بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 38

المشروع إلّا أنّها تشارك الحاكم في فعل الحكم من حيث أنّها منفعلة بفعله و مؤازِر له على القيام به، فتتفاعل معه في ذلك الفعل من تلك الحيثية. فهذا هو سرّ توجيه الخطاب بنحو العموم.

و لا ريب أنّ شكل و أدوات و آليّات المراقبة هي خاضعة لعقل التجريبي و الخبروات التي يتبادلها المجتمعات البشرية في ما بين بعضها مع بعض. و استخدام الآليّات المناسبة العصريّة هو الجانب المتغيّر في مقام الأداء لما هو الثابت الديني.

و هذا نموذج ثالث لمشاركة الناس- في هذا البُعد- ألا و هو اتّخاذ الآليّات من تجارب العقلاء و الأمم، سواء على صعيد الحكم أو صعيد آليّات المراقبة و النظارة؛ ما دامت الثوابت الدينية قابلة للانحفاظ في شكل تلك الآليّات.

و هناك نماذج عديدة أخرى تتولّد من ولاية نظارة الأمّة على نظام الحكم و لا تنحصر في نماذج معيّنة و إنّما ما مرّ كان من باب بيان و التمثيل لأبرزها.

البُعد الرابع: و هو البُعد الإعلامي

و ينطوي فيه الجانب الثقافي على صعيد كلّ ميادين الثقافة و الوعي العلمي؛ و قد عُدَّ في الآونة الأخيرة آليّة مهمّة للتأثير على مجريات الأمور، سواء التأثير على الرأي العام أو على النظام السياسي و الحكومة و من ثمّ عُدّ الإعلام سلطة رابعة تُوازي سلطة السلطات الثلاث؛ بل قد تذهب بعض النظرات الحديثة الآكاديميّة إلى أنّ الإعلام يفوق القدرات الأخرى في القوة و التأثير و إحاطة الناس و الأمم بحقائق مجريات الأمور و وقوفهم على تفاصيل الحوادث بدقّة هو الكفيل بتحمّلهم المسئوليّة و التكاليف الملقاة على عاتقهم و تمسّكهم بطريق الصواب و حفظهم عن طريق الغيّ و الضلال.

و في الحقيقة هذا الدور للإعلام ليس وليد هذا العصر المتأخّر و إن تبيّن ذلك بوضوح في هذا العصر بسبب قدرة جهاز الإعلام و التُرسان الضخمة لآليّاته إلّا أنّ دوره و تأثيره هو من اليوم الأول في النشأة البشريّة نظراً لكون الإنسان موجوداً


صفحه 39

درّاكاً يُصدر أفعاله عن الرأي الذي يتكوّن له و الذي هو وليد المعلومات التي يستقيها سواء الكلّية أو ما يتعلّق بالموضوعات التي تحيط به.

و من ثمّ أكّد القرآن الكريم على المشورة و استقاء الرأي على ما هو الصحيح في نظرية الشورى، كما هو عليه مذهب الإمامية، لا بمعنى حاكمية و قدرة الأكثرية، كما أشير إلى خطورة الاعلام في قوله تعالى:

«وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا»[1]

و هذه الآية تشير إلى مَدى خطورة الإذاعة للمعلومات و الأخبار و مدى أهمية تسييس الخبر و أنّ الإعلام و الإذاعة للمعلومات كيف يوجب اضطراب الأمور أو اعتدالها و استقرارها و أنّ هذه القدرة للإعلام لا بدّ أن يتحكّم فيها الحاكم الشرعي و هو الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و أولو الأمر عليهم السلام مِن بعده الذين أُمِر بطاعتهم ممّا يدلّ على أنّ هذا الإعلام قوّة و سلطة من سلطات التحكم في النظام الاجتماعي السياسي، مع أنّ القرآن الكريم قد بيّن في سورة أخرى أنّ الإعلام حقّ عامّ لجميع المؤمنين و قال:«وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ»[2]

حيث إنّ الشور و التشاور هو تبادل الآراء و الاطلاع على آراء الآخرين كعلم جمعي و عقل جمعي، لا من حيث أنّ الأكثرية أو المجموع و الجمع لهم نافذية القدرة، بل من حيث توسعة أفق الاطلاع و الوصول إلى الرأي الجزل و رأي الخبير الفطن و إن كان أقليّة و رأي النخبة و لا تنافي بين هذين المفادين؛ لأنّ الآية الأولى تشير إلى إدارة و تدبير جهاز و عالَم المعلومات و الآية الثانية تشير إلى مورد مصرف المعلومات و أنّها من حق عموم المؤمنين على الوالي تزويدهم و تغذيتهم

[1]النساء/ 83.

[2]الشورى/ 38.


صفحه 40

بها بنحو ناصح، مضافاً إلى أنّ الآية الأولى موردها ما يتعلّق بالأمن الاجتماعي السياسي النظامي و الآية الثانية موردها عموم الموارد الأخرى العامة.

و من الآيات التي تشير إلى ذلك قوله تعالى:

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ»[1]

و في هذه الآية إشارة إلى لزوم التمحيص في الأنباء و التثبّت فيها عموماً لا سيّما تلك التي ترتبط بالجماعات و الأقوام و أحوالهم و شئونهم و حقوقهم.

و أيضاً يشير إلى ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام و في كتاب له إلى امرائه على الجيش:

من عبد اللَّه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح (أي حماة الثغور): أمّا بعد، فإنّ حقّاً على الوالي أن لا يغيّره على رعيّته فضل ناله و لا طَول خُصَّ به و أن يزيده ما قسّم اللَّه له من نعمه دنواً من عباده و عطفاً على إخوانه. ألا و إنّ لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرّاً إلّا في حرب و لا أطوي دونكم أمراً إلّا من حكم و لا أؤخّر لكم حقاً عن محله و لا أقف به دون مقطعه و أن تكونوا عندي في الحق سواء.[2]

و كلامه عليه السلام يؤسّس قاعدة في مجال الإعلام و الإخبار: إنّ الوالي و الحاكم يجب أن لا يُخفي على الرعية شيئاً من الأمور إلّا ما يُخلّ اظهاره و انتشاره بالأمن الاجتماعي لا الأمن العائد إلى شخصه.

[1]الحجرات/ 6.

[2]نهج البلاغة، الكتاب/ 50.


صفحه 41

المحور الثالث: مؤدّى النسبة بين المحورين السابقين على صعيد السلطات الأربعة في الحكم

إنّ عمدة بيان وجه النسبة الخاصّة بين هذه النظرية في الحكم و الحاكم عند مذهب الإمامية- حيث إنّ ولاية الحكم منشعبة من ولاية اللَّه و لا تنالها و لا تطالها يد البشر، ثمّ لرسوله صلى الله عليه و آله و سلم و لأولي الأمر من قرابته هذا من جانب. و من جانب آخر ما مرّ من نظارة و مراقبة الرعية و الامّة لنظام الحكم و أمرهم بالمعروف و إقامتهم له و نهيهم عن المنكر و إزالتهم له و غيرها من الحقوق التي مرّت- يتمّ ببيان النسبة و العلاقة بين هذين الجانبين بأنّ ولاية الوالي لا تستمدّ من الرعية و الامّة حتى في نائب المعصوم، بل هي منشعبة من ولاية المعصوم الذي ولايته منشعبة من ولاية اللَّه و رسوله؛ و ذلك لا ينافي دور الرعيّة و الأمّة من مراقبة جهاز الحكم و نظامه و مساره حتى في جهاز حكم المعصوم، كما هو ملاحظ في حكومة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و حكومة علي عليه السلام؛ حيث إنّ في حكومته عليه السلام و إن كان رأس الجهاز معصوماً إلّا أنّ بقية فقرات الجهاز و أعضائه ليسوا كذلك؛ هذا فضلًا عن حكومة غير المعصوم ممن ينوب عنه عليه السلام.

و هذه المراقبة من الامّة تتحدّث في مواضع الثوابت و المسلّمات لا مواضع الاجتهاديات و اختلاف الآراء إلّا أن يكون ذلك من النخبة ممن يضطلع بالأدلة الكافية و البراهين العلمية.

و كذلك للُامّة و الرعيّة إحراز واجديّة من ينوب عن المعصوم للشرائط ابتداءً و بقاءً و كذلك لجملة من شرائح الأُمّة كأهل الاختصاص من الحقول المختلفة المشاركة في فقرات حياة النظام السياسي نظراً لاضطلاعهم في مجال اختصاصهم.

كما أنّ للُامّة و عليها تمكين و إقدار و معاونة إمام الحق و نوّابه على إمساك زمام الأمور في النظام السياسي، كما أنّ لهم و عليهم إزالة و مدافعة أنظمة الجور إلى


صفحه 42

غير ذلك من الأدوار ممّا يدلّ على أنّ هناك تمام التفاعل بين نظرية النص في الإمامة و فتح المجال أمام الأمّة للقيام بأدوارها.


صفحه 43

السلطة و الولاية و أنماطها

إنّ السلطة و الولاية هما بمعنى القدرة نظير الملكية و يقرب منهما الحق، فإنّه على أصحّ الأقوال سلطنة ضعيفة و هى كالملكية تتشعّب و تنقسم إلى شعب و أقسام عديدة لا تكاد تحصر في عدد و ذلك بسبب اختلاف المتعلّق و متعلّق المتعلّق لها.

و بعبارة أخرى: إنّ القدرة تتنوّع و تتكثّر بحسب المتعلّق و الموضوع، كما قد تتكثّر بحسب الشدّة و الضعف؛ و بالتالي تكون أنواعاً متباينة متخالفة، لكلٍّ آثار و أحكام متخالفة عن النمط الآخر.

و حقيقة التعدّد هذه في السلطنة و الولاية بالغة الأهميّة، إذ يترتّب عليها عدم صحّة التمسّك بالإطلاق في جانب النفي و في جانب الإثبات، إذ اللازم تحرّي نمط الولاية الوارد في الدليل بعد فرض تباين أنماط الولاية و السلطة عن بعضها البعض.

فمنها: ما يكون بنحو الإمامة و الخلافة و القيادة العُليا في النظام الاجتماعي و السياسي و الديني و هي التي يبحث فيها عن ضرورة العصمة.

و منها: ما يكون ذات دائرة أضيق من السابقة كخصوص القيادة العسكرية و الأمنية أو الإدارة و التدبير لمحافظة معيّنة أو حقيبة وزارية و نحو ذلك؛ فمن ثمّ


صفحه 44

يطلق عليها بعناوين ماهويّة مباينة كالمحافظ و الوزير و نحوها من العناوين.

و منها: ما يكون أضيق دائرة من النمطين السابقين كإدارة مؤسّسة أو شعبة وزارية، فيطلق عليه مدير أو وكيل مساعد.

و منها: ما يكون منشأ القدرة و السلطة هو نفس الرأي العلمي كالقوّة التشريعية من المجالس النيابية، فمن ثمّ تسمّى المجالس النيابية بالسلطة التشريعية و كان منصب الإفتاء للفقهاء ليس إخباراً محضاً، بل نحو حاكميّة في الطائفة، فنافذيّة الفتيا و التشريع في المجتمع و النظام السياسي و الاجتماعي نحو سلطة و اقتدار و بالتالي نمط من الولاية.

فترى في هذا النمط من القدرة الاختلاف بينها و بين ما قبلها ليس في سعة و ضيق الدائرة و إنّما في سنخ القدرة و الولاية.

و منها: فصل النزاعات، أي القضاء و هو نمط أيضاً من السلطة و القدرة يهيمن على المسار الاجتماعى و من ثمّ يعبّر عنه بالسلطة القضائية، بل إنّ السلطة القضائية قد يفرض متعلّقها بفصل النزاع بين أجنحة السلطة نفسها كالنزاع بين السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية و يعبّر عنها بالمحكمة الدستورية أو سلطة القضاء الأعلى. فهذه السلطة و القدرة وظيفتها التعديل في القدرات و السلطات، سواء تعديل القدرات الفردية أم القدرات ذات الطابع المجموعي.

و منها: الولاية في الأمور الحسبية ذات النطاق المحدود التي قد تسمّى في مصطلح القانون الوضعي بإدارة الأمور الخيرية نظير التدبير و القيمومة على القصّر و اليتامى أو المعتوهين أو الأوقاف العامة أو الخاصة أو وصايا الأموات مع عدم الوارث و الوصي و نحو ذلك، فإنّ تدبير تلك الأمور و القيمومة عليها نحو سلطة و قدرة إلّا أنّها من نمط يختلف عما سبق من الأقسام و من ثمّ يعبّر عنه بالناظر و القيّم و القائم بالمصلحة كذا.

و منها: ولاية التواصي بالمعروف و التناهي عن المنكر؛ فإنّ مداخلة فرد في


صفحه 45

شئون الفرد الآخر نحو تصرّف في حوزة شئون الغير و تقاطع في الإرادة و من ثمّ كان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر نحو ولاية اشير إليها في قوله تعالى:

«الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»[1]

و كذا قوله تعالى:

«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ»[2]

ثمّ إنّ هذا التواصي إذا أخذ في الانتشار كظاهرة اجتماعية يأخذ نمطاً من القدرة السياسيّة العامّة و حكومة الأمّة و المجتمع على نفسه و إن كان مجرى هذه القدرة العامّة يختلف عن مجرى و قناة الحكومة و الدولة. و لعلّه إلى ذلك يشير تعبير الفقهاء بولاية عدول المؤمنين و إن كان ظاهر مرادهم تخصيصه بالحسبيات.

إلّا أنّه مع اطلاق المتعلّق ينطبق على هذا النمط من الولاية و القدرة.

هذا و الولاية و السلطة و القدرة كصفة في الموجودات التكوينية ترجع إلى كمالات الوجود و هي بطبيعتها تشتدّ شدّة و ضعفاً بدرجات كالوجود و بالتالي فتتباين حدود الماهيّات بحسب ذلك.

و منها: التولية و التفويض في إحراز صفات المنصّب في موقع من مواقع القدرة في النظام الاجتماعي و السياسي، كما في تفويض إحراز شرائط المرجع أو القاضي أو الوالي إلى عموم المكلّفين؛ فإنّ دورهم هذا و إن كان استكشاف واجديّة الشرائط إلّا أنهم نمط من الولاية و الخيار لهم، كما لو كان هناك عدّة من الواجدين لصفات فيتخيّر في الرجوع إليهم و هذا النمط من الولاية غير استكشاف أصل الخبرة في الموضوعات المختصة بمجال.

و منها: حجّية قول أهل الخبرة في الموضوعات، سواء على صعيد الشبهة

[1]التوبة/ 71.

[2]العصر/ 3.