في جذوره تعيين.
نعم نصبه- عجّل اللَّه فرجه الشريف- للفقهاء كنوّاب بالنيابة العامّة قد استفيد منه من قوله: «فارجعوا» الإيكال للأمّة في اختيار أحد مصاديق النائب العامّ الجامع للشرائط و لا يعني ذلك أنّ النصب بالأصالة من الأمّة بالذات، بل منه- عجّل اللَّه فرجه الشريف- بالأصالة و من الأمّة بتبع إيكال و تولية المعصوم لها، كما هو الحال في القضاء و الإفتاء عند التساوي في الأوصاف.
و لا يتوهّم أنّ تولية الأمّة ذلك يلزمه إمكان توليتها السلطة على نفسها بالأصالة من اللَّه تعالى في اختيار خليفة اللَّه في أرضه، إذ بين المقامين فيصل فاصل و فاروق فارق، حيث إنّه لا بدّ من العصمة في قمّة الهرم الإداري للمجتمع دون بقية درجات ذلك الهرم، إذ بصلاح القمّة يصلح مجموع الهيكل.
كما لا يتوهّم أنّه حيث لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر تدار به رحى إدارة النظام الاجتماعي البشري و هذا اللابدّية و الضرورة العقلية التي نبّه عليها علي عليه السلام في النهج تقتضي تنصيب الأمير على الناس بمقتضى تلك الضرورة بالذات بالأصالة من دون حديث النيابة عن المعصوم.
وجه اندفاع التوهّم: إنّ الضرورة العقلية تقتضى الزعيم، أمّا شرائط كونه أمير برّ لا فاجر هو كون إمارته من تشريع اللَّه تعالى و إذنه إذ الولاية للَّه تعالى الحقّ، و الإمارة تجري على يد الفرد البشري المخول منه تعالى في ذلك.
و لذلك ترى أنّ عدة من الفقهاء- قدس اللَّه أسرارهم- استدلّوا بتلك الضرورة في الكشف عن إذنه و تنصيبه للفقهاء باعتبار أنّهم القدر المتيقن، أو غير ذلك من التقريبات المذكورة في كلماتهم.
و بذلك ننتهي إلى أنّ الآية هي في صدد الإشارة بصفة ممدوحة مهمّة في المؤمنين و هي عدم الاستبداد بالرأي، و اعتماد العقل المجموعي في استخراج الرأي الصائب و فتح الأفق أمام الخبرات في استعلام جودة الفكر و الرأي، و أمّا أين هي منطقة السلطة الجماعية و أين هي منطقة السلطة الفردية و مَن هو و مَن هم، فذلك يتمّ استكشافه من مبدأ السلطات و هو اللَّه تعالى و من ثمّ رسوله صلى الله عليه و آله و سلم و خلفائه المعصومين، بالوقوف على حدود نصوص الجعل و التنصيب كما ذكرنا لذلك مثالًا في النائب العام و القاضي و المفتي.
و المهم التركيز على هذه الجهة في الآية أنّ مادة الشورى هي لاستطلاع الرأي الصائب و المداولة مع بقية العقول، و فرق بين استطلاع رأي الآخرين و بين جمع إرادة الآخرين، فالأول هو موازنة بين الأفكار و الآراء من المستطلع و المستشير، و الثاني سلطة جماعية، فلا يمكن اغفال التباين الماهوي بين الفكر و الإرادة، و إنّ الشركة في الأول لا تعني الشركة في الثاني بتاتاً.
فالتوصية في الآية هي في اعتماد التلاقح الفكري في إعداد الفكرة، أمّا مرحلة البتّ و العزم و الإرادة فلا نظر إليها من قريب و لا من بعيد، و مجرّد إضافة الأمر إلى ضمير الجماعة لا يعني كونها في المقام الثاني، بعد كون مادة المشورة صريحة في المقام الأول.
بل غاية ذلك هي أهمية اعتماد المفاوضة في استصواب الرأي في الموضوعات التي تخص و تتعلّق بمجموعهم، هذا لو جمدنا على استظهار الموضوع المتعلّق بالمجموع من لفظة (أمرهم)، و لم نستظهر معنى الشأن من الأمر- كما استظهره كثير من المفسرين- أي بمعنى شأنهم و عادتهم و دأبهم على عدم الاستبداد بالرأي و اعتماد طريقة الاستعانة بالمستشارين.
و نكتة الإضافة إلى ضمير الجماعة هي وحدة سوق الأفعال في الآيات كما في«أَقِيمُوا الصَّلاةَ»*و«مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ»*و«يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ»*، و أمّا لفظة «بينهم»
فهي ظرف لغو متعلّق بمادة الشورى لكونها مداولة بين الآراء و مفاوضة لا تقل عن كونها بين اثنين، فهي فعل بينيّ و في ما بينهم.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
ملحق قراءة في أدوار أمير المؤمنين عليه السلام
هناك جملة من التساؤلات تثار حول سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، بل ربما تثار شبهات في سيرة الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام، لكن تلك الأسئلة قديماً و حديثاً تثار و تشتدّ حول سيرة أمير المؤمنين عليه السلام.
و التساؤل في الواقع و إن كان ظاهره البادي قد يستوحش أو يتنفّر منه الإنسان منه، إلّا أنّ الإثارة و التساؤل تمحّص و تبلي و تجلّي الحقائق أكثر فأكثر، و من خصائص مذهب أهل البيت عليهم السلام أنّه يصطدم و يجابه بالتساؤلات، و كلّما أثيرت التساؤلات حوله، تضوّع منه رائحة الحقائق أكثر، و تجلّت حال البشرية و استنارت بمنهج المعصومين عليهم السلام و من جملة تلك الأسئلة التي تتصل بالفقه السياسي و الفقه العقائدي و ربما قد حيرت الكثير:
1. لِمَ لم يقبل عليه السلام عرضَ أبي سفيان نصرتَه لأجل الوصول إلى سدّة الحكم و السلطة؟ فإنّ استلامه للحكم غاية مهمة تبرّر اتخاذه لأبي سفيان- رغم كلّ الصفات التي يتصف بها و مع أنّه لا يفتأ يكيد بالإسلام- جسراً يعبر فيه إلى السلطة، و يُعدّ ذلك من الوسيلة الاضطرارية للوصول إلى الغاية الراجحة، بينما نجد الإمام عليه السلام قد أجابه:
«وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً»
2. في يوم الشورى الذي نصِّب فيه عثمان، عرض عبد الرحمن بن عوف على أمير المؤمنين عليه السلام أن يعمل بكتاب اللَّه و سنة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم و سيرة الشيخين، فما الضير في أن يُنعِمَ عليه السلام في الجواب و يقبل هذا العرض، إلّا أنّه عند ما يستلم زمام الحكم لا يعمل إلّا بما يرتئيه هو عليه السلام و يحول بذلك دون إفساد الثالث أكثر؟!
و يبرَّر هذا الموقف فقهياً بأنّ الشرط الفاسد غير ملزم، فلِمَ حرّم- إن صحّ التعبير- من بركات سلطته و إدارته و نشر العدل و تحقّق هذا الهدف السامي مقابل شرط فاسد، بين مجموعة سداسية الأطراف، يعلم عليه السلام بفساده و بأنّ الالتزام به فاسد أيضاً؟
3. لما ذا لم يعط معاوية ولاية الشام، ثمّ يصفّيه بطريقة ما، كما أشار عليه جملة من حوارييه و منهم عبد اللَّه بن عباس، و لم تنشب بذلك فتنة صفين التي ذهب فيها أكثر من 90 ألف قتيل، و جذّرت تلك الإحن في نفوس الأمة و القطيعة التاريخية إلى يومنا هذا.
4. لِمَ لم يولِّ طلحة و الزبير ناحية بعيدة من نواحي العالم الإسلامي، و عند ما تستحكم سلطته يصلح الأمر بالشكل الذي يراه، و بالتالي يتخلّص من فتنتهما و هي حرب الجمل؟ فلما ذا يريد أن يشيّد صرح الحكم الإسلامي من البداية على طبق الأحكام الأولية و لم يتغامض عن بعض الحدود الإلهية و بعض الملزمات، ثمّ يصلح الأمر شيئاً فشيئاً عند ما تقوى سلطته؟
5. لما ذا يعلن من بداية تسلّمه الحكم سواسية العطاء من بيت مال المسلمين، و لم ينتهج سيرة الأول بالتفرقة في العطاء؟ أو سيرة الثاني الذي توسّع بالتفرقة في العطاء بين القرشي و غير القرشي، و العربي و غير العربي، إلى أن يستوثق من الحكم يقوم بمعالجة الأمور شيئاً فشيئاً؟ ممّا أثار عليه حفيظة القاعدة، أثار عليه بعض الصحابة و القبائل حتى أن أخاه عقيل قام في ذلك المجلس و قال