بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 355

خطير جداً.

حقيقة دور النُّخب:

في كتاب فقه الحيل الشرعية، تعرضنا لمسألة أنّ الكثير من النُّخَب الاقتصادية أو النُّخب في علم النقد أو الحقوق أو القضاء أو أي حقل من الحقول، دائماً تطالب الشريعة بأن توجد لها حلولًا و تسهيلًا مع البيئة في الحقول المختلفة، و هذا في الواقع قصور و تكاسل و تقصير من النُّخَب في حقولها المختلفة، لأنها لو كانت نشطةً فطنةً لكانت هي التي تكيّف البيئة المريضة أو الخاطئة على وفق الشريعة، لا أن تكيّف الشريعة على وفق البيئة، فهي تكيّف بيئة الإعلام أو البيئة الاجتماعية أو البيئة في حقول الأحوال الشخصية على وفق الشريعة، بل إنّ هدف الشريعة أن تقوّم و تستصلح تلك البيئات الخاطئة و المريضة.

و المشكلة في العناوين الثانوية تماماً كالمشكلة المتقدّمة في قاعدة التزاحم، و هي أنّها تفرّط بشريحةٍ كبيرةٍ من الغايات و المصالح الشرعية، و سيئول التمسك بزمام السلطة و الحكم- بدلًا من أن يكون وسيلةً لنشر الأحكام- وسيلةً و سبباً لهدم بُنى الأحكام. إذن من خلال الحيطة الكاملة في الموضوعات يمكن الحيلولة دون وقوع التزاحم، و الحيلولة دون التمسك بالعناوين الثانوية.

التشديد أو التساهل في الأحكام و الحدود؟

و هذه جدلية أو معادلة ديالكتيكية خَطِرة يجب أن نعيها، و الأئمة عليهم السلام في منهجهم هذا قد تفادوا مثل هذه العقدة المبهمة التي ربما قد يعاني منها أيُّ أحدٍ ممّن يتقلّد التدبير في النظام الاجتماعي السياسي، لأنّ التشدّد في مراعاة الحدود في الواقع لن يفوّت الحدود، بل بالعكس فإنّ التساهل في إقامة الحدود هو الذي يؤدّي إلى تفريط كبير في إقامة الأحكام الإسلامية.

و في الواقع إنّ العناوين الثانوية كما هو عند علماء الإمامية لا يزيل واقع و لا


صفحه 356

مصلحة الحكم الأولي، و غاية ما يقوم به الحكم الثانوي هو زوال المؤاخذة، سواء على صعيد لمسئولية الفردية أم مسئولية الحاكم؛ و بعبارة أخرى إنّ الأحكام الثانوية عبارة عن كيفيات في مقام التطبيق و التنفيذ كي لا تتصادم الأحكام بعضها مع بعض، لا أنّه هي بنفسها أحكام، و هي شبيهة بقاعدة التزاحم. إذن لا يمكن لهذه القواعد المذكورة أن تحلّ لنا المشكلة في مقابل هذا المنهج الذي تشدد فيه أهل البيت عليهم السلام.

الثالثة: ما حقيقة معنى السلطة؟

فلسفة أهل البيت عليهم السلام للقدرة و السلطة هو إقامة الحق أو دفع الباطل، و هذه الغاية لا تنحصر بالسلطة الرسمية، بل كما يذكر في الدراسات الأكاديمية و هو من المسلّمات السياسية أنّ كلّ قدرة لها نفوذ في المجتمع أو شريحة من الشرائح الاجتماعية يمكن أن تؤثّر في عملية التوازن و في مسار النظام السياسي تعتبر حكومة بحدّ ذاتها، و يقولون أنه لا يوجد في العالم قدرة أو سلطة بسيطة، بل كلّ الحكومات فدرالية و إن لم يعلن عنها، كالقدرة القَبَليّة في العراق أو شبه الجزيرة العربية، فهي حكومة في عيالة الحكومة المركزية و تتوازى معها.

إذن فالحكومة ليس كما كان يفهمه الفكر الإسلامي و ظلّ دهراً في أدبيّات المسلمين و أذهانهم أنّها ذات شكل واحد و أنّها تعني السلطة الرسمية، بل هي كما تنبّهت له الدراسات السياسية لها أشكال مختلفة، و بناء على هذا الفهم فإنّ تخلّي الأئمة عليهم السلام عن السلطة الرسمية أو الحكومة الرسمية لا يعني تخلّيهم عن السلطة مطلقاً. و لِمَ قام بنو أميّة و بنو العباس بسجن و بتصفية الأئمة عليهم السلام لو لم تكن عندهم عليهم السلام سلطة و قوّة يخافون منها؟

فالنكتة واضحة و هي أنّ مَن يكون في السلطة الرسمية يشعر بالذي ينازعه و يشعر بمَن له القدرة فيهابه و يخاف منه. و من ثَمّ رأَوا أنّ أهل البيت عليهم السلام بأسلوبهم


صفحه 357

السلمي البارد الخفي لهم دولة، و إذا استطعنا أن نعي هذا المفهوم في الفكر السياسي المعاصر لاختلفت قراءتنا لسيرة أهل البيت عليهم السلام، فَهُم على هذا الفَهْم لم يتخلّوا أبداً عن النشاط و القيام بالمسئولية و الأدوار في إقامة الحكم الإسلامي، و لكنهم لم يكونوا ضيّقي الأفق فيحشروا أنفسهم بالسلطة الرسمية و يقولوا: إما هي أو لا!. بل نظام الطائفة نظام دولة و ممّا يدلّل على ذلك هو تسليم الشارع الإسلامي قاطبة لأمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة بعد موت عثمان، فإنّه منبّه واضح على مدى نفوذ سلطته عليه السلام بين الناس، فإنّ زمام الأمور الاجتماعية كانت بيده و قد سحبها من الثالث.

و بناءً على ما تذكره كثير من الدراسات السياسية و الاجتماعية يمكن القول بأنّ استلام السلطة الرسمية الآن قد يكبّل الأيدي عن إقامة الأحكام الإسلامية تحت قاهرية الظروف الراهنة، و تتراجع أكثر فأكثر فرص إقامة دولة إسلامية، و هذا ما يبيّن فلسفة تنحي الإمام الصادق عليه السلام و الإمام الرضا عليه السلام عن السلطة الرسمية الظاهرية، و ما تصفية الأئمة عليهم السلام إلّا لأنّ الخلفاء رأَوا أنّ الأئمة يستلمون زمام الأمور شيئاً فشيئاً و ينشرون التشيع ممّا يعني أنّه (انتشار التشيّع) سيؤدّي إلى استلام كلّ الأمور و منها الحكومة الظاهرية.

أولوية صيانة الثوابت الاعتقادية

الأمر الذي حرص الأئمة عليهم السلام عليه هو الموازنة بين الأغراض السياسية و الثوابت العقائدية، فلا العقائد تدعو إلى الجمود، و لا النشاط السياسي الحركي يتناسى أهدافه بالتفريط بالثوابت العقائدية. فإذا كان لا بدّ من الحفاظ على حدود اللَّه في الفروع، فكيف بالأصول؛ أ ليس الأمر فيها أخطر؟ و هذا كان مُتحَسّساً من أمير المؤمنين عليه السلام حين كان يجيب ب" لأجل هذا نقاتل"، حين كان يسأل عن الصلاة و الأمور العقائدية في مواقف حرجة كليلة الهرير في صفين. و من الخطأ ما


صفحه 358

تورّطت به بعض الجماعات الإسلامية من تبديل الوسيلة إلى هدف.

إذن هناك تنوّع في أساليب أهل البيت عليهم السلام، و موازنة في الثوابت و حفظ الحدود، الذي إن كان لا بدّ منه فحفظ الثوابت العقائدية أولى، و لا يعني ذلك التفريط في الآلية السياسية، فلا هذا على حساب ذاك و لا ذاك على حساب هذا، و إنّما هناك وسطية في الموازنة، كما أنّ أهل البيت عليهم السلام يتشدّدون في الحفاظ على النظام الإمامي، أي نظام الطائفة الشيعية، و في المقابل يفتحون الجسور أمام المجتمع الإسلامي، فلا يفرطون بثوابت المسيرة الإيمانية التي هم خطوها، و لا يفرطون بأهمّية ثوابت ظاهر الإسلام؛ فظاهر الإسلام يحمي الإيمان و وسيلة لخلق لبّ الإيمان، فالقشر بلا لبّ لا يفيد و اللبّ بلا قشر لا يبقى.

الرابعة: نظريات الإصلاح الاجتماعي

يوجد في نظرية الإصلاح الاجتماعي و إقامة الأحكام الإسلامية عدّة نظريات: الجبر و التفويض و الاختيار، فكيف يمكن فلسفة هذه النظريات؟

نظرية الجبر:

نظرية مخدِّرة لنشاط المجتمع الإسلامي عن مواجهة الظلم بأساليب مختلفة، لأنّها تعتبر أنّ كلّ الأمور مقدّرة من اللَّه. و هي نظريةٌ لأجل تخدير الأمة الإسلامية، كان جماعة الخلافة و السلطان أشدّ الناس ترويجاً لها، و لعلّ جذورها يهودية أو نصرانية.

نظرية التفويض:

و مفادها، أنّ كلّ صلاح في النظام الاجتماعي السياسي هو بيد البشر، و هذا ممّا يزيد الهمّ لدى الإنسان فلا بدّ له من الوصول إلى القدرة مهما كان نوعها. و هذا يبرّر التفريط بحدود اللَّه الفروع منها و العقائد، لأنّ الهمّ الشاغل هو القدرة، فإذا فرّطنا بها فسوف نخسر الغاية المنشودة.

و تعتبر هذه النظرية تفويضية لأنّ الالتزام بها يعني أن لا نطوِّعَ حركتنا و مسيرتنا ضمن الإرادة التشريعية للَّه في الفروع و الأصول، أو ضمن الموازنة


صفحه 359

الوسطية، و نحن إذا لم نطوّع و نسيّر منهجنا و حركتنا ضمن الإرادة التشريعية للَّه، فسوف نظنّ أنّ كلّ تغيير في النظام السياسي من واجبنا.

نظرية الاختيار:

و هي تسلّم بوجود إرادة تكوينية لكن لا كالجبرية التي تعتبر أنّ الإرادة التكوينية هي التي تفعل كلّ شيء في النظام الاجتماعي السياسي، بل هناك مسئوليات ملقاة على عاتقنا لا بدّ أن نقوم و نَنشَط لتحقيقها في إطار الإرادة التشريعية. و عليه، إذا لم تؤمّن الإرادة التشريعية- مع ما نقوم به من مسئوليات- وصولَ التيار الإسلامي إلى أهدافه و نظامه، فلا ريب أن تؤمّنه الإرادة التكوينية للَّه سبحانه و تعالى، نعم لا بدّ من توخي الوسائل الموضوعية لتشغيل و تفعيل النُّخب لتوظيف و تكييف الواقع ضمن الحدود بلا تجاوز أيّ حد من الحدود، و بلا خلق أيّ مزاحمات شرعية أو توسل بذرائع أخرى، بل على العكس من ذلك، لا بدّ من الجهد في فطنة التدبير و دراسة الآلية و الموضوعية حتى نسلك من خلالها منهج أهل البيت عليهم السلام.

و هذه النظرية الوسطية نستطيع أن نبوّبها و نمنهجها بين الإرادة التشريعية و التكوينية، فلا يأس ما دامت الإرادة التكوينية خير عون لنا في تحقيق الأهداف، ضمن قيامنا بالمسئولية و هي حفظ الإرادة التشريعية. فالمسئولية لم يكلها اللَّه لنا فقط، كما و لم يطلب منّا أن نكون خاملين متحجّرين. إذن صحة المسيرة كما نقتبسها من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام بالتشدّد بالحدود و النشاط بالدراسة الفاحصة في حقول النظام الاجتماعي السياسي.

أسئلة

س 1: هل يمكن القول بأنّ السبب الأساس في عدم تولّي الأئمة عليهم السلام السلطة الظاهرية هو عدم وجود الناصر لهم،

و إن تهيّأت لهم الظروف لتولّي السلطة و لكن خوفهم من عدم وجود الناصر أو خوفهم من خذلان بعض الأنصار أدّى بهم إلى عدم التولّي للسلطة؟ و ربما كان السبب هو حفظ شيعتهم عبر العصور.


صفحه 360

ج: تشير العلوم السياسية الحديثة أنّ أسلوب الإمساك بالسلطة له أشكال و ألوان مختلفة، و إذا كانوا عليه السلام يفتقرون لوجود الناصر في قناة ما، كانوا لا يفرطون في قنوات أخرى، بل في الواقع إنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام هم ساسة السياسة، كانوا بناة حضارة؛ فهناك حكومة سياسية لبناء قدرة سياسية و هناك حكومة لبناء التشريع و الدستور و القوانين الأصلية في أيّ دولة هي غرض الدولة، و الحكومة التنفيذية و القضائية و البرلمانات التشريعية ما هي إلّا ممهّدات لإقامة صرح الدستور ففي الواقع إذا كان هناك حكومة سياسية فهي موقتة و لو تمتد إلى حقبة زمنية معينة، أمّا إذا استطعنا أن نقرأ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام حاكم حضاري و ليس حاكماً سياسياً فحسب، لأنّ السياسة تتّسع لمدّة زمنية محدّدة، أمّا الحاكم الحضاري كالأنبياء و المرسلين و الأوصياء هؤلاء يمسكون بالقدرة البشرية لا في حال حياتهم فقط، بل يمتدّ ذلك إلى ما بعد غيابهم في ضمن المنهاج الذي خطوه و جذروه و بنوه و رسموه، ففي الواقع إنّ هذه الحكومة الحضارية التي أقامها أهل البيت عليهم السلام نفاذة أخاذة و خطيرة جداً، فإذا استطعنا أن نقرأ في أدبيات العلوم الإنسانية و الحضارية و السياسية الجديدة بشكل معمّق سوف يكون لنا نظرة أخرى عميقة في تلك الأساليب التي اتبعها أهل البيت عليهم السلام.

س 2: لما ذا لم يُعمِل أهل البيت عليه السلام الولاية التكوينية في مقام المواجهة للحفاظ على الدين الحنيف

كما قد استعمله النبي صلى الله عليه و آله و سلم في بعض مواقفه؟ أم أنّ هناك مصلحة من عدم استعمالها في ذلك، فهل المصلحة في سلوك الطريق العادي التدريجي؟

ج: إن فلسفة الإصلاح الإلهي و إنزال الشرائع السماوية و بعث الأنبياء و الرسل ليست هي فلسفة جبرية بمعنى أن تجبر الناس على الصلاح و ليست أيضاً تفويضية و إنّما هي فلسفة اختيارية أي وسطية بين الجبر و الاختيار، فبعض بنودها هناك إرادة تكوينية حاسمة من اللَّه تعالى يمارسها أهل البيت عليهم السلام ضمن


صفحه 361

الحكومة الخفية يشير إليها القرآن الكريم في سورة الكهف، فالمهدي- عجل اللَّه فرجه- بجانب الأساليب المتعدّدة يعمل هذا الأسلوب إذا كان هناك حاجة إلى ذلك

س 3: هل ترون أنّه من غير الصحيح إجراء الأحكام الثانوية لرفع فعلية بعض الأحكام الأولية تحت وطأة تسلّم السلطة أو القيام ببعض الحركات السياسية

بما في ذلك من فوائد جمّة أو أنّه ربما كان مقبولا في بعض الأحيان و إذا كان مقبولا فهل ترون له حدود واضحة؟

ج: من الخطأ أن يترك الفقهاء أو النخبة الإسلامية السلطة، لكن لا بدّ أن تكون نافذة في المجتمع فقد تسالم الفقهاء كلّهم سياسة الاختراق في الأنظمة الأخرى كما فعل علي بن يقطين من خلال تولّيه للوزارة فهذا يعني أنّ أهل البيت أبداً لم يفرطوا في السلطة و لكن من الخطأ. أن نحشر كلّ طاقاتنا للوصول إلى شكل خاص من السلطة. الأساليب المختلفة ضمن الحدود الشرعية يجب أن لا نفرط و لا نتوانى عن التمسك بها. من الخطأ، التفريط بزمام السلطة و لكن أيّ سلطة؟

س 4: كما تفضّلتم فإنّ أئمتنا عليهم السلام بذلوا جهداً كبيراً حتى استطاعوا أن يجعلوا الكثير من الأفكار العقائدية الباطلة التي كانت مشعشعة في قلوب الناس بديهية البطلان. فكيف السبيل إلى الحفاظ على بداهة بطلانها مع ما نراه اليوم من التشكيك في كلّ شيء في العقائد و غيرها

ج: في الواقع هدف الشريعة هو الرقى بمعارف الإنسان عبر الرقى بآداب و قيم الإنسان و عبر أمره بالأعمال الصالحة للمجتمع و النظام الاجتماعي و هذا الدين عميق كلّما تأتي أدوار البشر تزداد الإثارات التي هي من قبيل الفتن، فأمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا تخشوا الفتن، يعني إذا تنظر إلى عاقبة الفتنة الفكرية و العقائدية أنت تجذبك إلى الفتنة و ليس فقط ينجذب إلى الجانب السلبي فيها و إنّما فيها جانب ايجابي؛ فهي تبيّن حقائق الدين العميقة، لا أقول هذا يدعونا إلى


صفحه 362

ترويج الشبهة؛ بالعكس المقصود عدم التخوّف من الشبهة و صدم الشبهة بالبيّنات و الحلول العلمية لأنّ السلاح الفتّاك هو العلم و بالتالي هو يجلي حقائق العلم. كلّما تصدم الدين الإسلامي أكثر هي تروّج من حيث لا تشعر للدين الإسلامي و بالتالي تجعل البشرية أخّاذة و منجذبة و متمغنطة للانجذاب إلى الدين الإسلامي و فهمه و كذلك ما يفعله الوهابيون و غيرهم ففي الواقع هم يروّجون لمذهب أهل البيت من حيث لا يشعرون لأنه لو لم تكن هناك فتنة لما تجلّت كنوز الحقائق إذن لا نخشى من الفتنة، بل يجب أن نقيض جهودنا لأجوبة العلمية الرصينة لجذب أفكار الشارع الاجتماعي ضمن منطق عقلاني و علمي رصين.

و الحمد للَّه رب العالمين