بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 348

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 349

ملحق قراءة في أدوار أمير المؤمنين عليه السلام

هناك جملة من التساؤلات تثار حول سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، بل ربما تثار شبهات في سيرة الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام، لكن تلك الأسئلة قديماً و حديثاً تثار و تشتدّ حول سيرة أمير المؤمنين عليه السلام.

و التساؤل في الواقع و إن كان ظاهره البادي قد يستوحش أو يتنفّر منه الإنسان منه، إلّا أنّ الإثارة و التساؤل تمحّص و تبلي و تجلّي الحقائق أكثر فأكثر، و من خصائص مذهب أهل البيت عليهم السلام أنّه يصطدم و يجابه بالتساؤلات، و كلّما أثيرت التساؤلات حوله، تضوّع منه رائحة الحقائق أكثر، و تجلّت حال البشرية و استنارت بمنهج المعصومين عليهم السلام و من جملة تلك الأسئلة التي تتصل بالفقه السياسي و الفقه العقائدي و ربما قد حيرت الكثير:

1. لِمَ لم يقبل عليه السلام عرضَ أبي سفيان نصرتَه لأجل الوصول إلى سدّة الحكم و السلطة؟ فإنّ استلامه للحكم غاية مهمة تبرّر اتخاذه لأبي سفيان- رغم كلّ الصفات التي يتصف بها و مع أنّه لا يفتأ يكيد بالإسلام- جسراً يعبر فيه إلى السلطة، و يُعدّ ذلك من الوسيلة الاضطرارية للوصول إلى الغاية الراجحة، بينما نجد الإمام عليه السلام قد أجابه:


صفحه 350

«وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً»

2. في يوم الشورى الذي نصِّب فيه عثمان، عرض عبد الرحمن بن عوف على أمير المؤمنين عليه السلام أن يعمل بكتاب اللَّه و سنة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم و سيرة الشيخين، فما الضير في أن يُنعِمَ عليه السلام في الجواب و يقبل هذا العرض، إلّا أنّه عند ما يستلم زمام الحكم لا يعمل إلّا بما يرتئيه هو عليه السلام و يحول بذلك دون إفساد الثالث أكثر؟!

و يبرَّر هذا الموقف فقهياً بأنّ الشرط الفاسد غير ملزم، فلِمَ حرّم- إن صحّ التعبير- من بركات سلطته و إدارته و نشر العدل و تحقّق هذا الهدف السامي مقابل شرط فاسد، بين مجموعة سداسية الأطراف، يعلم عليه السلام بفساده و بأنّ الالتزام به فاسد أيضاً؟

3. لما ذا لم يعط معاوية ولاية الشام، ثمّ يصفّيه بطريقة ما، كما أشار عليه جملة من حوارييه و منهم عبد اللَّه بن عباس، و لم تنشب بذلك فتنة صفين التي ذهب فيها أكثر من 90 ألف قتيل، و جذّرت تلك الإحن في نفوس الأمة و القطيعة التاريخية إلى يومنا هذا.

4. لِمَ لم يولِّ طلحة و الزبير ناحية بعيدة من نواحي العالم الإسلامي، و عند ما تستحكم سلطته يصلح الأمر بالشكل الذي يراه، و بالتالي يتخلّص من فتنتهما و هي حرب الجمل؟ فلما ذا يريد أن يشيّد صرح الحكم الإسلامي من البداية على طبق الأحكام الأولية و لم يتغامض عن بعض الحدود الإلهية و بعض الملزمات، ثمّ يصلح الأمر شيئاً فشيئاً عند ما تقوى سلطته؟

5. لما ذا يعلن من بداية تسلّمه الحكم سواسية العطاء من بيت مال المسلمين، و لم ينتهج سيرة الأول بالتفرقة في العطاء؟ أو سيرة الثاني الذي توسّع بالتفرقة في العطاء بين القرشي و غير القرشي، و العربي و غير العربي، إلى أن يستوثق من الحكم يقوم بمعالجة الأمور شيئاً فشيئاً؟ ممّا أثار عليه حفيظة القاعدة، أثار عليه بعض الصحابة و القبائل حتى أن أخاه عقيل قام في ذلك المجلس و قال


صفحه 351

أنا و عبدي سواسية؟ فقال عليه السلام لم يكن غيرك ليقوم و يعترض!.

6. هل إنّ الأسلوب الذي اتبعه عليه السلام ساهم في خدمة حكومته أو أنّه أدّى إلى نقض الغرض؟ فقد يبدو لنا أنّه ممّا سبب زعزعة قوّة سلطته عليه السلام فإنّه كان يتشدّد في إقامة الحدود من الجلد و الرجم و القطع ... حتى بالنسبة إلى أشراف القبائل مما جعلها تقاطعه و تعاديه و بالتالي تذهب إلى معاوية.

و قد أشار عليه عبد اللَّه بن عباس و بعض حوارييه: «أنه يجتثّ قوّته بيده»، بل إنّ نفس الأمير عليه السلام قد عبّر: «ما ترك لي الحقّ من صاحب»، و هذا التشدّد في حرفية تطبيق حدود اللَّه أدّى في النظرة الأولى القاصرة إلى نقض الغرض، و أدّى إلى أن لا تطبق الحدود و أن تضعف قوة حكومته أو حكومة المعصومين عليهم السلام من بعده.

و قد أشاروا عليه أن يغدق القبائل في العراق و الجزيرة- و قد كانت القوة الضاربة من الناحية العسكرية و الأمنية و القاعدة الشعبية- بالأموال الزائدة، فقال لهم:

أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور في من ولّيت عليه، و اللّه ما أطور به ما سمر سمير و ما أمّ نجم في السّماء نجمة، لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف و إن المال مال اللَّه.

و هذا الأسلوب حالَ دون قوّة حكومته، و دون تطبيق الأحكام الإسلامية، و قلّل من مدّة حكومتهم عليهم السلام و أدّى إلى ضعف خلافة الإمام الحسن عليه السلام، و إلى توجه القبائل إلى معاوية.

7. لما ذا لم يستعمل عليه السلام أسلوب الغيلة في تصفية مناوئيه كما فعل معاوية، و لا سيما مع ما توفّر له من فُرَص ذهبيّة لتصفية كلّ المناوئين؟

8. لما ذا كان يسارع بتنحية و إقصاء بعض الولاة المقرّبين منه بمجرّد تعديهم على بيت المال؟ و هذا قد يفتت القوّة التي بيده.


صفحه 352

في سيرة باقي الأئمة عليهم السلام

و هذه التساؤلات قد يطرح شبيه لها في سيرة باقي الأئمة عليهم السلام

1. لقد أشار على الإمام الحسين عليه السلام بعض حوارييه أنّ جيش الحُرّ قرابة الألف فارس، بينما أصحاب الحسين عليه السلام و مَن يحيط به ما يقارب 300 قبل يوم عاشوراء، فيمكن طلب المدد و العون من القبائل و يستوثق الأمشاج الضاربة و يبيد هذه الفرقة، بل و يكون هو الغازي للكوفة بدل أن يغزى هو، بينما نجده في كلّ خطوة يتخذ الأسلوب السلمي و لا يبرّر لنفسه لأجل الوصول إلى السلطة و يصلح بالتالي نظام المسلمين، مخالفةَ خطوةٍ واحدةٍ من حدود اللَّه.

2. يعرض أبو مسلم الخراساني الخلافة على الإمام الصادق عليه السلام، قبل أن يستوثق بنو العباس من سلطتهم، فلِمَ لم يقبل بهذا العرض، و يقوم بما قام به المنصور الدوانيقي و مَن بعده من الخلفاء استوثقوا من السلطة ثمّ قاموا بعد ذلك بتصفية أبي مسلم و غيره، فلما ذا لم يستلم الحكم و رويداً رويداً يصلح الأمور كما يراه الأنسب و الأصلح؟ أ و ليس هدفهم إقامة نظام و حكم إسلامي؟ بينما نجد الإمام الصادق عليه السلام لم يحرّك و قد عابه في ذلك عبد اللَّه بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام.

3. لِمَ لم يقم الإمام الكاظم عليه السلام بما كان يتمتع من قوّة و نفوذ على هارون الرشيد؟ و التقرير الأمني الذي ذكره أحد أعوان هارون شاهد على ذلك، حيث خاطب هارون قائلا: «أ في بلاد المسلمين خليفتان؟ أنت في بغداد تجبى إليك الأموال، و وراءك 120 ألف سيف ضارب، و موسى بن جعفر في المدينة تجبى إليه الأموال و وراءه سبعون ألف سيف ضارب ...»، و في بعض الروايات أنه بَدا للناس أن الكاظم عليه السلام هو مهدي آل محمد، و مع ذلك لم نجد الإمام الكاظم عليه السلام سعى للوصول إلى السلطة.

4. لِمَ لم يقبل الإمام الرضا عليه السلام الخلافة أو ولاية العهد حتى و لو كانت صورية؟ ثمّ شيئاً فشيئاً يتقلّد زمام الأمور و يخطّط ضدّ المأمون و يسحب البساط


صفحه 353

من تحته، و لو استلزم ذلك بعض المحذورات و لكن يقوم بها من باب دفع الأفسد بالفاسد؟

الصياغة العلمية لهذه التساؤلات

و يمكن صياغة هذه التساؤلات بصياغة علمية و هي: لِمَ لم يستخدم الأئمة عليهم السلام بالنظرة البدويّة القاصرة أسلوب الغاية تبرر الوسيلة أو قاعدة التزاحم أو قاعدة العناوين الثانوية أو قاعدة دفع الأفسد بالفاسد؟ و إنّما تشدّدوا في إرساء الحدود الإلهية بالدقة و بحرفيتها، مع أنّ هذا الأسلوب- بالنظر البدوي القاصر- يفوّت الأحكام الكبرى الأهم؟

بل قد يدّعي بعض العامة بأنّه كيف تدّعون أنّ أئمتكم لهم الحق بالولاية و الحكم، و الحال أنّهم لم يسعَوا للوصول إلى السلطة، بل تعرض عليهم و يرفضون؟!. و ربما يحصي البعض قرابة 40 أو 100 موقف و تساؤل حساس يطرحه بعض المستشرقين أو تطرحه المذاهب الأخرى، فما هي فلسفة هذه المواقف لأمير المؤمنين عليه السلام و الأئمة من بعده، الذين يجب علينا أن نتأسّى بهم و نحذو حذوهم؟. فما هي الضابطة في منهاجهم لكي نعرفهم حقّ المعرفة، و لكي يكونوا لنا قدوة و عبرة؟

الإجابة على هذه التساؤلات

للإجابة على هذه التساؤلات و استخلاص منهاج أهل البيت و سيرتهم ينبغي التفطن لعدّة نقاط:

الأولى: الحكم وسيلة أو غاية؟

إنّ الوصول إلى القدرة و تسنّم سدّة الحكم ليس بنفسه غاية، كما يذكر أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة عند ما دخل عليه ابن عباس و هو يخصف نعله،


صفحه 354

فسأله عليه السلام: «ما قيمة هذا النعل؟ فقال له: لا قيمة له. فقال عليه السلام: و اللَّه لهي أحبّ إلي من إمرتكم إلّا أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلًا».

و في جملة من خطبه حدّد الميزان و أنّ الغاية من القدرة و السلطة و شرفها هو إقامة حدود اللَّه و أحكامه، و ليست القدرة بنفسها غاية، لكن لا يعني ذلك التواني منهم و ترك الحبل على الغارب، و لا يدعو هذا المنطق منهم عليهم السلام التواني و التقصير عن مصير الأمّة، بل لديهم نظرية وسطية تأتي في النقاط اللاحقة.

الثانية: ما هو دور الحاكم عند التزاحم؟

إنّ نظرية التزاحم أو دفع الأفسد بالفاسد أو العناوين الثانوية قواعد طويلة الذيل تعرّض لها الأصوليون و المتكلّمون، و هي قواعد معقّدة، و لكن نتعرض في المقام لنتائجها بشكل مختصر.

قاعدة التزاحم: لقد عمل بهذه القاعدة علماؤنا و فقهاؤنا، و لكن الكلام هو: ما هي مسئولية و وظيفة الحاكم- كالأئمة عليهم السلام، سواءٌ كانوا في سدّة السلطة الرسميّة أم القدرة الاجتماعية التي كانوا يمسكون دائماً بعنانها بفضلٍ من اللَّه- تجاه التزاحم؟

و الجواب: إنّ دور الحاكم أن يمانع وقوع التزاحم، لا أن يجذّر وقوعه بين المصالح و الحدود الشرعية كي يراعي مصلحة الأهم على المهم، بل وظيفته ممانعة وقوع التزاحم، و إذا وقع فوظيفته أن يمانع بقاءه، و ذلك بفراسة التدبير و فطنة السياسة و التسييس.

مشكلة الاستفادة من قاعدة التزاحم هي أنه إذا كانت هذه هي سياسة الحاكم- سيما إذا كانت التدافعات و التزاحم في الغايات الشرعية- فسوف بالتالي تضيع مصالح كثير من الأمور المهمة بِاسم الأهم، و سيعود بالتالي المهم بمجموعه و بسلسلته و بدائرته هو أهم بكثير من الدرجات من الأهم في الصورة الظاهرية، و لذا الوقوع في ورطة التزاحم ابتداءً أو بقاءً للمدبّر في النظام الاجتماعي السياسي


صفحه 355

خطير جداً.

حقيقة دور النُّخب:

في كتاب فقه الحيل الشرعية، تعرضنا لمسألة أنّ الكثير من النُّخَب الاقتصادية أو النُّخب في علم النقد أو الحقوق أو القضاء أو أي حقل من الحقول، دائماً تطالب الشريعة بأن توجد لها حلولًا و تسهيلًا مع البيئة في الحقول المختلفة، و هذا في الواقع قصور و تكاسل و تقصير من النُّخَب في حقولها المختلفة، لأنها لو كانت نشطةً فطنةً لكانت هي التي تكيّف البيئة المريضة أو الخاطئة على وفق الشريعة، لا أن تكيّف الشريعة على وفق البيئة، فهي تكيّف بيئة الإعلام أو البيئة الاجتماعية أو البيئة في حقول الأحوال الشخصية على وفق الشريعة، بل إنّ هدف الشريعة أن تقوّم و تستصلح تلك البيئات الخاطئة و المريضة.

و المشكلة في العناوين الثانوية تماماً كالمشكلة المتقدّمة في قاعدة التزاحم، و هي أنّها تفرّط بشريحةٍ كبيرةٍ من الغايات و المصالح الشرعية، و سيئول التمسك بزمام السلطة و الحكم- بدلًا من أن يكون وسيلةً لنشر الأحكام- وسيلةً و سبباً لهدم بُنى الأحكام. إذن من خلال الحيطة الكاملة في الموضوعات يمكن الحيلولة دون وقوع التزاحم، و الحيلولة دون التمسك بالعناوين الثانوية.

التشديد أو التساهل في الأحكام و الحدود؟

و هذه جدلية أو معادلة ديالكتيكية خَطِرة يجب أن نعيها، و الأئمة عليهم السلام في منهجهم هذا قد تفادوا مثل هذه العقدة المبهمة التي ربما قد يعاني منها أيُّ أحدٍ ممّن يتقلّد التدبير في النظام الاجتماعي السياسي، لأنّ التشدّد في مراعاة الحدود في الواقع لن يفوّت الحدود، بل بالعكس فإنّ التساهل في إقامة الحدود هو الذي يؤدّي إلى تفريط كبير في إقامة الأحكام الإسلامية.

و في الواقع إنّ العناوين الثانوية كما هو عند علماء الإمامية لا يزيل واقع و لا